اليسار المخبول

حينما يأتينا تيار سياسي له أدوار مهمة عبر التاريخ الحديث لشعوب أوربا وأمريكا و عالمنا العربي كانت له مساهمات فعالة بشكل مباشر في فترة الثورة الصناعية بل لعب كقلب الفكر السياسي في ذالك الوقت تبنت فيه التيارات اليسارية التحرر من الحكومات الديكتاتورية و قضايا الطبقة العاملة في المصانع من ضمانات اجتماعية وإنشاء نقابات للعمال،كان لها تأثيرات واضحة في الوطن العربي في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي فنشأت أحزاب تأثرت باليسار في الغرب أهمها الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي السوداني شاركت في الحياة السياسية بل وحظيت بشعبية من جيدة إلى جيدة جدا ، امتنع اليسار العربي آن ذاك عن نبش قضية العقيدة والأديان ومارست دورها السياسي كبقية الأحزاب بناءً على ارثها اليساري في الدفاع عن الطبقة الوسطى والحريات العامة ، على عكس اليسار الأوربي اللذي هاجم تدخل الكنيسة على مؤسسات الدولة.

كانت بداية اليسار في الوطن العربي مشرقة رغم أنها لم تكن بتلك الشعبية التي نالتها في أوربا بل انتشرت بخجل شديد وسط النخب والمتعلمين فالثقافة السياسية لم تكن مادة علمية آنذاك فالاستعمار والثقافة الدينية كانت عقبات كبيرة في وجه الحركة السياسية الجديدة حتى بعد زوال الاستعمار وبداية تشكل الملامح السياسية للدول العربية لم تكن أبدا موضع ترحيب بل روج لها على أنها استعمار وغزو فكري جديد من حكومات وأنظمة قام بتشكيل بداياتها المستعمر نفسه وعلى الجانب الآخر بدأت الأحزاب والحركات الإسلامية الناشئة حديثاً الحرب والمناكفات مع الحركات اليسارية والليبرالية وتحويل المعترك من سياسي بحت يهدف إلى تطوير الأفكار وبناء الدولة وقضايا المجتمع و الاهتمام بالفئات الوسطى والفقيرة الى سجال  حول هوية الدولة دينية والمعتقدات الدينية وقضايا الحكم والقضاء …..الخ. تطور السجال حتى دخل إلى دائرة العنف والاغتيالات في منتصف السبعينات، والاتهام بالتكفير والشرك و ما إلى ذالك.

السجال مستمر إلى الآن لم يراوح مكانه الأول أحيانا تدعمه الحكومات الديكتاتورية والغير منتخبة عندما تحابي طرف وتنكل بالآخر كما حدث أو يحدث الآن في مصر عقب أحداث ثلاثين يونيو عندما شاركت حركات اليسار في دعم الانقلاب العسكري على مرشح الإخوان المسلمين ، او يستبد بأحد الطرفين بالحكم ويقصي الآخر لتمثل هي الحكومة الديكتاتورية كما حدث مع حزب البعث اليساري اقصت جميع الفرقاء السياسيين واستولت على الحكم في سوريا.

كلا الطرفين في حربهم على مباديء الاخر لم ينجوا من فخ العنف فكان الانجرار نحو العنف جاذبا طمعا في الحكم والتخلص من أي منافسة مستقبلية لتختفي قيم اليسار المتمثلة في احترام الحريات العامة والهيمنة على النقابات وقيم اليمين الديني في احترام المنافسة العادلة في الحكم عبر صناديق الاقتراع وعدم جر الخطاب الديني إلى فخ الجدل السياسي.

تلقى اليسار العربي ضربات من مختلف الجهات حتى اختلت بنيته الأيديولوجية فنشأ  تيار جديد أو طفرة جديدة إلى ظهور تيار جديد ضد الدين’ anti religious’ فقط مفرغ من محتواه السياسي المناهض للديكتاتورية والاستبداد والمدافع عن الطبقات الفقيرة والعاملة فقط مناهض للفكر الديني والأحزاب الإسلامية. جعلت الأنظمة الديكتاتورية العربية سعيدة بتلك الفئة (اليسار) فكل ما تشعله من فتن تشغل به الرأي العام بالهجوم على أحزاب الإسلام السياسي  يزيح الكثير من الضغط عنها ويمثل ملهاة سياسية جيدة عن الإصلاح السياسي وعن قيم اليسار الحقيقة في العدالة ومناهضة القمع وكبت الحريات  فضت الكثير من فئات المجتمع من حولهم ومن المجال سياسي اللذي يدار فيه نقاش عقيم عن الأسلمة و الأديان لا يمس قضايا المجتمع في البطالة والصحة والتعليم وتردي الأوضاع الاقتصادية ، فقط يتسم بالكثير من الجدل والنخبوية تفتح الباب نحو تحالفات بين السلطة والتدخلات الأجنبية.

الانحدار الرهيب لليسار في المنطقة العربية أنتج لنا تيار مخبول يعمق الشروخ في الخرابة السياسية التي نعيشها الآن يدعم مناخ التعصب الديني يعطيهم هدية سماوية للاستمرار في اجرامهم. كان آخرها اغتيال الناشط اليساري الأردني ناهض حتر أمام  مجمع للمحاكم في العاصمة عمان جريمة مدانة وغير مبررة تحت أي مسمى رغم تهجمه أكثر من مرة على الرموز الدينية ودعمه للسفاح بشار الأسد.

رغم كل ذالك يجب أن لا تكون تلك النهاية أو نفقد الأمل في تجربة اليسار بل يجب الوضع في صورة تجارب رائدة كتلك التي في التونس والجزائر وضع فيها الطرفان السجال العقائدي العقيم جانباً والتركيز في تقديم تجربة سياسية مشرقة تقوم على وضع أرضية مشتركة بل التحالف من أجل المصلحة العامة في  محاربة الفساد والإرهاب والحكم الرشيد.

النقاش — لا توجد تعليقات