اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

في ذكرى اليوم العالمي للغة العربية (التاسع عشر من كانون الأول من كل عام)، تواجه اللغة العربية تحديات كبيرة وواضحة في ظل ما يشهده العالم من طفرة تقنية ودخول التكنولوجيا لمجالات الحياة المختلفة، باعتبارها من أشهر اللغات تحدثًا على مستوى العالم؛ إذ يتحدث بها ما يقارب 800 مليون نسمة في شرق العالم وغربه، كما تحظى لغة الضاد باهتمام المسلمين في كل أنحاء العالم باعتبارها لغة القرآن الكريم ولغة إقامة الشعائر الدينية لكل من المسلمين والمسيحيين على حد سواء وبخاصة في الوطن العربي الذي تنتشر فيه الكنائس ودور العبادة لغير المسلمين من النصارى على مختلف طوائفهم. كذلك تعتبر اللغة العربية من اللغات الرسمية المعمول بها في الأمم المتحدة ومن اللغات الأكثر انتشارًا واستخدامًا على شبكة الإنترنت، حيث ينتشر متحدثوها في جميع دول الوطن العربي، إضافة لدول المغرب العربي على استحياء.

ونتيجة لثورات الربيع العربي وما يشهده عالمنا العربي من تغيرات على المستوى الجغرافي والسياسي بداية مما يحدث في بلاد الشام والعراق وليبيا واليمن، بدأت اللغة العربية تلقى رواجًا غير مسبوق خصوصًا في الدول التي شهدت هجرات موسعة لللاجئين العرب من سوريا والعراق وليبيا وغيرها من دول المشرق العربي التي تأثر مواطنوها بالخراب والدمار الذي لحق بلادهم، فقرروا الهجرة والخروج لدول الغرب، مثل ألمانيا وتركيا والسويد واليونان وغيرها من الدول الغربية التي كان لها دورٌ كبير في احتضان اللاجئين. ولما كان على هذه الدول محاولة فهم هؤلاء اللاجئين وعاداتهم وطبائعم تمهيدًا لانخراطهم في المجتمع الجديد واستيعابهم، فقد اهتمت- بصورة غير مباشرة – باللغة العربية ودراستها وظهر هذا الاهتمام وزاد مع تزايد وتيرة الأحداث في منطقة الوطن العربي، وخاصة في العراق وسورية التي تأزمت فيها الأحداث واشتدت وطئتها حتى زجّت بكل من روسيا وتركيا وأمريكا وإيران للخوض في غمارها؛ خوفًا من أن تؤدي هذه الأحداث إلى تغيير الطبيعة الديموغرافية لبلاد مثل العراق وسورية باعتبار أن كلا الدولتين تشترك حدودهما مع كل من العراق وسورية، كما أن تركيا وإيران بينهما تصارع قديم قدم التاريخ ممتد للتنازع الذي كان قائمًا بين الإمبراطوريتين العظميين الفارسية والبيزنطية..!! وقد انعكست هذه الأحداث على توجه الغرب لدراسة لغة هؤلاء المهاجرين لا حبًا فيهم وفي لغتهم، ولكن في محاولة منهم لفهم ثقافة القادمين الجدد ونفسياتهم والذين وصل عددهم في ألمانيا لوحدها لما يقارب المليون مهاجر، وهذا رقم يثير حفيظة مثل هذه الدول التي تتشدق ليل نهار بمصطلحات الإرهاب والقتل خصوصًا أن غالبية هؤلاء اللاجئين من المسلمين، ومن ثم قد يُحْدِثُ تغيرٌ غير مسبوقٍ في التركيبة السكانية لهذه الدول.. ولا ننسى أن نشير في هذا المقام إلى الأعداد الغفيرة من الشباب الأوروبي الذي اعتنق الإسلام والتحق بتنظيم الدولة في سورية والعراق أو ببعض الجماعات الجهادية في مناطق الصراع والذين وصل عددهم لـ100 ألف تقريبًا؛ فلا شك أن هؤلاء تعلموا اللغة العربية نتيجة لاختلاطهم وتعايشهم مع أهل هذه المناطق من العرب المسلمين، ناهيك عن حالات الزواج والارتباط التي حدثت بين أفراد التنظيم رجالاً ونساءً من العرب والأجانب، أو بينهم وبين أهل المناطق التي يدور فيها الصراع؛ هذا على المستوى الغربي.

      أما على مستوى الوطن العربي، فمنذ بداية ثورات الربيع العربي، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الدردشة وصفحات الإنترنت تغيرًا ملحوظًا في توجهات شريحة كبيرة من الشباب العربي وتحديدًا المثقفين منهم، نتيجة لتسارع أحداث هذه الفترة، فظهرت على إثر ذلك مصطلحات وألفاظ ومفرادت جديدة ومبتكرة تولدت من رحم هذه الأزمة؛ لتُعبّر عما يختمر في أذهان كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث استحدث الشباب طريقة كتابية جديدة هي خليط من الحروف العربية والإنجليزية (تسمى الفرانكوأراب أو الأنجلوعربية) تعبيرًا عن تسارع الأحداث وكلغة مبتكرة وسريعة – من وجهة نظرهم- للتعبير عن وجهات نظرهم وآرائهم إزاء ما تمر به بلادهم من أزمات، ولظنهم أنها لغة العصر والحداثة والثقافة..

وبعيدًا عن المغرضين الذين يستخدمون هذه الطريقة في كتاباتهم ومراسلاتهم وحياتهم العادية ويحاولون التأصيل لهذه الطريقة والقول بأنها قديمة النشأة، إلا أننا لا نفضل تسميتها “لغة” بل نؤكد أن هذه الطريقة من الكتابة دخيلةٌ على اللغة العربية وتتعارض معها تحدثًا وكتابةً، وهي محاولة مغرضة لطمس الهوية العربية والإسلامية وفكرة مستحدثة لمحو اللغة العربية وإضعافها شيئًا فشيئًا خصوصًا وأنها تستهدف شريحة الشباب تمهيدًا لإبعادهم عن القرآن الكريم مصدر لغة الضاد والمصدر الأول للتشريع الإسلامي، وفي هذا من العنت ما فيه..!! نضف لذلك أنها انتشرت وذاعت في ظروف غامضة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتطور التقني الذي غزا بيوتنا حتى وصل لغرف نومنا والذي واكب بدوره حالة الخواء وفقدان الأمل والشعور بالنقص والدونية التي سادت بين أوساط الشباب العربي قُبيل فترة الصراعات والثورات والفتن التي ما لبثت أن التهمت الدول العربية دولةً دولةً حتى استقرت رحاها في دول اليمن السعيد والعراق وسورية. والملاحظ أن هذه الدول الثلاثة ذات طبيعة ديموغرافية واحدة تتكون من طائفتي السنة والشيعة ومعروف أن هاتين الطائفتين بينهما سجال طويل من الصراع على مر التاريخ..

ولا شك أن هذا الربط بين الفترة التي انتشرت فيها هذه الطريقة الغريبة من الكتابة (الفرانكوأراب) وبين التوقيت الذي ظهرت فيه وسائل التواصل الاجتماعي وقيام أول ثورة من ثورات الربيع العربي؛ يثير الكثير من التساؤلات لدى الشباب العربي الواعي والملم والمُطلع على ما يقف وراءها من أهداف مغرضة تؤكد ما جاء في كتاب “أحجار على رقعة من الشطرنج” وكتاب “بروتوكولات حكماء صهيون” الذي فضح خطط الأمريكيين والإسرائيليين ومن لف لفهم من الكُتّاب العرب المُسْتعجِمِينَ الذين يدورون حيث تدور مصالحهم حتى لو كان الأمر على حساب لغتهم وهويتهم وحضارتهم وثقافتهم؛ فقد ذكر الكاتب أن من بين أهداف بني صهيون إضعاف اللغة العربية وإبعاد الشباب المسلم عن مصدر هويته وتماسكه الروحي القرآن الكريم، وبذلك يدور الشباب المسلم في دائرة مفرغة تعبر عن الخواء الروحي الذي يعيشه ومن ثم يسهل السيطرة عليه وتوجيهه حيث نريد!!

      لذلك ندعو الشباب العربي إلى التخلي عن مثل هذه اللغات الدخيلة على لغتنا العربية؛ فهي ليست سوى طريقة جوفاء خرقاء مستحدثة لا تعبر عن هويتنا وحضارتنا وتُجرد العرب من هويتهم ومصدر فخرهم؛ فهي لا لغة رسمية ولا لغة حقيقة، بل فكرة مصطنعة هدفها تشويه اللغة العربية الأم بحجة أنها أصعب لغات العالم، وهذا افتراء على اللغة العربية التي تتميز بثراء معانيها وكثرة ألفاظها وسهولة تعلّمها والتحدث بها. إن التحدث بهذه “اللغة الغريبة” هو أول مراتب الخنوع والضعف والاستعجام والذل لغيرنا؛ إذ كيف نقبلُ أن نتحدث لغة غير لغتنا ونحمل هوية غير هويتنا وثقافة دخيلة علينا لا تُعبِّرُ عن حياتنا وعاداتنا وتقاليدنا؟؟! بل الأدهى أنها لغة قوم آخرين؛ فكيف تقبل أن تعيش في جلبابِ غيرك وتذوب فيه؛ تتحدث لغته وتأكل بطريقته وتلبس نفس ملبسه، فأنت إذن غير موجود وبلا هوية ولا وجود لك!!

النقاش — لا توجد تعليقات