هل لا يزال هناك يهود في مصر؟

عادل القاضي – التقرير

يهود مصر ينقرضون، هذه حقيقة باتت واضحة، لديهم 12 معبدًا و4 مقابر و5 مدارس بلا طلاب في كافّة أنحاء مصر، أشهرهم المعبد اليهودي الرئيس بشارع عدلي بوسط القاهرة، والعديد من الآثار التراثية، ومع هذا فلا يمكنهم حتى إقامة الصلاة الرسميّة في الكنس اليهودية؛ لأن الصلاة تتطلب عشرة أفراد رجال علي الأقل ومن لا يزالون يعيشون في مصر منهم هم 12 فقط بينهم 11 سيدة ورجل واحد، يعيشون في القاهرة، ومعظمهم يقبع في دور رعاية المسنّين.

وهو ما جعل هذه المعابد بلا صلاة أو جمهور، باستثناء الفترات التي يزور فيها يهود الخارج مصر لحضور ما يسمى “مولد أبو حصيرة”، ودفعَ رئيسة الطائفة اليهودية لعقد إفطار لبعض الرموز اليسارية والليبرالية في رمضان الماضي داخل المعبد الشهير بوسط القاهرة، حضره “الشيخ ميزو” الشهير الذي هاجمه وزير الأوقاف المصري مؤخرًا لهجومه على صحيح البخاري ونفيه وجود “عذاب القبر”.

Egyptian_Alexandria_Jewish_girls_during_BatMitzva

حجم الجالية اليهودية وصل إلى ذروته في بداية القرن العشرين عندما بلغ تعدادهم وفقًا للتقديرات شبه الرسمية 100,000 يهودي، غادروا خلال سنوات الحرب العربية الطويلة مع إسرائيل، وخاصّة عقب عدوان 1956 الثلاثي الذي شاركت فيه إسرائيل وفرنسا وبريطانيا، ثم رحل البقية الباقية بعد حرب 1967 الشهيرة واحتلال سيناء.

ففي ذلك الحين، كانت الحكومة المصرية تشتبه في كلّ يهودي باعتباره جاسوسًا وعميلًا مع إسرائيل، واختفت هذه الجالية تدريجيًّا وفضل الكثير منهم السفر إلى دول أوروبية خصوصًا فرنسا، وذهب القليل منهم إلى إسرائيل.

فحتى ما قبل 70 عامًا، كانت تلك الجالية إحدى الجاليات الأكثر ازدهارًا وقوة من بين الجاليات اليهودية في دول العالم العربي، ولكن “ماجدة هارون” زعيمة الجالية اليهودية الحالية في مصر قالت في مقابلة أخيرة مع شبكة بي بي سي: “نحن نموت، نحن نغرق، إنّها نهايتنا”.

415maibd-yhody[1]

ووفقًا لأرقام رسمية مصرية، عاد عام 2009 قرابة 500 يهوديّ للعيش فى مصر بشكل مؤقت بعد معاهدة السلام وغالبيتهم من البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية أو الخبراء الزراعيين أو رجال الأعمال، أو المصريين الذين هاجروا من مصر قبل ثلاثين عامًا، خصوصًا بعدما انقرض يهود مصر تقريبًا. وقد طالب هؤلاء الإسرائيليون مصر رسميًّا بتوسيع بعض المعابد وتطويرها، وخصوصًا مقبرة أبي حصير الذي يزعمون أنه حاخام مصري مدفون في محافظة البحيرة شمال مصر، والتي يحج إليها كل عام قرابة ألفين من اليهود، وصدرت أحكام قضائية بمنعهم منها، ولكن لا يزالون يذهبون إليها.

وكان الاهتمام الإسرائيلي بيهود مصر قد بدأ عقب توقيع معاهدة السلام مباشرة ثم تحول إلى دعم ليهود مصر منذ عام 1982، حيث سعت السفارة الإسرائيلية في ذلك الوقت لضم المعابد المصرية كعضو في المؤتمر اليهودي العالمي حتى تتلقى دعمًا ماليًّا من المؤتمر ليهود مصر ومعابدهم ليصبح يهود مصر هم العضو رقم 67 في المؤتمر العالمي اليهودي، ويتلقون الدعم من منظمة الجونيت اليهودية كلّ عام.

وتعد حارة اليهود الشهيرة فى القاهرة هي أكثر الأماكن التي كانت تضم أكبر التجمعات اليهودية في ذلك الوقت، حتى إنّه كان يوجد بها وحدها 11 معبدًا أشهرها معبد موسى بن ميمون، إلّا أن اليهود باعوا الكثير منها، بحيث لم يعد في هذه الحارة الآن سوى ثلاثة معابد تشرف عليها هيئة الآثار المصرية.

travel_photo_images_1360731781_941

أما السكّان اليهود في الحارة الذين كان عددهم يربو على الآلاف، فقد هاجروا كلّهم تقريبًا ولا يوجد في هذه الحارة الآن ولا يهوديّ واحد، إلا أنها ظلت مركزًا تجاريًّا هامًّا في قلب القاهرة مثلما كانت في الماضي مع اختلاف وحيد في أنواع البضائع والسلع التي كانت تقتصر تقريبًا على الأقمشة في ذلك الوقت.

وفي خطوة فعليّة لتحريك ما يسمّى قضية تعويضات اليهود من أصول مصرية، قررت “جمعية الصداقة المصرية – الإسرائيلية” عقد “مؤتمر دولي ليهود مصر” في المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة، في الفترة من 25 إلى 29 مايو 2008 بمشاركة العشرات من يهود أوروبا وأمريكا، وجهت لهم الدعوات بواسطة “ليفانا زامير” رئيسة “جمعية الصداقة المصرية – الإسرائيلية”، ونائب رئيس “المؤتمر الدولي ليهود مصر” الذي سبق عقده في حيفا لنفس الغرض في أعوام سابقة.

وعام 2009، شاركت “مدام كارمن ونشتين” رئيسة الطائفة اليهودية السابقة فى مصر -بالتعاون مع السفارة الإسرائيلية- في المطالبة باسترداد ممتلكات اليهود المصريين المهاجرين، ورفعت قضايا أمام المحاكم المصرية للمطالبة ببعض هذه الممتلكات مثل مقابر البساتين (جنوب القاهرة)، كما أعدت ملفًّا خاصًّا بأملاك اليهود المزعومة في مصر استعدادًا لخوض معارك قانونية أمام القضاء المصري تسعى من خلالها لاسترداد هذه الممتلكات التي تقول إن ثورة يوليو 1952 استولت عليها.

وجاء قرار ونشتين بدخولها ساحة القضاء في مصر عقب رفض المحاكم الدولية النظر في دعاوى التعويضات التي طالب بها اليهود الذين سبق لهم العيش داخل مصر، خاصة في قضية أملاك “بيجو” التي رفضتها المحكمة العليا الأمريكية .

وطالبت رئيسة الجالية اليهودية باسترداد هذه الأملاك وتعيينها وصية عليها في خطوة يتوقع أن تفجر أزمة مع وزارة الأوقاف المصرية المعنية بالوصاية على تلك الأملاك منذ قيام ثورة يوليو، طبقًا للقوانين المنظمة لأملاك الطوائف والجاليات الأجنبية في مصر.

أشهر المعابد

safe_image

وأشهر أملاك اليهود الحاليين في مصر هي معابد: “بن عيزرا”، وهو أقدم معبد يهودي في العالم؛ حيث بُني عام 350 قبل الميلاد، ومعبد “شعار هشماييم” ومعناه بوابة السماء، وبني في عهد الخديوي إسماعيل أحد ملوك أسرة محمد علي، ولذا يسميه بعض اليهود “معبد الإسماعيلية”، وأصبح يعرف حاليًا باسم “معبد عدلي”؛ حيث يقع في شارع عدلي بوسط القاهرة وهو المعبد الرئيس لممارسة الطقوس اليهودية وبه مكتبة تضم 9 ألاف كتاب للاطلاع والقراءة يقصدها الطلاب والباحثون أحيانًا.

وهناك أيضًا معبد “يوسف الدرعي” و”الاشكناز” و”حنان” بمنطقة غمرة بالقاهرة، وبعض المعابد الأخرى المهدمة التي تتولى وزارة الثقافة ترميهما كآثار يهودية في مدينة المحلة وبورسعيد، غير معابد مدينة الإسكندرية، وكلها تقدر بـ 12 معبدًا على مستوى مصر.

فيلم يهود مصر

640x392_94131_243023

وأوائل عام 2010، تقدم مخرج شاب مغمور مسيحي يدعى “أمير رمسيس” بسيناريو فيلم يروي حياة يهود مصر للإدارة العامة للرقابة على المصنفات الفنية، ولحساسية الفيلم لم ير النور إلا بعد ثورة 25 يناير؛ فعرض في الدورة الخامسة لبانوراما الفيلم الأوروبي بالقاهرة في أكتوبر 2012 بعدما حصل على موافقة الرقابة رغم رفض الأمن الوطني (أمن الدولة سابقًا).

والفيلم الذي سمي (عن يهود مصر) أظهر يهود مصر -من خلال اللقاءات مع بعض من تبقى منهم في مصر أو يعيش في فرنسا- على أنهم وطنيون يكرهون الصهيونية، بل وناضلوا ضدها بدليل إقامة الرابطة الإسرائيلية لمكافحة الصهيونية في الأربعينيات، وأن المصريين اضطهدوهم وسلبوا منهم الجنسية المصرية وطردوهم خارج مصر بالقوة من مساكنهم واستولوا على أملاكهم (برغم اعتراف بعضهم في الفيلم بلسانه أنه غادر طوعًا، بل وباع منزله).

وقد اتهم نقاد الفيلم بأن هدفه هو التطبيع الثقافي السينمائي بهدف قبول الآخر المختلف دينيًّا وسياسيًّا، عبر إظهار جانب واحد من يهود مصر، هو رؤوس أموالهم في مصر ومشاركتهم في الحركة الوطنية ورفضهم للصهيونية، وحنين من خروجوا للعودة لمصر بعدما رفضوا المغادرة إلا بالموت، دون الجانب الأخر المتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي ودعمهم لاستيلاء إسرائيلي على الأرضي العربية.

فيلم بي بي سي عن يهود مصر الآن

http://youtu.be/TkJtA6wOJUg

النقاش — لا توجد تعليقات

  • هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    منذ بداية ثورات الربيع العربي، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الدردشة وصفحات الإنترنت تغيرًا ملحوظًا في توجهات شريحة كبيرة من الشباب العربي وتحديدًا المثقفين منهم، نتيجة لتسارع أحداث هذه الفترة، فظهرت على إثر ذلك مصطلحات وألفاظ ومفرادت جديدة ومبتكرة تولدت من رحم هذه الأزمة؛ لتُعبّر عما يختمر في أذهان كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث استحدث الشباب طريقة كتابية جديدة هي خليط من الحروف العربية والإنجليزية (تسمى الفرانكوأراب أو الأنجلوعربية) تعبيرًا عن تسارع الأحداث وكلغة مبتكرة وسريعة..

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

        “سيدي الأستاذ النابغة: محسوبُك كاتب هذا – الأسطى حنفي أبو محمود – من كان له الشرف أن يُقلك فى عربته مرارًا، إما منفردًا أو مع زمرة من إخوانك...

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    عثمان جمعون – مدير نشر موقع الشمال24 منذ مغادرتي لمقاعد المدرسة، وأنا أجد تعظيما مبالغاً فيه للشواهد التعليمية، حيث أنه لا يمكنك أن تقدم شيء ذا بال لدى الدولة...

    المزيد من التدوينات