السودان إلى أين؟

بنظرة شاملة على الحدود الجغرافية للسودان في الخريطة تجده محاصرا ببلدان تتقاطع جميعاً في إتفاقها على أنها تعيش شكل من أشكال المعاناة الحقيقة قبل ان تتحدث عن السودان يجب عليك البحث والتمحيص اكثر عن حدوده الجغرافية التي تعتبر فواصل جغرافية وهمية تفصل عن بلدان لديها انواع مختلفة من العذابات والمعانات او تتشارك فيها.

يجب ان نتحدث بعمومية المعاناة وانتشارها في المنطقة باكملها شمالا مصر تعاني من عدم الاستقرار الامني والسياسي والحكم العسكري ذو القشرة المدنية الذي يكاد ان يكون القاسم المشترك الاكبر بين بلدان المنطقة كما في الشرق اريتريا برئاسة اساياس افورقي جاء الى حكم عن طريق حزبه الجبهة القومية لتحرير حيث كان حركة مسلحة تطالب بانفصال إريتريا عن إثيوبيا قبل ان يتولى الحكم , وجهت له انتقادات عديدة لانعدام الحياة السياسية وغياب البرلمان  ومنع انشاء الأحزاب أو النقابات ودخول المنظمات الحقوقية والدولية فالوضع ليس افضل حالا غربا حيث تشاد تعاني تحت وطئة الحكم العسكري والانقلابات وازمات اللجوء والحركات المسلحة وانعكاس ازمة دارفور السودانية عليهم  وجنوبا تزداد الازمات ولا تقل حيث تعاني دولة جنوب السودان الوليدة من الحروب الاهلية وغياب مؤسسات الدولة التي لم تنشأ اصلا منذ استقلاله عقب اتفاقية السلام بين طرفي الشمال السودان والجنوب. كل يوم تستمر  معاناة مواطن المنطقة التي يستشري فيها الفساد والاستبداد بين النخب العسكرية الحاكمة  والنخب العسكرتارية المتحالفة معها باختلاف نسبة المعاناة فالحياة السياسية شبه معطلة والمواطن يردح في الفقر والجهل والتخلف والتهميش مما يسهل للنخب الحاكمة الهيمنة والاستمرارية.

نعود الى صلب موضوعنا الذي يبدو اني سبق ان مهدت له في مقدمتي الطويلة بعض الشي لكن ستسهل علينا في طرح سؤالنا الاول عن سبب الوضع الحالي المتأزم للسودان ؟؟! السودان لم يكن الوضع فيه شاذا عن منطقته ابدا منذ ان نال استقلاله كان يعاني من الضعف الوضع السياسي في حقب زمنية  مختلفة يتلوه انقلاب عسكري يعقد الوضع اكثر حتى وصل الى ما هوا الحال اليه الان بعد انقلاب حزيران  1989 بقيادة العميد عمر البشر على حكومة الصادق المهدي المنتخبة مدعوما بكوادر الحركة الاسلامية عقبه  عمليات تجريف للحياة السياسية واعتقال للمعارضين وكبت للحريات وللإعلام والإعتقال تعسفي والهيمنة على مؤسسات الدولة ادى كل ذالك إلى تلك الحالة من  الترهل التي تسكن مفاصل السياسة السودانية.

كان دعم الحركة الاسلامية الغير محدود لإنقلاب حزيران سببا رئيسيا في نجاحه واستمراريته الى يومنا هذا في الحكم  لذا نالت لقب نخب العسكرتارية بامتياز لم تكن سببا فحسب بل كانت ذات شعبية جارفة في اوساط المتعلمين والعمال في تلك الفترة ، لكن ما ان استقرت في الحكم والسلطة كشرت النخب الاسلامية عن انيابها وتماهت تماما مع الانقلاب العسكري في انقلابه والتنكيل بالمعارضين والمشاركة في صناعة الصورة القاتمة التي هي عليها اليوم من سلطة استبداية وحزب شمولي حاكم ويد حديدية تطبق بها على الحكم مختزلة كل مؤسسات الدولة في كيانات مليشوية وظيفتها خدمة رأس الدولة والنخب المتحالفة معها.

عملية تجريف الحياة السياسية وتجريدها من وظيفتها الحقيقة في توجيه المجال العام وقيادة المجتمع بوسائل ديموقراطية دائماً ما يكون مضمونها الدكتاتورية  والاستبداد السياسي وكبت الحريات العامة والفساد اللذي سيكون أحد وجوه السلطة  التي ترفض المحاسبة والتقييم والعقاب على جرائم نخب السلطة أو المتحالفة معها مهما كانت هوية الانقلاب عسكرياً خالصاً أو بتحالفات اسلامية أو ليبرالية أو قومية حيث لا بديل عن حياة سياسية صحية تضمن سلامة ممارسيها ونزاهة الإجراءات الديموقراطية وشفافيتها أو عن أعلام حر غير موجه أو مسيس.

النقاش — لا توجد تعليقات