غزة ترقص على أطراف أقدامها المدماة

لا تكتفي بأن تجمعي يا سارة يديك خلف ظهرك، حركي أكتافكِ تعبيرًا عن حالة الفرح. تنصت هذه الطفلة إلى معلم الموسيقى ثم تعود تكرر جملتها: “سِتِّي إلْها ثُوْبٌ وْشَالْ، عَالتوب مطرّز غزال، جَنْبُهْ وْرودُ وْسَنَابِلْ، من حواليها سبع جبال”.

يعود معلم الموسيقى يدعو الصغيرة وزميلاتها اللواتي يرصعن شعورهن بأطواق الياسمين بأن يمسحوا الحزن عن عيونهم قبل الصعود إلى خشبة المسرح؛ ذلك أنه كان في الكواليس يحاول شحن أصواتهم فرحًا، يكرر تعليماته: “حبيباتي، بدي شوف المسرح بيرقص من الفرحة”.

تخرج مقدمة حفل مهرجان البحر والحرية، صاحبة الشعر المجعد، تقدم فريق الفراشات البيضاء الواقفات على أطراف أقدامهن في انتظار إزاحة الستار. تصفيق حار صاخب يخترق جدران مسرح سعيد المسحال غرب مدينة غزة، ينحي فريق الكورال قليلًا ثم يشدو “يا ستي توبِك محلاه تسلم إيد اللي سواه، قالت طرزتو بإيدي في كرمتنا البعيدة. طرزتو غرزة غرزة، ولبستو ليلة عرسي”.

الأهزوجة التراثية هذه سلبت الحضور، دفعتهم للصراخ عاليًا: “برافو، برافو”. كان ذلك يعطي دلالة واضحة أن غزة تحب الحياة، وأن الناس على وجه هذه البقعة من الأرض يستحقون الفرحة رغم الحصار والفقر والموت الذي يخيم على الأرجاء.

بين الحضور، كان يجلس شاب جامعي يدعى سامر خليل، فقد بيته في الحرب الأخيرة على غزة (صيف 2014)، استثمرنا وقت التحضير لفقرة فنية جديدة على المسرح، وقطعنا حبل وصاله مع الموسيقى. سألناه عن دواعي حضوره، فأشار باختصار إلى أنه جاء يستبدل صوت البلدوزر الساكن في أذنيه من جراء العمل ليل نهار لإزالة مخلفات الحرب في حيه المدمر بصوت الموسيقى المرهفة، يقول إنه يحاول أن يعطي نفسه فرصة للعيش، وإن الناس هنا يجب أن يحذو حذوه، وألا يقفوا عند حدود الدمار والعدوان.

تعود مقدمة الحفل مجددًا لتنبئ الحضور بأن فريقًا فنيًا جديدًا سيقدم عرضًا خاصًا. يشير الحضور بأصابعهم إلى طفل يجلس خلف آلة القانون، يقولون إنه هو “محمود كحيل” يصفقون ويصرخون.

هذا الطفل قصير القامة، يسمونه بالمعجزة؛ لأنه يملك قدرة فائقة في العزف على هذه الآلة الوترية المتميزة بمساحتها الصوتية الواسعة. لقد بدأ العزف، الجالسون على المقاعد الحمراء ينكزون بعضهم أن اصمتوا. ساد الهدوء وبدأت أنامل هذا الصغير الذي سبق وأن شارك في برنامج المواهب العربي الشهير “Arabs Got Talent” تداعب الأوتار وتصدر لحنًا شرقيًا رقيقًا، ولما انتهى أشعلت الأنوار ووقف من في المسرح منبهرًا والتصفيق الحار كان سيد الموقف.

بعد لحظات، حركت فرقة الدبكة الشعبية التي صعدت إلى المسرح على أنغام “أنا دمي فلسطيني”  للمغني محمد عساف كل شيء في المكان، صخب ضربات الكِعاب في الأرض كانت باعثة على الحماسة. العرض الفولكلوري كان أخاذًا، جميلًا إلى حد دفع بالجدات ليرددن الأغنية ككورال متألق.

الحالة هنا أشبه بعرس وطني اختلط فيه الطرب مع الثورة، فكان نموذجًا للوجه الفلسطيني الجميل، الذي لا ينتمي للموت بقدر ما يعشق روح الحياة، ولكنه في ذات الوقت يرتدي وشاح الكفاح من أجل الأرض “سيدة الأرض”، كما يصفها الشاعر الراحل محمود درويش.

ولأجل سيدة الأرض أيضًا، يقول إبراهيم النجار -مدير مهرجان البحر والحرية، مدير معهد أدورود سعيد الوطني للموسيقى- إنهم جاؤوا ليغنوا: “نغني، كدعوة للتحرر، نقدم أعمالنا الفنية المختلفة للدلالة على أننا كشعب فلسطيني لا نجيد الثورة فقط ولكننا نبدع في الموسيقى أيضًا“.

وأضاف النجار والابتسامة جلية على محياه: “أردنا أن نغني للحرية وللبحر الذي يعطينا الأمل في الحياة، نسلط الضوء في هذا المهرجان على فرق موسيقية مختلفة تقدم العمل الفني الراقي الذي يخدمنا كشعب فلسطيني ويظهرنا بشكل راقٍ، نتباهى بهذا الفن أمام العالم“.

وبعث برسالة قال إنها رسالة هذا المهرجان: “نحن شعب معطاء ينشد الطمأنينة والأمل، ويبحث عن الحرية للأسرى وللوطن، ويرمي إلى فك قيود الحصار عن غزة“.

النقاش — 4 تعليق

  • نيال سبتمبر 6, 2015 on 4:09 م

    هل نجتمع مع الشيطان لتحرير فلسطين.
    اتقوا الله و عودوا إلى كتاب الله.

    Reply
  • شيرين العكة سبتمبر 6, 2015 on 8:02 م

    ما قرأته هنا يشبه شيئًا من الأصالة القديمة التي أحب، شيئًا من الأدب الروسي الذي أفضل، خاصة عندما يصفون حفلاً أو واقعة ما ..
    أكتب لنا المزيد ..

    Reply
    • فادي الحسني شيرين العكة سبتمبر 8, 2015 on 1:52 م

      من بعض ما عندكم شيرين، سلمتِ صديقتي على هذا الإطراء

      Reply
  • نحمد حسن يونيو 26, 2016 on 5:08 ص

    اوردها سعد و سعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد اﻻبل
    القدس ﻻ ترجعه اﻻهازيج و اﻻغاني و الموسيقي انما يرجع باطفال اقوياء يمسح الدمع عن وجوههم من يحمل السﻻح و يرد لهم حقهم المغتصب و بيتهم المدمر .. ﻻ .. ﻻ الذي يهدم ثم يأتي ليستمع لجلسات اﻻهازيج و المرح و العدو يغتصب اهله و ماله
    العدو يعلم تماما انكم اضعف من ان تحركوا فيه ساكنا ﻻنكم بهذا تركتم القران و اتبعتم الشيطان

    Reply