هل يؤدي فوز حزب «ماكرون» بالانتخابات التشريعية إلى سياسة الصوت الواحد؟

خالد جمال – التقرير

رغم التراجع الذي طال نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية الفرنسية، إلا أن حزب الرئيس إيمانويل ماكرون، “الجمهورية إلى الأمام” المتحالف مع حزب “موديم” الوسطي، استطاع الحصول على غالبية ساحقة في البرلمان المقبل، في حين سيتعرض الحزب الاشتراكي إلى هزيمة تاريخية ثقيلة لم تحدث منذ عقود.

بحسب الأرقام الرسمية التي نشرتها وزارة الداخلية الفرنسية، وبناءً على فرز جزئي للأصوات، فحزب “الجمهورية إلى الأمام” الذي ينتمي إليه ماكرون وحلفاؤه يأتي في الطليعة، جامعًا ما بين 32.2% و32.9% من الأصوات، يليه حزب الجمهوريين اليميني (20.9 إلى 21.5%)، ثم الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة (13.1 إلى 14%).

بالتالي، فمن المتوقع أن يفوز حزب ماكرون في نهاية الدورة الثانية على ما بين 390 و445 مقعدًا، من أصل 577 تتألف منهم الجمعية الوطنية.

قال جان بول دولوفوي، المسؤول في حزب “الجمهورية إلى الأمام”، إن هذه النتائج “تدفعنا إلى التعاطي بكثير من التواضع مع المسؤولية العظيمة الملقاة علينا”.

نالت حركة “فرنسا المتمردة”، بقيادة اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون، نحو 11% في مقابل الحزب الاشتراكي الذي نال ما بين 9 و10.2%.

هذه النتائج غير مسبوقة وغريبة عن الطقس الجيد الذي عرفته فرنسا، إضافة إلى نوع من الركون أو نوع من القبول بانتصار ماكرون وحركته السياسية وضرورة توفير أغلبية برلمانية مريحة لهما.

إذلال وخيبة أمل

في تطور لافت، خسر الأمين العام للحزب الاشتراكي الفرنسي جان-كريستوف كامباديليس مقعده النيابي عن الدائرة الـ 16 في باريس، والذي شغله بدون انقطاع منذ 1997، إثر فشله في التأهل إلى الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية، بحسب النتائج الرسمية للدورة الأولى التي جرت الأحد.

بحسب تقديرات مؤسسات الاستطلاع، سيحصل حزب الجمهوريين اليميني على ما بين 80 و132 مقعد، والحزب الاشتراكي مع حلفائه على ما بين 15 و40 مقعدًا، وحركة فرنسا المتمردة والحزب الشيوعي على ما بين 10 و23 مقعدًا، والجبهة الوطنية على مقعد إلى عشرة مقاعد.

تمثل هذه النتيجة إذلالًا إضافيًا للحزب الاشتراكي الذي تشير التوقعات إلى أن حصته في الجمعية الوطنية المقبلة ستتراوح بين 15 و40 مقعدًا، وهي نتيجة كارثية مقابل الغالبية المطلقة التي كان يتمتع بها في عهد الرئيس السابق فرنسوا هولاند.

أقر كامباديليس، فور نشر مراكز استطلاعات الرأي لتقديراتها، بأن نتائج الدورة الأولى سجلت “تراجعًا غير مسبوق لليسار عمومًا وللحزب الاشتراكي خصوصًا”.

قال نائب رئيس حزب الجبهة الوطنية فلوريان فيليبو: “أُصبنا بخيبة أمل إزاء هذه النتائج”، داعيًا إلى “تعبئة عامة” استعدادًا للدورة الثانية، في الثامن عشر من يونيو.

اعتبر الأمين العام لحزب الجمهوريين برنار أكوييه، أن الدورة الأولى كانت “مخيبة للآمال لعائلتنا السياسية”.

ضعف المشاركة

من أهم دروس هذه الدورة الأولى نسبة المشاركة التي شهدت تدنيًا غير مسبوق منذ 1958، تاريخ بداية العمل بنظام الجمهورية الخامسة.

بلغت نسبة المشاركة في هذه الدورة 40.75%، حسب بلاغ لوزارة الداخلية، ما يُشكل تراجعًا بنسبة 8 نقاط بالمقارنة مع التوقيت نفسه في الانتخابات التشريعية السابقة عام 2012، والتي بلغت نسبة المشاركة فيها 48.31%، وانتخابات 2007 التي بلغت فيها 49.28%.

