“تركيا”.. حينما تتحدث السياسة

عندما تتحدث لغة المصالح الاستراتيجية التي هي صلب العمل السياسي البحت تجد تركيا تقفز من قطر الداعمين الأساسيين للثوار السوريين ضد نظام بشار الأسد والجماعات المسلحة اللتي تقاتل ضده لتقرب وجهات النظر مع القوة الإقليمية في المنطقة إيران والقوى العظمى روسيا لمحاولة ترميم علاقاتها مع أهم لاعبين في ساحة السورية التي افسدتها الثورة السورية.

وقفت روسيا مع حليفها القديم الأسد وإيران التي دعمت بشار بكل ما تملك واستماتت دفاعاً عن سلطته ضد جماعات المسلحة السنية.  اختارت تركيا أن تدعم الثورة والثوار ضد نظام قمعي وديكتاتوري كنظام الأسد .علاقة أردوغان مع الأسد قبل الثورة لم تكن  على ما يرام ، فالخلاف كان أيديولوجيا بين الرئيس التركي رجب أردوغان  المنتخب من حزب الحرية والعدالة ذي المرجعية الإسلامية و بشار الأسد اللذي ورث الحكم من أبيه حافظ  الأسد قادما من حزب البعث العربي الاشتراكي ترجم ذالك إلى فتور وتوتر دائم تخللها اتهامات من الطرفين بدعم حزب العمال الكردستاني صاحب النزعة الانفصالية في تركيا.

اختارت تركيا منذ بدء الثورة أن تدعم الثوار بكل الطرق التي أخذت منحى السلمي في بدايتها لكن القمع المفرط للسلطة السورية ما لبث إلا أن انقلب السحر على الساحر بدأت الثورة السورية أن تأخذ المنحى العنيف ادخلت الثورة في نفق العنف والعنف المضاد المظلم ، تسلح الثوار في مواجهة مليشيات الأسد المجرمة وطيرانه ودباباته وتحولت الثورة إلى حرب عصابات. مع تتابع الأحداث تشكلت احلاف دولية لدعم الثورة السورية وأخرى ضد الثورة السورية أو بأسم آخر داعمة للنظام كان على رأس الداعمين تركيا وقطر و بعض الدول الخليجية ، أهمها تركيا الحدودية مع سورية  والمعبر الرئيسي لتمرير الدعم العسكري والمساعدات الإنسانية.

أخذت الثورة السورية المنحى العنيف بسرعة كبيرة حيث عمت  فوضى السلاح والجماعات الإرهابية المسلحة عبرت إلى الداخل السوري وأسست العديد من كيانات و سيطرت على قرى ومناطق بأكملها ، والثوار اللذين كان أقل عددا ومقدرة وتجهيزا على مقارعة جيش بشار المدعوم بسلاح الجو الروسي والمليشيات الإيرانية  والجماعات الإرهابية المتمرسة التي دخلت على خط الثورة في مختلف المناطق السورية. لكن شمالاً ظهرت قوة أخرى اتفق المجتمع الدولي على دعمها الغرب وخصوصا الولايات المتحدة هي المليشيات الكردية التي أثبتت نجاحها  في قتال تنظيم القاعدة في العراق ونجاحا في حرب تنظيم داعش في سورية ولم تملك أي أجندات دينية أو عقائدية ضد الغرب  كانت طموحة فقط في إنشاء دول للأكراد في شمال سورية تشمل أجزاء من تركيا والعراق.

مع مرور الوقت واتساع رقعة العنف واحتدام المعارك في الداخل السوري لم تكتفي الدول الداعمة للنظام السوري بالدعم العسكري بل بادرت بالتدخل العسكري المباشر لدعم حليفها بشار ضد الثوار و الجماعات الإرهابية. بينما كانت الميليشيات الكردية بدأت تكتسب نفوذا كبير في الشمال السوري بعد سيطرتها على مناطق عدة على الحدود مع تركيا بل تطور الأمر إلى أكثر من ذالك إلى إعلان التمرد على الدولة التركية  والقيام بعمليات عسكرية ضد الجيش والشرطة التركية ليس ذالك وحسب فالحدود التركية كانت تستقبل الآلاف لاجئين يومياً قادمين من سورية تغلغل في داخلهم عناصر إرهابية قامت بسلسلة من العمليات الأنتحارية الدموية صدمت الشارع التركي والعالم.

كان منسوب الخطر في تركيا يرتفع يوميا وفاتورة دعم تركيا للثورة السورية ترتفع يوميا من أمنها واقتصادها فتوتر العلاقات مع روسيا كان باهظا حيث كان إسقاط الأتراك لطائرة روسية عبرت الحدود التركية إلى شفه إعلان حرب بين البلدين  وقطيعة اقتصادية كلفت الميزانية التركية المليارات وتراجع السياحة التي تعتبر من أهم مصادر الدخل القومي بسبب العمليات الإرهابية، رغم كل التكلفة وتململ الرأي العام استمرت تركيا في دعمها للثوار بحذر شديد إلا أن جاءت القشة التي قسمت ظهر البعير قيام مجموعة من الظباط والقادة العسكريين بمحاولة انقلاب على حكومة أردوغان المنتخبة باءت بالفشل.

كانت محاولة الانقلاب العسكري نقطة تحول جذري في سياسة تركيا الخارجية وترتيب أولوياتها حيث كان الدعم الخجول من حلفاء أردوغانله بعد محاولة الانقلاب لم يطمح إلا ما كان يتوقعه من تضامن ودعم. العرب والغرب اللذين يعتبرون أردوغان حليفهم الاستراتيجي في المنطقة، أدى ذالك إلى تغيير منحى علاقاتها وتحالفاتها كان أولى القرارات هي إغلاق الحدود بشكل كامل رغم تراجع الدعم سلفا في الأيام الأخيرة وإلى اعتذار تركيا رسمياً عن إسقاط الطائرة الروسية و تبادل الزيارات رسمية بين وزراء الخارجية بين إيران وروسيا و التمهيد إلى طي صفحة الخلافات بين كليهما وبناء تفاهمات حول سوريا بما يضمن حماية حدود تركيا أولا ووحدة أراضيها على دعمها لأي طرف آخر في سورية.

إلى الآن تدور كثير من تكهنات حول مصير الحلف الداعم للثورة السورية. وهل هي النهاية حيث لم تصرح القيادة التركية عن تركها الحلف نهائيا؟ً .وهل ستنضم تركيا إلى الحلف الإيراني الروسي ؟ وماذا عن امريكا والغرب اللذي على وشك أن يخسر اهم حليف لهم وعضو مهم في حلف الناتو ؟. أعتقد ان الغرب والولايات المتحدة لن يصمت طويلاً أو لن يسمح بحدوث ذالك والأيام ستثبت لنا ذالك فمن يعرف السياسة الخارجية الأمريكية يعرف أن تخلي عن تركيا الحليف القوي في موقع مهم في منطقة ملتهبة بالصراعات والغنية بالنفط لن يكون بتلك السهولة.

النقاش — لا توجد تعليقات