فاكر أيام زمان.. تماما: قبل ديسيمبر 2010

أتتذكّر تلك الأيام التي كانت تسبق ميلاد شهر ديسمبر 2010، ذلك الشّهر الذي غيّر مسار حياتنا قبل العالم. أتتذكّر كيف كنّا نحلم ونتسلّح بأمل الثّورة التي كنا على يقين تام بأنها قادمة. كنّا مرضى بعدوى الأمل وكنّا نفعل “كما يفعل العاطلون عن العمل: نربّي الأمل”. أتتذكّر كيف كان حديثنا المُلتهب والمجرّد من أي خوف وكيف كنّا ننظر للعالم وكأنه ملك يميننا هو والحب والأبد. كيف كنّا نشتد على بعضنا أحيانًا ونتراشق بالأشعار وبالشّعارات ثم نهدأ ونغنّي للثورة والعالم الجديد. كيف كنّا نؤمن بجل أرواحنا وقلوبنا ونهزأ من كل اليائسين الذين سخروا من أملنا، وكنّا نريهم أننا ماضون مادام فينا نفس.

أتتذكّر كيف كنا نسخر من الموت ونُجِلّه في نفس الوقت، وكيف كنّا نراه حياة تقاوِمُ في فلسطين، وكيف كنّا نقف على أرض فكرها ونناجي المنسيين هناك ونتساءل عمن اتقنوا فن الحياة هناك ونندهش من الأطفال الأقوياء اللامبالين بالبندقية والذين يحفظون الأزقّة عن ظهر قلب ويعرفون أن الأرض تحميهم والبيوت القديمة والجد والجدّة والأبواب المصفحة في محال البلدة القديمة. كنّا نهتز هزًا للنساء والفتيات المتوشّحات بالكوفية والمتصدّرين للمشهد الدّموي ومن واتتهم الجرأة لأن يغرسوا عيونهم في الوجوه القبيحة، وأن يتسلّحوا بحجارة الجبال التي تزهر لوزًا وزيتونًا وبرتقالًا.

أتتذكّر حين مر الوقت على حين غفلة منّا ومن الزّمن وكبرنا أكثر وشعرنا بأن الأهل يضيّقون علينا بخوفهم وكنّا نشفق عليهم من تهورنا واعتقادنا بأننا مادمنا ثائرين، فإننا حتمًا نتصدّر للمخاطر في سبيل عالم أفضل وحريّة لا مناص منها وحياة رغدة، حيث تتحقق فيها أبسط أمنياتنا كأن تنشر كتابًا لك وأن أكتُبَ أنا شعرًا. وكنّا بالرغم من ثورتنا على الأهل نحبهم ونطلب منهم أن يصفحوا عنّا  أن يتفهموا معاناتنا.

– أحبك

لكن بلادي لا ترحم

لا يملك الفرد منا -حتى- أن يتنفس

حتى تعالت أصوات الثورة

وتحت الجلد احترقت –

أتتذكّر تلك الأيام تمامًا قبل وقوع شهر ديسيمبر 2010؟ لم نكن نعلم هل كنّا حقًا مستعدين لشيء مما حدث، ولم نكن نعلم أن فرحتنا ستؤخذ على حين غرّة ونتوه ونتخبّط ونتساءل وفي نفس الوقت نسخر بشدّة من كل هؤلاء المدّعين على شاشات التلفاز الذين قالوا: “لم نكن أبدًا نتوقّع وقوع الثورة”، أو حتى من قالوا وقد ارتاحوا أمام الكاميرات في أوج تأنقهم: “كنّا نعلم أن الثورة قادمة لا محالة”! كيف لهم أن يتبجّحوا في وجوهنا بكلامهم هذا في حين أنهم لم يرونا ولم يسمعونا. لم نكن نعلم أن ما حدث سيفرق الناس عن بعضها لمجرد اختلافهم في الرأي، وأنه سينتج فئة لزجة أخرى منهم وجدت سبيلًا لأن تظهر أخيرًا وتجد نفسها بمجرّد التصاقها “صوريا” بالثورة التي لم تخطر لهم على بال وأنّهم مجرّد دخلاء.

لم نكن نعلم أن الموت الذي كنا نتحدث عنه ليل نهار سوف يكون رزق أناسيّ مزّقوا وجوههم لنرى أبشع المسوخ. وأنه اللون الأحمر الذي يتصدّر العناوين اليومية، وأنه سيجري على ألسنتنا وألسن الأجهزة الإلكترونية التي تحاصرنا من كل اتجاه، بلا توقف أو هدنة. لم نكن نعلم أن الموت سيتصدّر المشهد ليكون الفخ الدائم الانتظار، سكون حيث الحدائق ذات الأشجار العالية وحيث المدارس والجامعات وحيث المشفى والجامع والمطعم والنادي والاستاد ويخطف وجوهًا أحببناها وأخرى قابلناها صدفة أو لم نقابلها. لم نكن نعلم أننا من سيقتل بعضنا، ونغتال أرواحنا وأن أكثر ما سنتشاجر عليه هو الموت. لم نكن نعلم أننا سنبكي كثيرًا ونفرح قليلًا ونشفى رويدًا رويدًا من الأمل.

1389480347

النقاش — 2 تعليق

  • محمد خوجلي فبراير 12, 2015 on 8:55 م

    جميل جدّا يا نور ، فكرتينا بذكريات حلوة
    ويا عالم مستنينا ايه في المستقبل

    Reply