شيء عن الفلسفة

الفلسفة تشمل الجانب الذي تتم به عمليات التفكير التي تتجاوز (الآنية) و(الغرائز) و(المحيط الضيّق للمُفكر)؛ ولا نعرّف غير الإنسان البالغ العاقل الذي يستطيع ذلك حتى اللحظة، فالمجانين [جنون معيّن] والأطفال [عند سن معيّنة] لا يستطيعون ذلك وإن كانت بعض عمليات التفكير تتم عندهم [مراحل النمو المعرفي عند جان بياجيه] ــ لكن ما الذي دفع بالإنسان إلى هذا التجاوّز ؟!، أنا شخصيا أعتقد أنه (العمل) أو (نمط العمل) الذي دفع بالإنسان إلى ذلك؛ يذكر إنجلز أن العمل كان له دور في تطوّر يد الإنسان، لكنه أيضا يذكر أن هذا التطوّر شمل بقية الأعضاء، والتي منها الأعضاء التي تقوم بعمليات التفكير [مثال الإمساك بالقلم؛ الكتابة].

لكن على الرغم من الدور الذي قام به (العمل) أو (نمط العمل)، فإن التفكير لم يبق تابعا للـ(العمل) أو (نمط العمل)؛ وهذا عائد بالضرورة إلى التطوّر الذي شمل (العمل) أو (نمط العمل) ــ لدرجة أن التفكير أمسى يبدو مستقلا بذاته المُفكرة، بل وبلغ مرحلة يبدو فيها مستقل عن الذات المُفكرة؛ فالفكر أو عمليات التفكير أمست مستقلة، ومن هنا يمكن القول أن نشأة الفلسفة كانت [عمليات التفكير التي تتجاوز (الآنية) و(الغرائز) و(المُحيط الضيق للمُفكر)].

فشُيّدت الأنظمة الفكرية للتفسير في البداية [التفسير الذي إمتلأ بالخوف والوهم والجهل؛ البعض ينسب نشأة الأديان إلى الخوف والوهم والجهل، متجاهلا أن الحيوانات هي أكثر خوفا وجهلا وخضوعا للوهم، إلا أنها ليست متدينة ــ لأن نشأة الدين مرتبطة بعمليات التفكير التجاوزية]، وتطوّرت الأنظمة الفكرية بفعل المُتغيّرات الإجتماعية والمعرفية؛ لذلك فرغم إستقلال الأنظمة الفكرية الظاهري، إلا أنها تبقى مربوطة ومرتبطة بالواقع الذي أنتجها وأنتج تجاوزها لأياه بطريقة أو بأخرى [الواقع أنتج تجاوز الواقع؛ ظروف الواقع].

لكن بقدر ما نؤكد ربط وإرتباط الفلسفة بالواقع [والذي يشبه تأكيدنا أن الجميع فلاسفة]، كان من الضروري أن نؤكد خصوصية الفلسفة التي تتيح لها إستقلالا نسبيا؛ ليس مجرد تجاوز، بل التجاوز ذاته.

* يقول جيل دولوز (الفلسفة ذاتها لا تختزل في تاريخها لأنها لا تكف عن الإنفصال عنه لتبدع مفاهيم جديدة).

النقاش — لا توجد تعليقات