بلغ الفارق نسبة 29% بالمقارنة مع نسبة المشاركة في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية الأخيرة. هذه النسبة هي الأضعف في تاريخ الانتخابات التشريعية في فرنسا.

في باريس، تراجعت نسبة المشاركة، حيث بلغت 36.59%، مقابل 40.22 قبل خمس سنوات. بلغت المشاركة نِسبًا ضعيفة جدًا في بعض المناطق، مثل إقليم سافوا، والذي تراجعت فيه بنسبة 14%، ومحافظة سين ماريتيم والتي تراجعت فيها المشاركة أيضا بنسبة 12% مقارنة بالانتخابات السابقة.

حسب استطلاع للرأي قامت به مؤسسة “إيبسوس” لصالح إذاعة فرنسا والقنوات التلفزيونية العامة، فنسبة الامتناع عن التصويت قد تبلغ 50.5%، ما سيشكل سابقة في تاريخ الانتخابات الفرنسية.

يعزو مراقبون ضعف نسبة المشاركة والعزوف عن التصويت إلى الحملة الانتخابية الفاترة التي ميّزت التشريعيات، وانخفاض اهتمام الفرنسيين بالسياسة بعد الانتخابات الرئاسية وفوز إيمانويل ماكرون.

أيضًا هناك نوع من الملل، حسب المراقبين، من العملية الانتخابية بسبب ضعف الأحزاب وتقلص الفوارق الإيديولوجية بينها واختلاط الأوراق في أذهان الناخبين، بسبب حركة الرئيس “الجمهورية إلى الأمام”، التي جذبت إليه مرشحين وشخصيات من الحزبين الاشتراكي و”الجمهوريين”.

ساهم الطقس الجيد الذي شهدته غالبية المناطق الفرنسية والإقبال على الشواطئ، في ثني الكثيرين عن التوجه إلى مكاتب التصويت.

اعتبر مراقبون وعدد من الشخصيات السياسية أن نسبة المشاركة المتدنية وعزوف نصف العدد الإجمالي من الناخبين يهدد اللعبة الديمقراطية ويفرغها من محتواها.

التحذير من الصوت الواحد

اعتبر رئيس الوزراء إدوار فيليب أنه “رغم العزوف الكبير عن التصويت، فرسالة الناخبين كانت واضحة، وهم اختاروا الغالبية الرئاسية”.

حذر الأمين العام للحزب الاشتراكي جان كريستوف كامباديليس من تمخض نتائج الانتخابات عن برلمان “أحادي الصوت وتابع للرئاسة”.

من جانبه، دعا فرانسوا باروان، زعيم حزب “الجمهوريين”، إلى التعبئة من أجل تفادي “تركز السلطات في يد حزب واحد” في إشارة إلى حزب الرئيس. اعتبر باروان أن نسبة العزوف المرتفعة تعكس “شروخًا في المجتمع الفرنسي لا يجب إهمالها أو تناسيها”.

ندد زعيم حركة “فرنسا غير الخاضعة” جان لوك ميلانشون بغالبية برلمانية، قال إنها “ستدمر قانون العمل”، واعتبر أنها “غير شرعية بالنظر إلى نسبة العزوف الهائل عن التصويت”. قال ميلانشون إن العشرات من مرشحيه “سيخوضون الدورة الثانية ويجب دعمهم من أجل الفوز”.

لكن زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان، التي حلت أولًا في دائرة هينان بومون، فاعتبرت نتائج مرشحي حزبها “مخيبة للآمال”، بالنظر إلى النتيجة التي حققتها في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، والتي بلغت 21.30%. دعت “الناخبين الوطنيين” إلى “تعبئة قوية” في الدورة الثانية الأحد المقبل، والتصويت لصالح مرشحي الحزب المؤهلين.

هنا يؤكد المراقبون أن “الجبهة الوطنية” و”الجمهوريين” ليسوا قادرين على تجاوز حزب ماكرون ولو اتجهوا إلى عمل تعبئة عامة. فهل تخشى الأحزاب الفرنسية “تسونامي” ماكرون الذي قد يتحول إلى حقيقة في الدورة الثانية؟

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات