الانتخابات المغربية والطريق الضائعة إلى الديمقراطية

متى تسير الانتخابات المغربية في اتجاه الانتقال الديمقراطي الحقيقي الذي يخلصها من إسار الديمقراطية المستوردة التي تهتم بالشكل وما يرافقه من مظاهر وأصباغ وبهارج تخدع أبصار الأغرار، وتخلب ألباب غير العارفين بالدواخل والخفايا والأسرار ، وإلى متى تبقى الانتخابات المغربية في بلادنا مجرد لعب مكشوف بين الكبار على الظهر المقصوم لقطاع عريض من الشعب المستضعف المخدوع ، والذي يتصف سواده الأعظم من المواطنين – المشاركين في الانتخابات بمختلف ألوانها ومحطاتها بكونهم أشخاصا يضعون قصاصات ورقية يوم الاقتراع في صناديق أشبه ما تكون بالبئر المعطلة التي لا تعود بعائدة على واضعيها، ولكنها بمقابل ذلك تنتج وتفرخقصورا مشيدة لمن يحترف وشم الأذهان الساذجة بالصور والرموز المراد خربشتها والتشطيب عليها في المعزل بطرق الإقناع والترهيب والترغيب والكذب والبهتان، وما إلى ذلك من صور التحايل والخداع التي لا يوجد بينها محرم أو ممنوع أو مكروه، وإنما يوجد منها نافع ومنها غير ذلك.

وفي خضم ذلك يسعى مهنيو الانتخابات إلى دفع “المواطنين” مع التحفظ على هذا الوصف لأنه يقتضي شروطا وحقوقا وواجبات لم تتوفر بعد عند أغلب من يوصفون –تجوزا- بهذه الصفة، أقول يدفع مهنيو الانتخابات أغلب المواطنين إلى وضع أوراق تسمى أصواتا، وإن كانت لا تُسمع ولا تُحدِث أثرا ولا صدى، وهم يرمونها رمي المهملات في صناديقها وهم لا يعرفون معناها الحقيقي ولا مغزاها العميق ولا أثرها السحري لو كانت في بيئتها السليمة، ولا تأثيرها البالغ ولا مساهمتها الحاسمة في تقرير مصيرهم لمدة معلومة من حياتهم ومعاشهم.

وقد أصبحت الانتخابات في بلادنا عند أغلب من يشارك فيها مجرد طقوس وعادات دورية روتينية ميتة يُلبسها لبوسَ حياة مزيفة ضجيجُ أصوات الدعاية المكرورةالممجوجة التي تفتقد جوهر الحملة الانتخابية السياسية، إذ تحضر فيها ألوان الصخب والهرج والمرج والفولكلور وكل ما يمت بصلة إلى التسلية والترفيه والاحتفال المأساوي بالمجزرة المقبلة في حق المال العام ومصالح المواطنين ومستقبل الأجيال، وبمقابل ذلك يغيب فيها كل ما يرتبط بالحوار السياسي والخطاب العقلي الإقناعي المسنود بالحجج والأدلة والبراهينوالأرقام والاحصائيات العلمية الكمية والكيفية.

إن الواجب الوطني الذي تهرول وتهرع إلى ترديده كل الأحزاب يقتضي أول ما يقتضيه إنقاذ عامة الناس من الأمية على مستوى القراءة والكتابة، ثم من الأمية السياسية التي تجعل الناس لا يميزون بين الأحزاب والجمعيات ومؤسسات الدولة، ولا يفرقون بين الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، وبين الانتخابات والاستفتاءات، وبالتالي فإن الواجب الوطني أكبر بكثير من مجرد دفع المواطنين بالترهيب والترغيب وحشدهم طوعا وكرها إلى المشاركة في مهرجان صاخب وحركية عبثية تتخللها أفعال وحركات ليس لها معنى عند أغلب من يقوم بها ولا فائدة إلا ما توفره له من تيسير المعاملات الإدارية في الجماعات المحلية وشهادة حسن السيرة والسلوك خوفا من الحساب والعقاب عند أول حاجة إلى أوراق أو شواهد تحمل بالضرورة أختام المنتخبين.

ومن ناحية أخرى كيف للفئة التي اعتادت المشاركة في الانتخابات عن وعي أن تستمر في هذه العملية السياسية التي توظف خارجيا أكثر من استثمارها داخليا، وذلك بعد أن خبرت هذه الفئة كل ألوان الطيف السياسي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار انتهاء بالمرجعية “الدينيةّ”، ولم تحصد إلا النكوص والتراجع عن المكتسبات التي أفقدت الناس ثقتهم بجدوى العملية السياسة وصَرَمَت آخر خيوط الأمل والتي انفصمت معها كل عرى إمكانيات التغيير بالاعتماد على المتوفر من الأحزاب السياسية التي لم تبرهن بأعمال صالحة وجادة أنها من الشعب وإليه تقاسمه آماله وآلامه، بل وبالغت في التثاقل إلى الأرض ولم تَخِفّ يوما إلى إغاثة الشعب الملهوف .

لقد شاخت كل الأحزاب السياسية قبل الأوان، وتلطخت سمعتها بسبب إدمانها الرشوة والكذب؛ فقد رشت الشعب بالوعود المعسولة حتى حصلت على أصواته غير ما مرة، ثم خذلته وتخلفت عنه بإخلاف هذه الوعود وخيانة الأمانة.

وبعد كل ما سبق كيف لهذه الأحزاب أن تقود من جديد حملات دعاية كاذبة متجددة وهي التي تسبقها سمعتها الشائهة وتفضحها سوابقها المشينة، وفجورها السياسي وشيخوختها النيابية التي حلت قبل أوانها، وقد زاد من بشاعة هذه الشيخوخة كثرة المساحيق الشفهية التي تحاول التجمل بها عبثا لإخفاء تجاعيدها الفاضحة ونفاد رصيدها الوطني وتاريخها النضالي.

إن الحملة الانتخابية الحقيقية التي تهدف إلى جعل عقول المواطنينقبل أفئدتهم تهوي عن اقتناع إلى صناديق الاقتراع لا تكون بالضجيج الانتخابي السطحي الذي يهرع عند كل محطة ومنافسة انتخابية إلى التسابق على الفرق الفولكلورية من أجل التخدير وتوزيع لحظات الفرح والسرور العابرة، والتنافس على المعطلين من الشباب والنساء من أجل توزيع المنشورات، والمسارعة إلى استمالة الناس وحجز أصواتهم بالإغراءات المادية العينية والانتماءات القبلية والعلاقات الدموية وروابط القرابة والمصاهرة وغيرها من مفاتيح النفوس، وبعد ذلك تنضيد برنامج انتخابي وتسويته على عجل؛ وذلك بحشد أكبر عدد من الوعود العرقوبية والأماني المعسولة والمشاريع السَّرابية، وهو عمل غاية في البساطة خصوصا مع سهولة عمليتي النسخ واللصق، مع الحرص الشديد على تغيير الشعار والديباجة.

وقد أفرزت الانتخابات المتعاقبة ما أصبح يعرفه الجميع ويتداوله ويلهج به من زور وبهتان سياسيين، وكل ذلك لم يخفف من جسارة الطبقة السياسية التي لا تتحرك سواكنها إلا خلال كل دورة انتخابية وبصورة محمومة تنتهي كل مرة بخيبة أمل جديدة، ترسخ عند المواطنين نكبات ونكسات متجددة ميسمها الأبرز التآمر المبيت والمتاجرة المفضوحة المكشوفة في ذمم الناس ومصائرهم ومستقبلهم، والإمعان في مراكمة الفشل والحط من العزائم والهمم وقطع الأمل والختم على القلوب بخاتم الكفر بالعمل السياسي والمشاركة الانتخابية.

ومن آسف النتائج التي أنتجها العمل السياسي في بلادنا أنه طبع ورسخ في العقول أن الأحزاب السياسية قد أضحت مجرد مقاولات سياسية تحركها الأرباح والمكاسب، وتعتمل وتنتعش فيها تعاملاتها وسلوكياتها الرشوة والزبونية والمحسوبية، وتطغى عليها الوعود غير الناجزة والكلام الوردي الحالم والغزل الرقيق الذي يضمر الفحش المصلحي والوصولية والنفعية، وعندما تضطر – في خطابها العاطفي – إلى استحضار الخالق فهي تتحدث عنه وتقسم به، وفي مخيال أغلبها صورة إلاه من اختراع الانسانية في طفولتها الأولى، وعندما تستشهد بالجنة فهي لا تعدو استحضار ذلك الحلم الذي حلمته البشرية في بداياتها من أجل تخفيف وطأة آلام الحياة وانسداد فرجة الأمل، وعندما تذكر النار فهي تراها مجرد شبح متخيل خوّفت به الانسانية – منذ أمد – بعيد أطفالها وسفهاءها وخفيفي العقل من أفرادها لصرفهم عن بعض ما أقبلوا عليه من المرغوبات الممنوعات.

أن انتخابات من هذا النوع وبهذه الصفات والأشكال تحيل المواطنين الذين يشاركون فيها بأصواتهم مجرد كتلة عددية هائلة لا وزن لها ولا تأثير، فمهما غيرت أصواتها وألوان أحزابها وشعاراتها، وتنقلت وارتحلت بين مرجعياتها اليمينية واليسارية لا تجني تغييرا ولا ازدهارا إلا كمن يستجير بالرمضاء من النار، من أهم أسباب هذه النتائج الكارثية التصويت على سياسيين نمطيين لا يختلفون إلا في الألوان والقبعات والرموز؛ وكلها صور للتظاهر بغير ما يعتمل ويجيش في الجواهر، وإتقان للمظاهر الخادعة التي ترمي بطلاسمها وسحرها الأسود على الناس إلى حين حصد المقاعد وبلوغ المناصب والكراسي.

ومن المضحكات المبكيات أن التصويت على أحزاب من هذا القبيل وسياسيين من هذا المثيل يضيع على الكثير من الناس سعي الآخرة بأن يشهدوا زورا بأهلية “سياسي” لا يحمل من هذه الصفة إلا الاسم، ولا يحمل من هموم المواطنين إلا الحصول على أصواتهم التي يتخذها مطية وسلما لبلوغ مقصد الحماية والحصانة والامتياز، وحصد المغانم والأرباح والعوائد، كما تضيع على المواطنين كدح الدنيا بأن تضيع مصالحهم الدنيوية وتُذهب أمانيهم أدراج الرياح، منخدعين كل مرة في من يقع عليه الاختيار على وجه الاختبار والتجربة.

النقاش — لا توجد تعليقات