حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف عن المذاكرة وأطرد الشيطان عن مخيلتي التي يتلاعب فيها مقرراً أن المذاكرة أهم، فالامتحان غداً ولديك فصل كامل لم تراجعه وبعد ذلك أخذ يحرضني على الصلاة في المنزل؛ لأن الجو بارد جداً، ولا يمكن أن تغامر بالنزول من تحت الغطاء الدافئ إلى صقيع شتاء ألاسكا الذي حل بمصر، فما كان مني أن اتخذت القرار الجريء بأن أنزل، فأخذت معطفي الضخم متجهاً إلى الصلاة.

السلام عليكم ورحمة الله انطلقت من الشيخ هادئة لتعلن عن نهاية الصلاة، فإذ بي أقوم مسرعاً إلى باب الخروج، ولكن وجدت مَن يقول لي: يا كابتن هلا انتظرت قليلاً، أريد أن أتحدث معك، وإذ به إمام المسجد يستأذنني لأنتظره حتى ينتهي من صلاته السنية الثانوية، المسجد يفرغ سريعاً من المصلين إلى أن انتهى الشيخ صاحب اللحية التي تقارب سرته وجسده القوي كمحارب قديم في الشيشان أتى الآن ليحاربني في المسجد.

بوجه عابس وعينين منتفختين من تأثير النوم ومحاولة باهتة لاستعراض الابتسامة، يحدثني الشيخ -كأننا نعرف بعضنا منذ فترة طويلة- موبخاً: ماذا ترتدي يا كابتن؟ هل تعرف ماذا تضعه على صدرك أم أنك كباقي الشباب -هداهم الله- يسير بلا وجهة؟ فنظرت إلى ما يشير إليه فوجدت صورة جيفارا مطبوعة باللون الأسود على الـ”تي شيرت” الأبيض الذي أرتديه تحت المعطف العظيم.

إنه ملحد لا يعترف بالله كخالق لهذا الكون، هل تترك كل التابعين والصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم وتقتدي بهذا الكافر؟ وجه الشيخ تحول إلى اللون الأحمر وبدأ الدم يتدفق في عروقه وصوته يرن بشكل مبالغ فيه في المسجد، وأنا لأول مرة أتعرض لهذا الموقف الغريب الذي يضعني في خانة المتهم الذي ارتكب ذنباً عظيماً بعدما كنت فارساً مغواراً هزم الشيطان في البرد القارس ونزل ليصلي الفجر، وها هو يقف كي يُحاسب في الوقت والمكان الخاطئين.

ينظر لي كأنه يريد أن يحرقني بعينيه أو يفعل بي ما فُعل بجيفارا قديماً حيث أعدم بالرصاص، هل يعلمونكم أن تتبعوا الملحدين؟ هل يغرسون فيكم كره الإسلام ومعاداة الحق؟ يا بني أنا لا أملك إلا أن أقول لك أن تخلع هذا الملحد مَن على صدرك وتلقيه في النار حيث مكانه الصحيح ولا ترتديه مرة أخرى لا في المسجد ولا خارج المسجد، وأدعو لك الله أن يهديك ويثبتك على الحق واليقين والاستمرار في صلاة الفجر جماعة معنا.
حاجباي كادا أن يمتزج شعرهما مع شعر رأسي لما يقوله الشيخ، فأنا لا أعرف كيف يحدثني هكذا! وكيف يُملي عليَّ ما أفعل، وكيف عرف أن جيفارا دخل النار والجحيم هو مستقره الدائم الآن؟ هل لديه واسطة قوية بين أهل النار؟! إنه يتحدث بثقة ليس بعدها ثقة وكأنني أحدث أحد العاملين في مكاتب المُغذبين في النار!!

 أيها الشيخ.. هل الظلم حلال؟ لا أريدك أن تجاوب، أيها الشيخ لأن جيفارا أفنى حياته في سبيل رد الظلم عن الشعوب التي تعاني من الظالمين، إذا كان ملحداً فإن الله سوف يحاسبه على إلحاده وليس أنت، أما أنا فسوف أرتدي ما أشاء وأصلي بما أريد، فالأفضل لي أن أموت كجيفارا مجاهداً في غابات بوليفيا لتحرير العقول وتوعية الضمائر وفك أسر المغلوبين ومناصرة الشعوب الميتة بفعل الطغاة القابعين فوق العروش الظالمة، أريد أن أموت في الغابات نصيراً لمبدأ أضحي من أجله، ودع النهاية لرب النهايات وليس لك وللإخوة الذين يحتكرون الله تحت لحاهم.

الأفضل لي أن أكون جيفارا وألا أكون كحاكم يحج كل عام وفي مقابر سجونه الآلاف يدعون عليه والملايين يعانون من وجوده، كيف ينامون -هؤلاء الحكام- وهم ظالمون أيها الشيخ هلّا قلت لي؟ يصلون الجمعة ويبكون عند الدعاء كأنهم عارفون بالله وصفوة الولاة وهم في الأصل مجموعة من اللصوص السارقين للشعوب، هل الأفضل لي أن أكون كجيفارا أم كهؤلاء العارفين؟

لم يرد الشيخ ولن يرد؛ لأنه اعتقد أنني أحد العسس الجدد لهذا المسجد الذين يتابعون ماذا يحدث وماذا يقول الإمام، وهل يخطئ في القيادات الرشيدة أم لا؛ لذا اعتقد أنني أحاول استدراجه للحديث عن القيادات، فبتسَّم لي وقال: وأطيعوا أولي الأمر منكم وابعد عن الكفار طبعاً.

وتركني مسرعاً؛ كي يغلق المسجد، فخرجت قبله لست عابئاً بملامح وجهه القلقة، فذهب في طريق وذهبت في طريق آخر، وترك معي جيفارا وهمَّ الامتحان ولوم الشيطان لي على تضييع وقتي فيمن سيدخل النار ومَن سيدخل الجنة.

النقاش — 9 تعليق

  • أبو شرق مارس 14, 2017 on 1:58 م

    شكرا على مقالك الجميل عن تجربتك، والتي تعرضت لها أنا أيضا في مدينة عمان شرق الأردن منذ زمان، حيث أن رجلا أرشدني إلى الإسلام طلب منني خلع بروزة عليها نفس البرورتريت جيفارا المشهورة للمصور Alberto Korda، وتمزيقه عندما رآني أرتديه عند الصلاة في المسجد. ألم لا يعلم هو وأمثاله، الذين يعتبرون الماركسية بمثابة الإلحاد، بأن جيفارا والثوار العالميين الآخرين كانوا من المؤيدين لتحرير ثالث الحرمين الشريفين من أيدي أكبر الظالمين في التاريخ المعاصر بعد جزارهم هتلر، وألا تعتقد أنهم يستحقون دخول الجنة أكثر من المصلين الصامتين أمام ذلك الظلم الأكبر على أبناء جلدتهم؟؟؟

    Reply
  • ماهر عدنان قنديل أبريل 9, 2017 on 6:11 م

    تحياتي أستاذ عبد الرحمن، أتفق تمامًا معك نحن نعيش في عصر التعليب والتغليف الأيديولوجي.. لا تلوم هذا الشخص الذي قد لا يتصرف من محض إرادته بل حسب تقاليد تم غرسها به.. هذا الكره والحقد على الماركسية وغيفارا ليس مبرر عندما نعلم رسالة الماركسية وتعاليم غيفارا الثورية..

    Reply
  • أحمد توفيق أبريل 16, 2017 on 1:39 ص

    ما معنى يحتكرون الله تحت لحاهم؟! هل لابد من هذا الأسلوب كي تصفهم بالتشدد؟ هناك أدب لابد أن يلتزم مع الله عز وجل بغض النظر عن نظرتك لهذا الشيخ أو غيره.. انتقده كما شئت لكن لا تستخدم مثل هذه الألفاظ.. عموما: المقال مفهوم في تكراره للطريقة إياها في نقد المتدينين: إن اقتصروا على شأن ما لا يتعلق بالظالمين قلتم أين أنتم من الظلم؟ فإن ناضلوا ضده قلتم أدخلتم الدين في السياسة وتتاجرون بالدين؟! تعرف: ليس للمتدين من طريق معكم سوى أن ينسحب من الحياة كلها ويموت!

    Reply
  • أحمد توفيق أبريل 16, 2017 on 10:12 ص

    ثم: أرخص وسيلة للشهرة هي تلك التي تتخذها الآن.. هناك نماذج سيئة من المتدينين ممن تختزل الدين في بعض الشعائر، هذا صحيح، لكن هؤلاء ليسوا المعوق الأهم لمنع الظلم، أضعافهم في اليسار والليبراليين، بل إن معظم نخبة ومساندي الظلمة هم من هؤلاء الجيفاريين المصطنعين، وعلى ذكر جيفارا.. هل قرأت سيرته جيداً؟ أشك؟ لأنك لو فعلت فستجد نفسك في حرج، أتصفه بالإرهاب مثل المتدينين أم تصفه بأنه يحتكر النضال تحت لحيته؟!

    Reply
  • فطين أبريل 18, 2017 on 7:59 ص

    السلام عليكم
    يا صاحب المقال هدانا الله واياكم سبيل الرشاد لو كنت أنت دون سن البلوغ وكنت ولي امرك لمنعتك حتما من ارتداء هذا اللباس في الصلاة وغيرها لماذا نطيل الخوض فيما لا طائل من ورائه ؟

    Reply
  • عبود السيد أبريل 20, 2017 on 11:24 ص

    الماركسية هي ليست بدين او معتقد …….بل هي ما ترجع للانسان انسانيته ولادخل لها بالاحاد …..وجيفارا اشرف واطهر من جميع العرب والمتاسلمين على مر التاريخ…….جيفارا هو مثل بل قدوة لي ولك ولكل انسان على الكوكب…….هو نموذج الانسانية …..جيفارا وما ادراك ما جيفارا ………..جيفارا هذا الشيوعي الماركسي الاشتراكي العظيم المثقف المتعلم ال…………..الخ……..جيفارا لم يكتب التاريخ بل التاريخ من كتبه… جيفارا يااخي ……..جيفارا عظيم…….

    Reply
  • أمة الله مايو 2, 2017 on 3:56 م

    الله يحشركم مع جيفارا وأمثاله

    Reply
  • عبد الله علوان يونيو 7, 2017 on 8:51 ص

    يا خوي اه طبعا جيفارا في النار لانو كل من لا يؤمن بالله والرسول فهو في النار
    ويبدو انك بحاجة لوعي اكثر لانو لا ييصح ان تصلي في المسجد بملابس بها صور مهما كانت الصور , وان كان الشيخ استخدم اسلوب غير طيب معك فهذا لا يبرر خطاك أنت

    Reply