أمريكا تفقد عقلها

بعيدا عن اي انتقادات أخرى لشخصية الرئيس المنتخب دونالد ترامب أو نظام الانتخابي للولايات المتحدة الأمريكية أو حتى الجموع التي احتشدت لأنتخاب ترامب تطل علينا الكثير من الأسئلة و المشاعر المختلطة تجتاح العالم وخصوصاً عالمنا العربي اللذي نظر إلى الانتخابات الاخيرة بكثير من الاعتيادية وبنظرة المساواة بين المرشحين هيلاري و دونالد.

تلك النظرة مبررة فالسياسة تجاه الشرق الأوسط لم تتغير كثيرا في فترات قريبة لكلا الحزبين الجمهوري في رئاسة جورج بوش والديمقراطي في فترة باراك اوباما كلاهما استمرا في تحالفات القديمة مع الحلفاء التقليديين على رأسها إسرائيل ومصر والسعودية والأردن وشراكتها الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي في إدارة الشؤون الدولية جعلت سياسات الحكومات الأمريكية المتعاقبة من ريجان إلى الأخير أوباما تجاه القضية الفلسطينية و روسيا (الاتحاد السوفيتي) وأفغانستان وقضايا الشرق الأوسط عموماً متشابهة إلى حد كبير.

إنحصار التنافس بين الحزبين الكبيرين الجمهوري الديموقراطي صنع شيء من  النخبوية التي تلعب تبادل الأدوار بين السلطة والمعارضة خلقت شيء من الرتابة لدى الشارع الأمريكي بل يأسا إلى حدا كبير من الساسة والنخب التي لا تغير أكثر من القشور والتسميات الحزبية والشعارات الرنانة. لا تأتي بأي تجديد بل ازدياد المسافة بين النخب والمجتمعات التي شعرت بالتهميش وتردي  للأوضاع الاقتصادية والبطالة رغم تحسن الجزئي في فترة أوباما لكن المسافة بين النخب والشارع كانت أبعد من مجرد إصلاحات أو انفراج اقتصادي فالشعور بالتهميش بلغ ذروته لدى المجتمع الذي سئم الجدال السياسي.

كان فقدان المصداقية لدى الشارع الأمريكي تجاه النخب السياسية والإحساس بالتهميش  هي الوتر اللذي لعب عليه ترامب روج فيه لتفوق العرق الأبيض الأمريكي على الآخرين والتخويف من المسلمين والمهاجرين دغدغ فيه مشاعر العنصرية لدى الأمريكيين. بذكاء شديد روج لنفسه عن طريق استفزاز النخب السياسية استخدم فيه لغة قريبة من الشارع استمال فيه اليمين المتطرف والمحافظين  كان يستغل الجدل اللذي يثيره الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حوله للمزيد من الإعلان والدعاية الانتخابية  كانت النتيجة فوزه مرشحاً للحزب الجمهوري ثم رئيساً.

أحداث الحادي عشر من سبتمبر وسقوط ابراج التجارة هي الأقرب فالقلق والخوف هي التي تهز الشوارع الآن فالمظاهرات تجتاح أكبر الولايات الأمريكية تطالب بأسقاط ترامب قبل أن تبدأ  فترته رسمياً في ظاهرة لم تحدث منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، تطالب بإنهاء الكراهية والخوف التي قام ترامب بتاجيجها هي الآن تزبد في سطح المجتمع مع ازدياد جرائم الإعتداء ضد المسلمين والأقليات حتى الأمريكيين الأفارقة لم يسلم منها. امريكا الآن منقسمة أكثر من أي وقت مضى قبل حتى بداية فترة ترامب ودعوات التهدئة من كلا الحزبين تبدو بلا أي نتيجة واستجابة.

كان ظهور ترامب الأخير مع الرئيس أوباما محاولة لي تهدئة الشارع خصوصا أن أوباما خاطب الإعلام بعد انتهاء اللقاء   بمقدرة ترامب على الحكم و كذالك حاول ترامب إظهار شيء من محاولة توحيد الصف والمسئولية دار الكثير من الجدل حول اللقاء لكي نفهم السبب يجب أن نعود إلى الخلف قليلا  لعشية ليلة الانتخابات خاطب أوباما الحشود في ولاية  أوهايو داعما لكلينتون و واصفاً ترامب  بالمقسم لوحدة الأمريكيين وعديم المؤهلات ليصبح رئيساً ، تراجع أوباما بعد فوز ترامب ومحاولة إضفاء شيء من حسن النوايا ما هي محاولة امتصاص الغضب والخوف من الشارع الأمريكي  خصوصا أن شعور أوباما بشيء من المسئولية لما يحدث الآن من انشقاقات مجتمعية بين داعمي ترامب العنصرين واليبرالين والأقليات كونه حدثت في نهاية  عهده.

تطمينات أوباما وترامب الأخيرة للأعلام الفئة الأكثر ذهولا من فوز ترامب اللذي أشعل حرب شعواء تجاه الإعلام راهنت معظم الصحف والمحطات التلفزيونية على خسارته فكل الاستطلاعات أشارت إلى تقدم طفيف لكلينتون. انهارت التطمينات سريعا  بعد بدء ترامب الإعلان عن بعض أعضاء حكومته ضمت العجب العجيب من  أشهر قادة اليمين المتطرف والمعتدل تضم ستيفان بانون أحد قادة اليمين المتطرف الكاره لليهود و

الرافض لاستقبال امريكا للاجئين السوريين كبير المخططين الاستراتيجيين للبيت الأبيض ، راينس بيرباس أحد لوبيات السلاح والعضو المؤثر في الحزب الجمهوري ممثلا لليمين المعتدل تم طرحه لمنصب كبير المسئولين بالبيت الأبيض ، أما نيوت غينغريتش المطروح اسمه لمنصب كبير في وزارة الخارجية اللذي دعا ترامب للمضي قدما في خططه تجاه الأقليات ، ورودي جولياني مرشحا لوزارة الدفاع اللذي قال في أحد لقائاته المتلفزة  “من الطبيعي أن أمريكا تأخذ نفط العراق طالما أن الحرب مستمرة” ، وفي بعض الإشاعات تم طرح ابنة ماكمان الرئيسة السابقة لي WWE إلى منصب وزارة المالية.

ترتدي اليوم امريكا ثوبا يمينيا فاقعا أقرب للجنون في عهدة ترامب ليست مهددة للعالم بالمزيد من السياسات المدمرة والانتهازية وحسب بل واضعة الخنجر حول رقبتها أولا ثم على العالم الذي يبدو أنه لا يحتاج إلى المزيد من المخبولين والحمقى.

النقاش — لا توجد تعليقات