“ألان الكردي” وأبواب الحرية التي لا تنفتح

“اصبِروا، لم تبقَ إلا سنوات قليلة ونعبُر عُنُقَ الزجاجة”. هكذا كان يُخبرنا حكامنا الأشاوس منذ وُلدنا. هاهي الزجاجة تنفجر بنا جميعًا. لم نكن نعلم أنهم يعبرون بنا إلى داخل الزجاجة وليس إلى خارجها. يُولَد الإنسان العربي مُحاطًا بالقيود التي تُكبِّلُه. يعيش ويموت في قيوده دون أن يعرف طريقًا للحرية. دون أن يختار ليوم واحد في حياته.

كان مسموحًا لنا قبل سنوات الربيع العربي أن نأكل ونشرب، وأن نسير بضع خطوات يمينًا ويسارًا والقيود في يدنا، تمامًا مثل حيوانات المزارع التي يخاف الفلاحون أن تهرب؛ فيربطونها بحبال طويلة لتسير خطوات قليلة حول الأوتاد المربوطة فيها، لكننا بعد أن خرجنا إلى الشوارع بالملايين وطالبنا بالخبز والحرية أدرك العالمُ كلُّه خطورة ما نُطالب به، أَدرَكَ حُكَّامُنا أيضًا خطورة ما نتمناه؛ فتآمر الجميع علينا. الآن أصبح مطلوبًا منا أن نحمل قيودنا جائعين، نحن الآن مُخَيَّرون بين الموت في أماكننا جوعًا وبين الموت على شواطئ أوروبا لاجئين. مُخيَّرُون بين أن يحكمنا المستبدون وأن يحكمنا داعش وأخواته.

حين ألقتْ مواقعُ التواصل الاجتماعي في وجوهنا بصورة الطفل السوري المسكين وقد ألقت به الأمواج على الشاطئ التركي من بحر إيجة، بعد أن أدار ظهره للعالم غاضبًا، ووضع قدميه في وجوهنا جميعًا، انتابتني موجة عنيفة من البكاء. طفلٌ صغير لم تكتمل أسنانه بعد يبتلعه الموج دون أن يعرف سببًا واحدًا لحضوره إلى هذا العالم القاسي، ولا سببًا لرحيله الدرامي. لقد رأيت فيه صورتنا جميعًا، رأيت صورتي صغيرًا، وصورة ابنتي التي تكبره بسنوات قليلة. رأيت صورة أبي وأمي الراحلين. لا نريد أن نضحكَ على أنفسنا، نحن واقفون منذ ولادتنا في طوابير طويلة نحو الموت.

مسألة وقت ليس إلا وينتهي الأمر. ما الفارق بين أن تموت في زورق في عرض البحر وبين أن تموت في زنزانة ضيقة تأكل وتتبرز فيها كالكلاب؟ ما الفارق بين أولئك الذين يحصدهم الموت على أبواب أوروبا وأولئك الذين يموتون أمام أفران الخبز وطوابير أنابيب الغاز؟

يا إلهي، كم من البشر والأنظمة التي سيسألها الله عن موت هذا الطفل، وعن أخيه، وأمه، وغيرهم من الضحايا؟ كيف سنُقنِع هذا الطفل الصغير أن مصانع الأسلحة في الولايات المتحدة سوف تغلق أبوابها إن توقفتْ الحرب؟ وأن النظام الإيراني سوف يظل يمد حاكم سوريا بالبراميل المتفجرة حتى صعود روح آخر سوري من أجل صراعات مذهبية؟ كيف تُقنِع طفلًا صغيرًا بريئًا أن الصراع بين الولايات المتحدة وحلفائها من ناحية وبين روسيا وحلفائها من ناحية أخرى هو الذي حال دون عودته حيًّا إلى منزله ليمارس لعبه البريء مع أخيه الأكبر؟ كم روحًا يجب أن تصعد؟ وكم مركَبًا يجب أن تغرق؟ وكم سيارة على الحدود يجب أن يختنق كلُّ مَن فيها حتى تتوقف هذه الحرب اللعينة؟

كل هذا من أجل أننا طالبنا بحريتنا؟ كل هذا من أجل أننا نريد أن نكون بشرًا مثل بقية العالم المتقدم الذين يختارون حكامهم بحرية كما يختار الناس ألوان الأزياء والأحذية في محلات الملابس؟

إلى هذا الحد يصبح الإنسان خطيرًا حين يطالب بحريته؟ كل الذي أذكره حين قامت الثورة المصرية في عام 2011 أن الناس اندفعوا إلى الشوارع كالطوفان. كان مزيجًا من البشر المطالبين بلقمة العيش ونسمة الهواء والحرية. كانت الشعارات بسيطة لم تتجاوز الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، لكنَّ ما جرى بعد ذلك كان عجيبًا، لقد تم إحراق الأرض تحت أقدامنا تمامًا، وانتقلت الثورة المصرية من مأزق إلى آخر، ومن مُنحدَرٍ إلى مُنحَدَرٍ أعنف منه؛ فعرف الناس أن الحصول على الحرية في العالم العربي أشبه بانتظار عاصفة ثلجية عند خط الاستواء، وصار كل من يتحدث عن الحرية في بلادنا كأنه يدعو الناس إلى ممارسة البغاء.

لقد شاء الله أن يكون موت هذا الطفل الصغير فاجعة يهتز لها ضمير العالم، وأن يكون صعود روحِه الطاهرةِ تهمة يُلقيها الأشقاءُ العرب على بعضهم بعضًا هربًا من المسؤولية، لكنَّ موته إن لم يُنقذْ فينا إنسانيتنا قبل كل شيء، فنحن وقتها لا نستحق الحياة.

إن لم ينقذ فينا حبَّنا للحرية والحياة، فهنيئًا لنا بالاستعباد. صحيح أنّ الثورات العربية الأخيرة تخسر معاركها لصالح المستبدين، لكنَّها خَسارة مؤقتة. إنني أُجزم أن الحريق الذي اندلع في المنطقة العربية سوف يحرق كل مقاعد الطغاة، ولن يستثني منهم أحدًا، وإذا كان بعضُهم قد كسب الجولة الأولى، فما تزال هناك جولاتٌ أخرى؛ لأن الأجيال الجديدة من العرب لن ترضى بالعودة إلى المستنقع القديم مرة أخرى. لن تقبل أن تعيش في حظيرة الدجاج التي يحرسها اللصوص وسماسرة الحروب. لقد أحرقوا كلَّ مراكب العودة، وهاهم ينظرون إلى المستقبل في غضب. يمكنك أن تضحك من تفاؤلي المُفرط، لكنني على يقين.

النقاش — تعليق واحد

  • خالد عرفة سبتمبر 7, 2015 on 8:01 ص

    وصار كل من يتحدث عن الحرية في بلادنا كأنه يدعو الناس إلى ممارسة البغاء

    Reply