“لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

    “سيدي الأستاذ النابغة: محسوبُك كاتب هذا – الأسطى حنفي أبو محمود – من كان له الشرف أن يُقلك فى عربته مرارًا، إما منفردًا أو مع زمرة من إخوانك ومحبيك، يرجوك ويتوسل إليك أن تكتب له كلمة صغيرة يضعها في مقدمة مذكراته التي ظن بعضهم أنها جديرة بالنشر… وأنا لا أرجو ولا أتوسل إلا لأني من المعجبين بقلمك وأدبك، وأنك باعتراف الكل الكاتب الذي تقرأ كتاباته كل الأفراد بلهف وشغف، وأستصرخ ديمقراطيتك أن تحن على حوذيِّك بكلمة تجعل لهذه المذكرات قيمة “.

بهذه الصرخة الطريفة الموجهة إلى الكاتب الكبير فكرى أباظة, استهل الفنان سليمان بك نجيب كتابة “مذكرات عربجي” الذي نشره تحت اسمٍ مُستعار هو “الأسطى حنفي أبو محمود”!.

المذكرات التى صدرت قبل أكثر من 90 عاماً (نشرت في عام 1931 في جريدة الكشكول علي شكل حلقات ضمتها دفتي كتاب فيما بعد) رصدت بشكل ساخر، فئة المتلونين الآكلين على كل الموائد، دعاة الثورية. كما تعرى المذكرات وتفضح انتهازيى السياسة فى مصر عقب ثورة 1919. وما أشبه اليوم بالبارحة.

لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال!

فهذا العربجى هو “الأسطى حنفى أبو محمود” الذى جعله الكاتب الأديب والفنان “سليمان نجيب” يجوب شوارع القاهرة مرافقاً رجال السياسة والنخبة، ومن أمثلة هؤلاء الرجال الانتهازيين فى مجال السياسة الذين تتناولهم المذكرات مسئول دخل عالم السياسة منادياً باستقلال مصر عن الاحتلال البريطانى، رافعاً شعار “لا زعيم إلا سعد” إشارة إلى سعد زغلول، ثم بعد ذلك تحول إلى شعار “عدلى فوق الجميع” يعنى عدلى يكن رئيس وزراء مصر الأسبق، ثم انتقل إلى شعار “لا حياة إلا لثروت” يعنى عبد الخالق ثروت رئيس وزراء مصر الأسبق، ويرجح أن نهاية هذا المسئول ستكون “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.

مضي سليمان نجيب أو الأسطى حنفي منتقدًا مجتمع “العاصمة” وأخلاق شبابها وبناتها. وعلى قدر ما تحمل المذكرات من إثارة، تحمل أيضًا هُوية كاتبها المزيد منها؛ فكاتبها الأديب والفنان الذي جعله يجوب شوارع القاهرة في عشرينيات القرن الماضي، مرافقًا نخبة المجتمع، ورجال السياسة آنذاك.

من تصدى لتهذيب الجمهور داسه الجمهور!

وقد أثارت المذكرات إعجاب المفكر والأديب “فكري أباظة” فقدَّم لها، ومدحها وأثنى على صاحبها وكتب يقول: “لا تفكر كثيرًا في الأزمة يا أسطى، ولا تطمع، وما دام علفك وعلف أولادك ومواشيك موجودًا فاحمد لله، وما دمت فليسوفًا فليكن جيبك “فاضيًا” كقلبك. ألا تعلم أن من تصدى لتهذيب الجمهور وجب أن ” يدوسه الجمهور ” ؟ انظر ” يمينك وشمالك ” بسكوت، وطبِّق »النظرية تجدها صحيحة، « فسِرْ » في طريقك هادئًا، ولا تجمد في “موقفك ” ؟

أصل الحكاية

وأصل  حكاية المذكرات أن سليمان نجيب (رحل عام 1955م) اهتدى سنة 1919 إلى فكرة «كتابة يومياته» في شوارع القاهرة، وضواحيها، وكانت تعتبر وقتها فكرة جديدة، وطريفة جداً، ومثيرة لإعجاب وشغف طبقات المجتمع المصري على اختلافها، ونشرها مسلسلة على صفحات «مجلة الكشكول»، وحازت تلك الحلقات تفاعلاً كبيراً بين القراء، ومسئولي المجلة، حيث يرد “الأسطى حنفي” على أحد الأدباء مرة، ومرة ثانية يرد على قراء، وينوب عنه محرر المجلة في الكتابة لإصابته في حادث، وجاء في “الكشكول”: “نحن نأسف كل الأسف لما حلّ ببطل الحوذيين الأسطى حنفي، ونبتهل إلى الله أن يمن عليه بالشفاء العاجل، وأن يعاود كتابة مذكراته، فيخدم القرّاء بقلمه لا بكرباجه”.

وقد حاول “سليمان نجيب” تلخيص مشاكل عصره بسلاسة وتشويق، وأغلب المشاكل التي تناولها، وسخر منها لا تزال موجودة إلى وقتنا الحالي، مع أنه كتبها في عشرينيات القرن العشرين، أي منذ حوالي قرن تقريباً، وما زلنا نراوح في مكاننا نفسه، ومشاكلنا عينها، وربما تعقدت أكثر من ذلك الوقت.

نشأ الأسطى حنفى أو سليمان بك نجيب نشأة ارستقراطية، وقد تخرج من “كلية الحقوق”، شأن جيله وقتها، وعمل مباشرة قنصلاً لمصر في استانبول، لكنه تفرغ فيما بعد للتمثيل، وكان أول مصري فيما بعد يشغل منصب رئيس “دار الأوبرا الملكية”، بعد سلسلة طويلة الأجانب الذين تولوا رئاستها. ومنحه “الملك فاروق” البكوية، ولم يشغله شيئ عن التمثيل طوال حياته إلى أن توفي في يناير 1955 ومن المعروف عنه أنه لم يتزوج.

النقاش — لا توجد تعليقات