هل تسير أمريكا على خطى مصر؟

كونتر بانش – التقرير

كثير من العلماء والناشطين في مصر، وبعضهم في الولايات المتحدة، تجادلوا مؤخرًا حول التشابه بين نظام ترامب والدكتاتورية العربية. بطبيعة الحال، هذا تبسيط مُفرط، وتشبيه مُسطّح يعتمد على تعميم شامل حول مختلف أشكال الحكم في العالم العربي. رغم ذلك، فالمقارنة لا تزال مفيدة لأنها تسلط الضوء على التكتيكات النظامية لترامب والتحديات التي تنتظر أولئك الذين يعارضونه.

منذ نوفمبر، لاحظت عددًا من القضايا المتكررة، والقلق خلال مناقشاتي مع علماء ونشطاء آخرين. “إننا نتعرض لهجوم مستمر. ليس لدينا وقت للتفكير أو التنظيم”. “كانت مسيرة المرأة في واشنطن لا تُصدق، لكن ماذا بعد ذلك؟”. “هل سنخسر كل التقدم الذي حققناه في هذا البلد؟”. “ما هو نوع الائتلافات التي يجب أن نبنيها اليوم؟”. ليست هذه سوى بعض المشاعر والأسئلة التي تميز المحادثات اليوم.

أنا عالم وناشط، وكنت حاضر شخصيًا في الثورة المصرية. شَهِدت أعلى مستوياتها وأدناها، ولدي عائلة وأصدقاء مقربين وحلفاء في دوائر الناشطين المصريين. لذلك، عندما أسمع هذه المناقشات في الولايات المتحدة، فإنها تبدو مألوفة وغريبة في نفس الوقت. أنا تظاهرت في ميدان التحرير، واحتفلت بالانتصار والحرية من قلبي وشعرت بها تسري في جسدي. كما واجهت هزيمة عميقة جدًا.

على مدى السنوات الست الماضية درّست وكتبت عن الثورة المصرية، كما أعمل على كتاب عن الدور الهام لميدان التحرير والديناميكية الاجتماعية في الانتفاضة. من خلال معرفتي الوثيقة بالأحداث في مصر عام 2011، لا أرى أن الولايات المتحدة على شفا الثورة (في هذا أنا أتفق مع مايك ديفيس)، ولا أعتزم تسطيح الخصوصيات التاريخية والاجتماعية للمجتمعين بمقارنات لا مبرر لها. مع ذلك، أعتقد أنني أستطيع أن أخمّن بعض الأمور. من المهم أن ندرك التشابه والاختلاف بين السياستين، وبالتالي نسمح للأفكار المكتسبة باطلاعنا على ما سنواجه من نضال في المستقبل.

دعونا نبدأ بالنظر في أوجه الشبه بين مصر قبل الثورة وما بعدها وما تواجهه الولايات المتحدة الآن. أولًا، نظامان يعملان بطرق استبدادية علنية، ويُظهران تجاهلهما الصريح لسيادة القانون والعداء له. في كلتا الحالتين، يعتبر ما يسمى “الزعيم” نفسه أكثر الموهوبين في البلاد، ويشكو من “المعاملة غير العادلة” عند انتقاده لانتهاكه دستور البلاد.

ثانيًا، في كلتا الحالتين، نرى المنظمين والناشطين عديمي خبرة يكافحون للتعامل مع سلسلة لا نهاية لها من الهجمات السريعة. كما أن الطريقة الوحشية التي تخلت بها الثورة المصرية عن كل المكاسب التي حققتها تتجلى بقوة في كثير من المشاهد، إذ أن الإدارة الأمريكية الحالية تفكك الحريات وتستهدف الأقليات بشكل علني.

الطريقة التي تعاملت بها أجهزة الشرطة والجيش والاستخبارات مع المدنيين، وخاصة الثوار، في مصر خلال الفترة المضادة للثورة كانت شرسة. هذه الأجزاء من جهاز الدولة مُصرة على البقاء على قيد الحياة، بل وتوسيع دورها. بالمثل، يبدو أن إدارة الأمريكية العنصرية لأصحاب البشرة البيضاء تقوم الآن بمهمة إنقاذ للشركات الأمريكية “البيضاء” من الفقراء، وخاصة الفقراء ذوي البشرة الملونة.

