هل تعيد أمريكا الحياة للبوارج الحربية القديمة؟

ناشونال إنترست – التقرير

ما زالت السفن الكبيرة محتفظة ببعض المزايا القاتلة. على سبيل المثال، يمكن للسفن الكبيرة أن تحمل عددًا أكبر من الصواريخ، التي يمكن استخدامها لأغراض الهجوم والدفاع على حد سواء. التقدم في التكنولوجيا الأسلحة (مثل نظام البندقية المتقدمة 155 مليمتر التي سيتم تركيبها على المدمرة فئة زومولت) يعني أن المدفعية البحرية الكبيرة يمكن أن تضرب أبعد وأكثر دقة من أي وقت مضى.

لكن أهم التطورات قد تأتي في قدرتها على البقاء. السبب الأكبر لبناء السفن الكبيرة قد يكون قدرتها على توليد الكهرباء. تشمل الابتكارات الأكثر إثارة للاهتمام في التكنولوجيا البحرية أجهزة الاستشعار، التكنولوجيا بدون طيار، أشعة الليزر، ومعظمها من الطاقة المكثفة.

يمكن للسفن الأكبر حجمًا توليد المزيد من الطاقة، ليس فقط زيادة تسليحها (من مدافع، وأجهزة استشعار)، ولكن أيضًا دفاعاتها (الليزر المضاد للصواريخ، تقنيات الاستشعار الدفاعي، أنظمة الدفاع عن النفس). مجلات الصواريخ التي تحملها السفن الكبيرة تسمح لها بجمع هذه العناصر، والهجوم والدفاع والصمود أفضل من نظرائها الأصغر حجمًا.

هل حان الوقت لاستعادة البارجة؟

على مدى عقود، ركز المهندسون المعماريون في البحرية على بناء السفن التي تبيّن – وفقًا لمعايير الحرب العالمية – أنها هشة بشكل ملحوظ. يمكن لهذه السفن التعامل مع ظروف سيئة في نطاقات أكبر بكثير من نظرائها في أوائل القرن العشرين، لكنها لا يمكن أن تحتمل القصف. هل حان الوقت لإعادة النظر في هذه الاستراتيجية، وإعادة بناء السفن المحمية مرة أخرى؟ تدرس هذه المقالة كيفية ظهور هذه الاتجاهات، وما قد يتغير في المستقبل.

لماذا نبني السفن الكبيرة؟

تظهر تسمية “سفينة حربية” من صيغة “سفينة الخط” الأقدم، بمعنى أن أكبر سفن تابعة للبحرية شاركت في تشكيل “خط المعركة”، الذي سمح لها بجلب نطاقاتها الواسعة على خط معارض. كان متوقعًا أن تتمكن “البوارج” من محاربة “بوارج العدو”. استقر نموذج البوارج الحربية الحديثة حوالي عام 1890، في الطبقة السيادية الملكية البريطانية.

هذه السفن وزنت حوالي 15 ألف طن، مع اثنين من المدافع الثقيلة في البرجين الأمامي والخلفي، والدروع الصلبة. اعتمدت بقية قوات العالم البحرية هذه المعايير الأساسية للتصميم، التي وفرت سفينة يمكن أن تتصدى للهجوم وتستوعبه. تم تبسيط عملية ضمان الصمود، عبر هذه البوارج، عن طريق التنبؤ بالتهديد في وقت مبكر. جاء الناقل الأكثر احتمالًا للهجوم في أواخر تسعينات القرن التاسع عشر من المدفعية البحرية الكبيرة التي تحملها سفن أخرى، بالتالي يمكن لخطط الحماية أن تركز على هذا التهديد.

على نفس الهيكل تقريبا، استغلت المدرعة البحرية عددًا من الابتكارات التي تم تطويرها في السنوات التي تلت ذلك، وأصبحت عشرة مدافع ثقيلة منصة أكثر فتكًا بتكلفة مماثلة تقريبا للسفن السابقة. نتيجة لذلك، انخفض صمود البوارج الصغيرة بشكل كبير، حتى ضد المدفعية البحرية.

منذ ذلك الحين، تزايد التسليح والتأمين بشكل كبير مع زيادة حجم السفن. استجابت البحرية في العالم وفقًا لذلك. بحلول عام 1915 وزنت بوارج الخط الأول للبحرية الملكية 27 ألف طن. بحلول عام 1920 أكبر سفينة حربية في العالم (همس هود) وزنت 45 ألف طن. في عام 1921، من شأن الاتفاقات الدولية أن تقيّد حجم السفن الحربية، رغم أن الألمان واليابانيين تحديدًا ترقبوا سفنًا حربية ذات أبعاد مذهلة.

لماذا أصبحت السفن الكبيرة من التاريخ؟

مع ظهور عصر القوة الجوية (وقوة الصواريخ)، لم يعد زيادة الحجم مقياسًا لقوة الفتك للسفن الحربية. في الوقت نفسه، أدى انتشار التهديدات إلى زيادة صعوبة صمودها. لم تتمكن البوارج الضخمة في الحرب العالمية الثانية من الصمود أمام الهجوم الجوي وبالغواصات، ولم تستطع العودة إلى نطاق كاف لتسليحها. باستثناء ناقلات الطائرات، حيث لا تزال القوة مقترنة بزيادة الحجم، اتخذت العمارة البحرية منعطفًا نحو التصغير. تزن السفن السطحية الرئيسية للبحرية الأمريكية (أوسن) اليوم أقل من ربع سفن الحرب العالمية الثانية.

تجاهلت سفن ما بعد الحرب العالمية الثانية أيضًا، على نطاق واسع، فكرة الدروع كوسيلة لضمان الصمود. لا يزال هناك نقاش كبير قدرة الدروع الحربية التقليدية الحربية على مقاومة صواريخ كروز. الصواريخ كروز عمومًا أقل قوة اختراق من أكبر أسلحة المدفعية البحرية، رغم أن لديها مزايا أخرى.

أثبتت الدروع على سطح السفينة مشكلة أكثر خطورة، وتجاوزت متطلبات ضمان الصمود أمام القنابل وصواريخ كروز المنبثقة، والصواريخ الباليستية (في الآونة الأخيرة. لعل الأهم من ذلك هو أن أحدًا لم يحدد كيفية القضاء على مشكلة الهجوم من تحت الماء (بدلًا من تحسينها). ظلت الطوربيدات تشكل تهديدًا مميتًا حتى لأكثر المدرعات الثقيلة من السفن الحربية.

هذا لا يعني أن الناس لم يحاولوا. جربت العديد من القوات البحرية فكرة السفن الحربية السطحية الكبيرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. قررت الدراسات في نهاية المطاف أن مستوى دروع سطح السفينة اللازمة لحماية السفن من القنابل ستكون باهظة. كان السوفييت يحتفظون بخطط لبناء سفن حربية تقليدية في الخمسينيات، عندما انهت وفاة ستالين مثل هذا الخيال. أكملت فرنسا البارجة جان بار عام 1952، وأبقت عليها في لجنة جزئية في الستينيات كسفينة للتدريب والإقامة.

في الآونة الأخيرة، نظرت روسيا والولايات المتحدة والصين في بناء السفن الحربية السطحية الكبيرة. ينعهد الروس بشكل دوري ببناء “كيروف” جديدة، وهو ادعاء يُأخذ على محمل الجد مع الاقتراح بأن روسيا ستبني قاذفات استراتيجية جديدة. شملت إحدى المقترحات بناء سفينة حربية تعمل بالطاقة النووية تقترب من 25 ألف طن.

تعاملت وسائل الإعلام مع الطرادات الصينية من نوع 055 على أنها سفينة حربية فائقة مماثلة، لكن التقارير تشير الآن إلى أن السفينة ستزن حوالي 12-14 ألف طن، أصغر إلى حد ما من مدمرة الولايات المتحدة زومولت.

ماذا تغير؟

ما زالت السفن الكبيرة محتفظة ببعض المزايا القاتلة. على سبيل المثال، يمكن للسفن الكبيرة أن تحمل عددًا أكبر من الصواريخ، التي يمكن استخدامها لأغراض الهجوم والدفاع على حد سواء. التقدم في التكنولوجيا الأسلحة (مثل نظام البندقية المتقدمة 155 مليمتر التي سيتم تركيبها على المدمرة فئة زومولت) يعني أن المدفعية البحرية الكبيرة يمكن أن تضرب أبعد وأكثر دقة من أي وقت مضى.

كما أن قدرة السفن على توليد الطاقة، والهجوم والتعامل مع القذائف، بجانب أوجه التقدم في تصميم المواد، كل ذلك زاد من قدرة النظم العسكرية. كما أن بذل جهد جدي لإنشاء سفينة مدرعة سيؤدي دون شك إلى وجود سفينة محمية جيدًا. المشكلة هي أن الأنظمة السلبية تحتاج إلى حماية سفينة من مجموعة واسعة من الهجمات المختلفة، بما في ذلك صواريخ كروز والطوربيدات والصواريخ البالستية والمدافع البعيدة المدى.

رغم أن البوارج الحربية قد تستمر في الإبحار والقتال، رغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بمكوناتها المختلفة، إلا أن السفن الحربية الحديثة تحمل تكنولوجيا أكثر حساسية وتكاملًا عميقًا، وأنظمة قد تتفاعل بشكل سيء مع ضربات بالصواريخ الباليستية.

لقطات فراق

السفن الكبيرة مع الدروع الثقيلة من غير المرجح أن تحل الأزمة. مع ذلك، يمكن للسفن الكبيرة ذات الأنظمة الفعالة لمكونات الدفاع، جنبًا إلى جنب مع عدد كبير من الأنظمة الهجومية القاتلة للغاية، أن تقطع شوطًا طويلًا نحو هزيمة نظام من الأنظمة المضادة للنفاذ. بهذا المعنى، يمكن للـ “سفينة الحربية” أن تعود، رغم أنها ستلعب دورًا أشبه بمراقبة كلاسيكية (تهدف إلى محاربة النظم القائمة على الشاطئ). قدرة هذه “البوارج” الجديدة على الصمود أقل بسبب قدرتها على استيعاب الضربات، كما لا يمكنها تجنبها.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات