التجاذبات السعودية المصرية

عند الحديث عن التوتر في العلاقات المصرية السعودية فنحن نتحدث عن مرحلة بدأت بالفعل باختلاف رؤی الجانبين تجاه قضايا مشتركة كسوريا والعراق واليمن ووصلت مسار هذا التوتر إلی ثلاجة المياه الخاصة بالسيسي.

لم تكن ثلاجة السيسي سوی القشة التي قصمت ظهر جسر التواصل الودي بين مصر والسعودية عقب تناولها بشكل صريح ومثير للتندر من قبل الأمين العام السابق للتعاون الإسلامي إياد مدني والذي استقال علی خلفية القضية نفسها.

معركة إعلامية شرسة بين الجانبين برزت للعلن،وتبادل للإتهامات والألفاظ النابية التي تعكس درجة التوتر في العلاقات الثنائية الآخذة بالتدهور في المرحلة الراهنة.

بالعودة قليلاً إلی الوراء تحديداً عند تولي العاهل السعودي الملك سلمان مقاليد الحكم نجد ثمة استياء وتذمر من هذه الخطوة ساد في الأوساط الإعلامية المصرية التي لجأ بعض منتسبيها للحديث عن الحالة الصحية للعاهل السعودي و”عدم قدرته علی تحمل مسؤولية الحكم” وهو ما أثار غضب السفير المصري في القاهرة آنذاك،وفسّر البعض هذه التناولات الإعلامية بمدی تخوف نظام السيسي من السياسة الجديدة التي تشكلت في عهد النظام السعودي الجديد والتي يری أنها لن تكون متماهية مع تطلعات السيسي نفسه.

العلاقات السعودية المصرية استطاعت تخطي الكثير من العقبات وتوّجت بزيارة العاهل السعودي للقاهرة في إبريل الماضي وتوقيع عدد من الإتفاقيات الإستراتيجية بين البلدين،وتلاها الإعتراف الرسمي المصري بسعودية جزيرتي تيران وصنافير،وهو مارفضه القضاء المصري ووظفته الحكومة المصرية للضغط علی الجانب السعودي في الفترة الأخيرة.

الدور السعودي في المنطقة العربية والذي يتناقض مع الرؤية المصرية ساهم بشكل فاعل في التجاذبات وتوتر العلاقات بين الجانبين،ففي سوريا نجد أن نظام السيسي يتمتع بعلاقة جيدة مع نظام الأسد بعكس السعودية التي تری فيه نظاماً وحشياً ينبغي الخلاص منه،
وفي اليمن لم يكن من الطبيعي أن يمر خبر وصول زوارق مصرية لميليشيات الحوثي وصالح مرور الكرام خصوصاً وأن مصر مشاركة في التحالف وإن كانت مشاركتها محدودة جداً للغاية.

الملفات الإقليمية والإقتصادية أضحت ورقة ضغط تستخدم ضمن توتر العلاقات بين الجانبين،وكان بديهياً في لغة السياسة أن يستعين السيسي بالحكومة العراقية في إستيراد الوقود بعد قرار أرامكو السعودية تعليق تصديره لمصر في أحدث تطورات التوتر المتصاعد.

رفض القضاء المصري الإعتراف بنقل ملكية جزيرتي تيران وصنافير مرة أخری جاء كرد علی قرار السعودية وقف تزويد مصر بالوقود،وهو مادفع السيسي للتوجه نحو حكومة العبادي”الموالية لإيران” لحل أزمة الوقود وانعكس هذا التوجه علی عالم السينما؛إذكرّمت الحكومة المصرية الحشد الشعبي العراقي ومنحت فيلمه جائزة تقديرية في خطوة تحمل دلالات واسعة أقل ماتوصف أنها برقية شكر لبغداد ومن خلفها إيران،ورسالة تحدي واضحة لقرار أرامكو السعودية بوقف إمدادات الوقود.

بالمجمل يبقی مؤكداً أن الدعم المادي الخليجي وخاصة السعودي لعب دوراً بارزاً في نجاح الإنقلاب العسكري ضد نظام مرسي وصعود المشير السيسي إلی سدة الحكم، لكن هذا الدعم يفتقر إليه نظام السيسي وهو أحوج مايكون إليه في وقت تعيش فيه مصر أزمة إقتصادية وتدني في مستوی المعيشة وسط دعوات للنزول للشارع لإسقاط نظام الحكم،وهذا الوضع يشكل تحدياً حقيقياً يواجه السيسي بمفرده بعد أن تخلت عنه أكبر داعميه وهي المملكة العربية السعودية.

مستقبل العلاقات السعودية المصرية يرتبط بشكل كبير بالتحديات التي تعيشها المنطقة العربية ومدی التوافق والإنسجام في الرؤية تجاه هذه التحديات،وقد يكون من الصعب التكهن بماستؤول إليه الأوضاع الإقتصادية في مصر ومستقبل علاقتها مع السعودية لكن الأيام القادمة ستكشف الكثير مما ينبغي ألايكون في الخفاء.

النقاش — لا توجد تعليقات