ثالثًا، في كلتا المجتمعين، أخذت المفاجأة النشطاء وغير النشطاء على حد سواء. ففي مصر، فوجئ الخبراء والملايين من المواطنين العاديين بالثورة. كان هناك الكثير من التنظيم، ولكن كان هناك أيضًا الكثير من العفوية. والأهم من ذلك أنه بعد المكاسب الأوليّة للثورة، لم يكن الكثيرون مستعدين لشراسة الثورة المضادة.

أما في الولايات المتحدة، فالعديد من النشطاء، وخاصة الليبراليين أصحاب البشرة البيضاء، لم يدركوا في الآونة الأخيرة كم كانوا يظنون أن حرياتهم أمر مفروغ منه. رغم أن المنظمين اليساريين والمنظمين من غير أصحاب البشرة البيضاء كانوا دائمًا مستهدفين حقًا، إلا أن هامشًا من الحرية التي تحميها الديمقراطية الرأسمالية الليبرالية كان موجودًا أيضًا. يبدو هذا الهامش الآن معرضًا للخطر. هذه ظروف جديدة، فحجم الهجمات جديد للكثيرين. هذا يمكن أن يكون صعبًا، إن لم يكن مُعجزًا.

وأخيرًا، ربما يكون التشابه الأكثر إثارة للقلق بين ما يقاومه المصريون الآن تحت النظام العسكري الفاشي، وترامب في الولايات المتحدة، هو عدم استعداد كل من المُنظمين ذوي الخبرة والمواطنين العاديين للقتال.

فيما يلي، أريد أن أوضح ما أراهما كأكثر سؤالين إلحاحًا يواجهان نشطاء العدالة الاجتماعية ضد نظام ترامب. أولًا، كيف يمكن للمرء أن يظل عاطفيًا وفي نفس الوقت يستمر في تنظيم ورد الهجوم، وبشكل أكثر تحديدًا، كيف يمكن أن نصل إلى التوازن الصحيح بين الحفاظ على السلامة العاطفية والأخلاقية والعقلية من جهة، والتنظيم الفعال من جهة أخرى؟

ثانيًا، كيف يمكننا أن نحول موجة الحماس والمعارضة، التي تمثلها مسيرة المرأة المناهضة الافتتاحية في واشنطن إلى حركة حاسمة تعارض نظام ترامب وتسعى إلى تعريف فساد البنية، العنصرية، والأسس الاستعمارية التاريخية للديمقراطية الأمريكية.

التحمل والتنظيم الفعّال

منذ التسعينات، بدأ علماء الحركات الاجتماعية يولوا اهتمامهم لدور العواطف في الحركات، والاهتمام بشكل خاص بدور العواطف الفعّالة مقارنة مع المشاعر التفاعلية في قيادة الاحتجاجات. العواطف الفعّالة مثل الكراهية والحب والتضامن، في حين أن المشاعر التفاعلية تضم الغضب أو الحزن أو العار.

هذان النوعان من العواطف متصلان، ويتفاوتان من شخص لآخر، ويتحولان بمرور الوقت، وغالبًا ما يفسران سبب استعداد الناس للانضمام إلى الاحتجاج أو تحمّل الهجمات في لحظة معينة أخرى. ربما كان اليأس أكثر المشاعر شيوعًا في مصر الآن بين الناشطين، في ضوء الشعور الحاد بالهزيمة وما يبدو أنه الانتصار الحاسم للثورة المضادة والنظام الفاشي العسكري. كثير من النشطاء الذين أعرفهم يواجهون هذا الوقت الصعب باسترجاع ذكريات النصر والشجاعة.

بالنسبة لأولئك الذين يعارضون النظام الحالي في الولايات المتحدة، ازدادت الأمور صعوبة مؤخرًا، ويُرجح أنها ستصبح أكثر صعوبة. كانت هناك معارك عائلية، مناقشات حادة بين الجيران، والأصدقاء عبر وسائل التواصل الاجتماعية وزملاء العمل، وصدمة حقيقية في بعض الأحيان حين يُعرف أن أحد المعارف و / أو أحد أفراد العائلة منح صوته بالفعل لترامب، ويقول لنا الآن “اعطوه فرصة” رغم عنصريته الفظيعة وجدول أعماله الفاشي المتطرف.

في مصر، لم يكن على النشطاء أن يتحملوا الهزيمة فحسب، بل واجهوا وقتًا عصيبًا كذلك في التعامل مع أفراد العائلة الذين لا يمانعون العنف الذي يمارسه النظام العسكري، ثم السياسة الإقصائية لجماعة الإخوان المسلمين؛ لأنهم يتوقون إلى العودة إلى الاستقرار المزيف. قام العديد من الناشطين في مصر بإلقاء اللوم على بعضهم البعض بسبب أخطاء الماضي خلال الثورة وما أعقبها. سيكون من الحكمة لمنظمي معارضة ترامب أن يأخذوا العواطف على محمل الجد في السنوات المقبلة، سواء لتحمل الأوقات الصعبة أو إيجاد الطاقة لمواصلة التنظيم.

القضايا الثلاث التالية تمثل أهمية خاصة بالنسبة للمنظمين. الأولى هي الحاجة الكبرى للحفاظ على الصحة والعناية بذاتهم. هذه ليست مهمة بسيطة، فمواكبة الحجم الهائل للأخبار وحجم الهجمات نفسها يستنزفهم. في مصر المعادية للثورة، كان على النشطاء التعامل مع أحبائهم الذين فُقدوا، بجانب الاحتجاز المُطوّل للأصدقاء المقربين منذ زمن طويل، فضلًا عن عمليات القتل اليومية العادية.

أما في الولايات المتحدة، فمن الإنصاف أن نفترض أن الأمور لن تصبح “أفضل” في الوقت القريب. فنحن نتعامل مع إدارة معادية للسود، وتكره الأجانب والمثليين والإسلام، وتعادي السامية والعلم، ومناهضة للفقراء. كما تقوّض الإدارة عمدًا الإيمان العام بالمعلومات والحقيقة، بل إنها تجرؤ على تنظيم مسيرات مؤيدة للنظام باستمرار، وهو أمر لم يرتبط مسبقًا إلا بالنظم الفاشية الصريحة.

لن تتحسن الأمور قريبًا. مع ذلك، يجب على الناس الاعتناء بأنفسهم في سبيل المكافحة. من هنا، فمن المهم الاستمرار في القيام بأشياء أصغر، مثل التحدث مع الأصدقاء المقربين ومشاركة العواطف، والحفاظ على الأمل، وتذكّر انتصاراتهم. الشعور بالعجز هو ما يريده هذا النوع من النظام. في الوقت نفسه، يجب أن نعترف أن بعض منا لديه الموارد والفرص اللازمة لرعاية نفسه، والبعض الآخر لا.

يجب على النشطاء أن يضعوا في اعتبارهم كيفية الحفاظ على النزاهة الأخلاقية والتضامن الحقيقي أثناء التنظيم، وتحديدًا في العمل الجماعي. الأمر لا يتعلق بالهتاف “عندما يسقطون، نحن نرتفع” وغيرها من الأحاديث اللطيفة عن التكامل والتنوع، بل يتعلق بالتزام مبدئي على جميع مستويات التنظيم، في مرحلة التخطيط، وأثناء العمل، ووقت التنفيذ.

الكلمة الرئيسية في التنظيم هي التضامن، ونحن بحاجة إلى إعادة التفكير في معناه. قد يشير التضامن إلى حالة الوحدة أو الزمالة أو الصداقة أو التعاطف مع ضحايا المظالم. لكن ليس ذلك فحسب. التضامن يعني أيضًا إجراءات لرفع الظلم ضد أولئك الذين يعانون منه. عند التنظيم الآن ضد الخطاب العنصري، كراهية الأجانب والإسلاموفوبيا، والإجراءات التي تتخذها الإدارة الحالية، لا ينبغي أن يرتكز التنظيم على “الجيد” في المنظمين.

يجب أن يُعرّف التنظيم بتاريخ الأعمال العنصرية والاستعمارية التي تقوم بها حكومتنا. على سبيل المثال، نحن بحاجة إلى الاعتراف بأن ستة من أصل سبعة بلدان في أول حظر ضد المسلمين (خمسة دول الآن، بعد عدم إدراج العراق) هي في الأصل البلدان التي قصفتها الولايات المتحدة. دعم مجتمعاتنا العربية والإسلامية واللاتينية لا يتعلق فقط بنوايانا الحسنة، بل هو جزء من المعركة. وهو أيضًا مسؤوليتنا السياسية.

النزاهة الأخلاقية والتصميم على عدم تقديم تنازلات أخلاقية أمر حاسم بشكل خاص الآن. فكرة “الحل الوسط” سوف تطارد النشطاء في المستقبل القريب. لكن نظرًا للتوافق القوي بين النشطاء والعلماء بأن هناك حاجة إلى تحالف متعدد الأعراق لمقاومة هذه الإدارة. يجب أن نميز هنا بين أنواع مختلفة من الحل التوفيقي. وعلينا أن نتجنب التنازلات الأخلاقية، أي التنازلات التي تفيد مجموعة على أخرى، ولا ينبغي أن تقبلها أي حركة، والحلول الوسطية العملية، التي تعني، على سبيل المثال، قبول تشريعات قد لا تصل إلا إلى بعض الأهداف، وهو أمر مقبول في ظروف اليوم.

وأخيرًا، فالدرس الأهم الذي تعلمته من دراسة الثورة المصرية فيما يتعلق بالعواطف هو المثابرة. تأرجح البندول من حالة مثيرة من الانتصار إلى حالة جذرية من الهزيمة كان تجربة مدمرة لكثير من النشطاء. كانت الثورة سفينة تتأرجح باستمرار بين الإثارة والأمل واليأس. العديد ممن يسمون “ثوار” في وقت لاحق خانوا الثورة وواقفوا على العمل بشكل وثيق مع الجيش في الفترة الانتقالية. وبالمثل، خرق العديد من الإسلاميين المبادئ الديمقراطية للثورة، ولجأوا إلى رؤية خلافية قائمة على الطائفية.

الطريقة الوحيدة التي نجا بها بعض النشطاء من هذه الأوقات الصعبة هي الحفاظ على الذاكرة وقيم الثورة. أنا لا أتحدث هنا عن نوع من النقاء الثوري. أنا أتحدث عن المثابرة من حيث التفكير والتنظيم. حتى يومنا هذا، يواصل الناشطون في مصر السعي نحو بديل للفاشية العسكرية والإقصاء السياسي.

من المفارقات أن هذه المجموعة نفسها من النشطاء يدافعون عن الإسلاميين الآن في ظل اضطهادهم في مصر، رغم خيانة الإخوان المسلمين أثناء تواجدهم في السلطة. إن هذا الالتزام الثابت تجاه التحالف والتغيير، على الرغم من كل النكسات، يُعد درسًا حاسمًا للناشطين في الولايات المتحدة اليوم.

يجب أن نفكر في المستقبل، على الرغم من التعب العاطفي والهجمات المستمرة من نظام ترامب. وبقدر ما يقودنا الغضب في اللحظة الراهنة، فإننا بحاجة أيضًا إلى أن نكون مُسلحين بالأمل في مستقبل نُعيد رسمه.

التنظيم والديمقراطية بعد ترامب

“تنظيم عادل” هذا أحد النداءات الشائعة بين معظم اليساريين منذ الانتخابات، لكن التنظيم فقط قد يكون مُضللًا إذا لم يسمح بالوقت الكافي للتفكير والتخطيط. في الوقت نفسه، فالدعوة إلى “التنظيم العادل” ضرورة حتمية إذا أشارت إلى استصلاح الشعب للسياسة. ينبغي ألا ننتظر ما يُسمى بالجمهوريين المعتدلين، فلا وجود لهم، أو للمؤسسة الديمقراطية، التي من الواضح أنها جزء من المشكلة.

السؤال إذن هو أي أنواع التنظيم ضروري، وما هي الأولويات أو الأسئلة الأكثر إلحاحًا؟ تجاوزنا الآن الغضب والصدمة الفوريين اللذين أعقبا الافتتاح، لكن ينبغي أن نستفيد من زخم الملايين من الناس الذين يظهرون استعدادهم -لأول مرة- للاحتجاج.

المهمة الملحة الثانية للمنظمين هي تحويل طاقة مسيرة المرأة إلى حركة جماهيرية. الأهم من ذلك، أن الهدف هنا ليس استعادة الديمقراطية الفاسدة بالفعل، والتي تسيطر عليها المؤسسات الاقتصادية والسياسية بشكل فعّال. في هذا المنعطف، يجب التمييز بين الاستبداد والعنصرية في النظام الحالي، والأزمة طويلة الأجل للأسلوب الرأسمالي والعنصري للحكم الأمريكي، أي الفشل الدائم للديمقراطية الأمريكية.

تعليقًا على الفرص المتاحة في الوقت الحاضر، كتب الناشط العلمي كيانجا – ياماهتا تايلور: “علينا أن نبني منظمات مستقلة وأحزاب سياسية غير مرتبطة بالحزب الديمقراطي، أو تلك التي تعلو وتهبط مع كل دورة انتخابية. علينا أن نبني منظمات ديمقراطية ومتعددة الأعراق، مع وجود أساس تضامني”.

أنا أوافق على ذلك، ولكني أضيف ثلاث نقاط إيضاح، وهي التنظيم، وخاصة مسألة الائتلافات المتعددة الأعراق، والعلاقة بين النظام الانتخابي والتعبئة، وأخيرًا، إعادة تصور الديمقراطية بعد ترامب.

التحالف المتعدد الأعراق

أولًا، على افتراض أن بناء تحالف متعدد الأعراق من أكثر القضايا إلحاحًا اليوم، أود أن أسجل الأفكار التالية. يعرف النشطاء والعلماء أن التنوع والقوة الشعبية والشرعية من نقاط القوة الرئيسية في أشكال التنظيم. لكن صعوبة الحل هو موطن الضعف الرئيسي لهذا النوع من التنظيم.

ففي مصر، على سبيل المثال، لم تتح فرصة النجاح للثورة -في البداية على الأقل- دون وجود تحالف بين الطبقات. كانت للثورة شعارات واسعة حول الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، لكن لم يكن هناك إجماع واضح حول ما يعنيه ذلك عمليًا. هذا ليس غريبًا في الثورات. اتضح بعد الثورة بوقت قصير أن العديد من المتظاهرين من الطبقة المتوسطة، ولم يهتموا بأي سياسات اجتماعية راديكالية أو حملات لمكافحة الفساد، بل أصبحوا محاصرين بين إلحاح الإدارة العسكرية حول الحاجة إلى الأمن بأي ثمن.

يقارن التحالف متعدد الطبقات ضد مبارك مع هدف بناء تحالف متعدد الأعراق في الولايات المتحدة اليوم. بدون مبالغة في المقارنة، سيحتاج أي تحالف متعدد الأعراق إلى رؤية واضحة للعدالة العرقية. فمثلًا، يجب أن تكون السيادة والقومية أهدافًا واضحة لهذا الائتلاف، لأن أي ديمقراطية مستقبلية في هذا البلد يجب أن تعترف بالديمقراطية العنصرية الهيكلية القائمة وأن تحل محلها.

إدارة ترامب أعلنت حربًا مفتوحة ضد الأقليات وأولئك الذين لا يتفقون مع أمة “بيضاء” مسيحية، وهي حرب لإنقاذ الهوية القومية البيضاء الأمريكية. لذلك، يجب أن ينظم الائتلاف فهم واضح للسياسات العنصرية لهذه الإدارة، ومعارضة هذه السياسة.

الأهم من ذلك، يجب أن نلاحظ أن العديد من “البيض” الذين ليس لديهم خبرة في السياسة المثيرة للجدل، وسبق أن حصلوا على امتيازاتهم و”الحريات” الممنوحة، هم الآن على استعداد للمشاركة في العمل.

التحالف المتعدد الأعراق لا يعني الوحدة بأي ثمن، ولا يمكن لأي ائتلاف أن يكون فعالًا بدون مبادئ توجيهية واضحة. الوحدة ضد ترامب وحدها لا تُعتبر مبدأ توجيهيًا. كما أن معالجة قضايا المجموعات المختلفة في هذا الائتلاف، وخاصة المجموعات الأكثر استهدافًا، أمر أساسي. ليس هناك شك أن المجموعات النسائية المختلفة، والمنظمين المهاجرين، والناشطين العرب والمسلمين الأمريكيين يجب أن يلعبوا دورًا قياديًا في هذا التنظيم.

يتمثل جزء هام من هذه المبادئ التوجيهية في الحاجة إلى عملية ديمقراطية جماعية في جميع مراحل المناقشة والتخطيط والتنفيذ. في هذه الجهود، يجب وضع سياسات الهوية في سياقها الصحيح. استخدم الإسلاميون السياسيون والنظام العسكري أُطر طائفية حول الإسلام والعلمانية لتقسيم مصر الثورية في أعقاب الإطاحة بالرئيس مبارك.

في الولايات المتحدة، لا يتم فصل سياسة الهوية والعرق عن الطبقية والتهميش بشكل عام. علينا أن ندرك ونعارض الخطاب الفارغ بشأن الهوية والإدماج والاستبعاد. وأخيرًا، يجب ألا يضم أي تحالف متعدد الأعراق حلفاء “خاطئين”، مثل المؤسسات الديمقراطية، ووسائل الإعلام الليبرالية والشركات، أو ما يسمى بالدولة العميقة، بما في ذلك عناصر من الجيش ووكالات الاستخبارات.

خلال الحشد ضد حكومة الإخوان المسلمين في أواخر 2012 و2013، شارك الليبراليون في الاحتجاجات. لكنهم أثبتوا أنهم أكثر إسلامًا من الملتزمين بالديمقراطية عندما تسامحوا مع اختطاف الجيش للعمليات السياسية في أعقاب الانقلاب في يوليو 2013. ما يسمى وكالات الدولة العميقة أكثرت من التعبئة ضد أول رئيس منتخب ديمقراطيًا. كما تسامح الليبراليون مع محاكمة أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بعد ذلك، وتسامحوا مع ملاحقة واستهداف الشباب الثوري.

في الولايات المتحدة، كانت وسائل الإعلام الليبرالية والشركات مسرورة جدًا بنبرة ترامب “الرئاسية” في خطابه الأول أمام الكونجرس، حتى أنهم تجاهلوا جدول الأعمال المُدمر للغاية والعنصري المُبين في نفس الخطاب.

السياسات الحزبية

أصبح واضحًا لعدد متزايد من الناس أن السياسة الانتخابية في الولايات المتحدة فاسدة تمامًا. فالكلية الانتخابية، وإعادة التشريح، والتأثير الكبير لجماعات الضغط والمال، ليست سوى بعض المشاكل في النظام الحالي. لكن هل ينبغي أن نتجاهل تمامًا السياسة الانتخابية؟

هناك حجة شعبية مفادها أن جهود معارضة ترامب يجب أن تحذو حذو حزب الشاي الجمهوري، الذي يحافظ على “الأجندة الأيديولوجية أو النقاء”، وفي الوقت نفسه عملي في السياسة الحزبية. بغض النظر عما يفكر به أحد في هذه الاستراتيجية الخاصة، أعتقد أنه من الخطأ تجاهل السياسة الانتخابية تمامًا.

من الواضح أن أي تعبئة حاسمة لوقف “الترامبية” أو الفاشية وتنفيذ التغيير الحقيقي، يجب أن تعارض المؤسسات الاقتصادية والسياسية الحالية. يمكن للناشطين اليساريين على الأقل التنظيم لفضح الطبيعة الفاسدة للنظام الانتخابي القائم. كما يمكنهم وقف بعض التشريعات، من بين أمور أخرى.

إذا كانت الدائرة الطبيعية للحزب الجمهوري هي أمريكا “البيضاء”، والدائرة الطبيعية للحزب الديمقراطي هي النُخب الليبرالية “البيضاء” وبعض النخب من “المُلونين”، إذًا ليس هناك حزب حقيقي للغالبية العظمى المضطهدة في أمريكا! قد يكون هناك مجال لتشكيل أحزاب يسارية جديدة ضد المؤسسة. لا يمكننا تجاهل السياسة الحزبية تمامًا.

كان لدى العديد من الثوار المصريين ازدراء عميق لسياسة الحزب، وظنّوا أن هذا يمكن معالجته بعد الثورة. هيمن الإسلاميون السياسيون على البرلمان الأول بعد الثورة تحديدًا؛ لأنهم كانوا منظمين بالفعل للمشاركة في هذا النظام. كما استخدم النظام العسكري والإسلاميين السياسة الانتخابية لقمع الزخم الثوري بعد الانتفاضة، لكن لا ينبغي أن تُفهم التعبئة في الشارع والتعبئة في السياسة الحزبية على أنهما غير متكافئين.

إنني أؤمن إيمانًا راسخًا بأن التمرد والأفعال الشعبية فقط هي التي يمكن أن توقف الفاشية. مع ذلك، سنفقد الكثير إذا تركنا السياسة الانتخابية تمامًا للمؤسسة الفاسدة، سواء الديمقراطية أو الجمهورية. بدلًا من ذلك، ينبغي أن يقترن التنظيم بوضع رؤية لمستقبل يتجاوز سياسات الحزب، والاستعداد لفضح مشاكل الديمقراطية الانتخابية.

الديمقراطية بعد ترامب

في وقت لاحق، من السهل القول إن المتظاهرين المصريين ارتكبوا خطأ فادحًا بالاعتقاد أن الإطاحة بالرئيس مبارك تعني سقوط الديكتاتورية في مصر. يصف علماء الأنظمة السياسية دكتاتورية مبارك كنظام شخصي، حيث تدور السياسة حول الزعيم وشبكاته. ولأن مبارك كان في السلطة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، كان من المفترض أن يختلط الناشطون المصريون بالنظام. لكن الآن تعلموا الدرس المر، وهو أنه كان خطأ كبيرًا عدم معارضة النظام العسكري، والذي هو العمود الفقري للاستبداد والفساد الاقتصادي في مصر.

قد لا يكون نظام ترامب شخصي تمامًا، لكن لديه بعض سمات هذا النموذج. مرة أخرى دون إساءة استخدام القياس، ينبغي للمنظمين في الولايات المتحدة تنظيم المطالبة بديمقراطية جديدة. نعارض ترامب ليس لأنه كذاب، أو لأنه جاسوس، أو لأنه لا يفصح عن عائداته الضريبية. حتى ونحن ننظم ضد التهديدات المباشرة لكثير من الفقراء والمجتمعات المستهدفة، يجب أن نفهم أن نجاح اللحظة الراهنة من المعارضة الشعبية والاحتجاج يتوقف على رؤيتنا الديمقراطية بعد ترامب، وبعد المشاكل الهيكلية للديمقراطية الرأسمالية العنصرية في هذا البلد.

كانت الديمقراطية الأميركية منذ تأسيسها نظامًا استعماريًا وعنصريًا تأسس من خلال الاستعمار الاستيطاني. كما تتكون الدولة المصرية الحديثة من ظروف استعمارية وما بعد الاستعمار. هذا هو السبب في أن قِصر نظر بعض النشطاء المصريين في مسألة الديمقراطية على الصعيد الوطني، من دون رسم الروابط اللازمة مع العسكرة العالمية والرأسمالية ومصالح الإمبراطورية الأمريكية.

بالنسبة لهؤلاء النشطاء، كان الدرس هو أن الجهاز العسكري الفاسد هو العمود الفقري للاستبداد في مصر. وبالنسبة للناشطين اليساريين والمتقدمين في الولايات المتحدة، فتصور ديمقراطية جديدة يجب أن يبدأ بالاعتراف بالتاريخ الاستعماري للمستوطنين في البلاد والهيكل الرأسمالي العنصري.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات