هل يكون «شيخ الأزهر» كبش فداء للفشل الأمني في مصر؟

خاص – التقرير

اشتدتْ حدّة الهجوم على مؤسسة الأزهر بشكل عام، وعلى الشيخ “أحمد الطيب” بشكل خاص بعد تفجيرات كنيستي الإسكندرية وطنطا الأسبوع الماضي، خصوصًا وأن السيسي رَبَط مسألة التفجيرات بقضية عدم تجديد الخطاب الديني المُوكلة للأزهر؛ وبالتالي فقد شرعت كافة وسائل الإعلام المُؤيّدة للسلطة في الهجوم على “الطيب”.

حملة إعلامية ضد الطيب

وتلقفت أجهزة السيسي الإعلامية الجريمة البشعة وحولتها إلى وسيلة للهجوم على الأزهر وشيخه الطيب، وتحميله وحده مسؤولية الفشل في مواجهة التطرف والإرهاب في مصر. وهو الأمر الذي يتكرر باستمرار مع وقوع مثل تلك الحوادث الإرهابية، التي تجد فيها أجهزة السيسي فرصة لتصفية الحساب مع الطيب، الذي يعتقد السيسي أنه وقف ضده في واقعة فض الاعتصامين في ميداني رابعة العدوية والنهضة، إذ أصدر بيانًا دان فيه الواقعة وإراقة الدماء.

ووصل الحال بصحيفة “اليوم السابع”، التابعة بشكل مباشر إلى جهاز استخبارات السيسي، إلى الخروج بعناوين رئيسية في صدر صفحتها الأولى بعددها الصادر الجمعة الماضي. وعنونت الصحيفة “لماذا يخشى الأزهر من الحرب على الإرهاب وتجديد الخطاب الديني؟… الإمام الأكبر الخائف من مواجهة التطرف يهرب من الأزمات لساحة الدراويش… الطيب يرفض جرائم “داعش” ويأبى تكفيرهم… والإخوان والتكفيريون يستوطنون الأزهر”.

وهو ما يعتبر تصعيدًا عنيفًا ضد الطيب خصوصًا ومشيخة الأزهر عمومًا، إذ ترى أجهزة أمن السيسي أن الطيب يحتفظ داخل المشيخة بقيادات يعتبرونها محسوبة على تيار جماعة الإخوان المسلمين، ومنهم وكيل الأزهر، عباس شومان، ومستشار شيخ الأزهر، الدكتور محمد عبد السلام.

هل يستقيل الطيب؟

 خيارات “الطيب” أمام تلك الهجمات، يبدو أنها باتتْ محدودة بشكل كبير، فلم يعُد الأزهر قادرًا على إصدار بيانات تُهاجم منتقديه، وتُدافع عن مواقفه، كما أن شيخ الأزهر أحمد الطيب لم يعُد يظهر بشكل مُكثَّف في وسائل الإعلام لعرض وجهة نظره في القضايا المختلفة على الساحة.

صمت الأزهر قد يُفسّره البعض أنه استسلام للواقع ورفع للراية البيضاء أمام هجمات السلطة وأجهزتها الإعلامية، وهو ما يعني أن شيخ الأزهر بدأ يُفكّر في الاستقالة من منصبه؛ حفظًا لماء وجهه ووجه الأزهر.

استقالة الطيب إن حدثت بالفعل ستكون أشبه بالإقالة المُقنّنة، حيث إن منصب شيخ الأزهر هو منصبٌ مستقلٌّ وغير قابلٍ للعزل من أي سُلطة في الدولة؛ وبالتالي فإن الضغوط التي ستدفع “الطيب” لاتخاذ تلك الخطوة ستكون أشبه بالإقالة.

الخيار الثاني أمام الطيب، أن يتمسَّك الرجل بمنصبه، ويستغلّ في ذلك هيئة كبار العلماء التي لا تزال تحتفظ بمكانه محلية ودولية عند الكثيرين رغم ما أصاب الأزهر من ضعف في الآونة الأخيرة؛ وبالتالي فإن “الطيب” سيستغل قوته الناعمة في حفظ منصبه، وسيُجبِر السلطة في هذه الحالة على الحفاظ على ما تبقَّى من “شعرة معاوية” بينها وبينه.

الدفاع الناعم للأزهر

الحملة الإعلامية الدعائية الشعواء ضد الطيب تبنّتها تقريبًا جميع الصحف والقنوات والمواقع الإعلامية في مصر، الأمر الذي دفع الأزهر، وعلى رأسه أحمد الطيب، إلى تطوير الوسائل الإعلامية التي تحت أيديهم، ومنها صحيفة “صوت الأزهر”، التي منحت رئاسة تحريرها إلى الكاتب أحمد الصاوي، المعروف بميله لمعارضة النظام، وتحت إشراف عباس شومان.

وقالت مصادر من داخل صحيفة “صوت الأزهر”، فضلت عدم الكشف عن أسمائها، أن الطيب عقد اجتماعًا مطولًا مع محرري الصحيفة من أجل شرح السياسة التحريرية العامة التي ستتبعها. وتناول العدد الأخير من “صوت الأزهر” الجريمتين الإرهابيتين اللتين وقعتا في الكنيستين في طنطا والإسكندرية. وجاء المانشيت الأساسي للصحيفة بعنوان: “آلام… في الأشهر الحرم”. ونقلت الصحيفة تصريحًا على لسان الطيب، قال فيه، إن “تفجير الكنائس مخطط إجرامي ملعون لضرب مصر”.

كما قدمت الصحيفة تقريرًا يوضح “ماذا تقول المناهج الأزهرية عن المسيحيين؟”، وما يشبه “كشف حساب” عما فعلته المشيخة لمكافحة التطرف أخيرًا. وكتب رئيس تحرير “صوت الأزهر”، أحمد الصاوي مقالًا بعنوان “الأزهر فوبيا”. وهو ما فسره مراقبون بأنها محاولة من جانب الأزهر للدفاع عن نفسه في مواجهة الحملة الدعائية التي تستهدفه وتنال من إمامه.

وقالوا إن المعركة الدائرة الآن بين الأزهر من جهة وأجهزة السيسي من جهة أخرى جوهرها خلاف شخصي بين الطيب والسيسي، فكلاهما لا يقبل بالتنازل أمام الآخر. أما ظاهرها فهو إلقاء الاتهامات من رجال السيسي في الإعلام ضد شيخ الأزهر، وتحميله مسؤولية الفشل في مواجهة التطرف، يقابلها دفاع من المحسوبين على الطيب.

ودلل المراقبون على ذلك بأن الدولة لا تقوم أصلًا بدورها بما يتعلق بـ”تجديد الخطاب الديني”، إذ إنها، حتى الآن، لا تقبل بتعيين مسيحي في منصب مثل وزير الدفاع أو الداخلية أو حتى محافظ. كما أن رأس الدولة يرفض، حتى الآن، أن يذهب إلى احتفالات الكنيسة بعيد الفصح، بحجة أن “قيامة المسيح” مخالفة للعقيدة الإسلامية. فكيف لهم في ظل ذلك أن يطالبوا الأزهر باتخاذ موقف مضاد لذلك، وهو مؤسسة دينية عقائدية في الأساس؟

خليفة الطيب

تُناقش اللجنة الدينية بمجلس النواب إجراء تعديلات دستورية بقانون الأزهر، فيما يخص هيئة كبار العلماء، بما يُغيّر طريقة تشكيلها؛ لتُتيح ترشيح أعضاء للهيئة من البرلمان، والمؤسسات الدينية الأخرى، بدلًا من اقتصار تعيينها حاليًا من خلال ترشيحات شيخ الأزهر وفقط.

التعديلات هدفها الأساسي إيجاد طريقة جديدة لترشيح مَن يخلف الدكتور أحمد الطيب في حالة خلوّ منصبه، أو غيره.

ورغم أن هيئة كبار العلماء التي تضمُّ حاليًا 26 عضوًا منهم الدكتور أحمد الطيب 71 عامًا، والدكتور أحمد عمر هاشم 76 عامًا، والدكتور نصر فريد واصل 80 عامًا، والدكتور محمد عمارة 86 عامًا، والدكتور حسن الشافعي 87 عامًا، والدكتور حمدي زقزوق 84 عامًا، والدكتور علي جمعة 65 عامًا، والدكتور محمود مهني 73 عامًا، وآخرين.

ورغم وجود هذه الكوكبة من كبار العلماء، إلا أن باحثين في شئون المؤسسات الدينية، أكَّدوا أن قطاعًا كبيرًا من هؤلاء لا يصلُح لخلافة الدكتور أحمد الطيب لأسباب تتعلَّق بالسن أو المرض أو الموقف السياسي من النظام الحالي.

وانحصرت اختيارات الباحثين حول ثلاثة أو أربعة أسماء، واحد منهم في عضوية الهيئة وهو الدكتور علي جمعة، وثلاثة آخرين من خارجها وهم: الدكتور “شوقي علام” – مفتي الجمهورية – 56 عامًا (أول مفتٍ منتخب بعد إعادة إحياء هيئة كبار العلماء)، والدكتور “أسامة الأزهري” – المستشار الديني لرئيس الجمهورية – 41 عامًا، والدكتور محمد مختار جمعة – وزير الأوقاف – 51 عامًا.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات