هل تحررت المجتمعات الغربية من الدين؟

حمزه ياسين – التقرير

منذ بدايات تشكل علم الاجتماع، وتماشيًا مع فكر التنوير وموقفه من الدين، تشكل تصور بأن الدين سيندثر وينحسر وجوده مع تقدم التاريخ، على اعتبار أن سيخلي المجال أمام العلم والحداثة وما يندرج تحتها من اقتصاد وثقافة.

ومن هنا كان علم اجتماع الديني الكلاسيكي يستمد تصوراته عن الدين ومآله داخل التاريخ، وقد عبرت النظريات الاجتماعية تلك عن مضمون فكرة العلمنة، التي استعملت كأداة تفسير سوسيولوجيا لحضور الدين في التاريخ، مبنية على الفكرة التي ذكرناها عن انحسار الدين.

ولكن علم الاجتماع الديني المعاصر تجاوز هذه الفكرة، وأظهر قصورها في فهم طبيعة الظاهرة الدينية، وكيف أنها قاومت مد العلمنة والتحديث واستطاعت أن تعيد تشكيل ذاتها داخل التاريخ وبقوة، وألا ينحصر على المجال الخاص فقط، وإنما يمتد إلى المجال العام ليؤثر فيه عبر الحراكات الاجتماعية والسياسية والمؤسسات الدينية المختلفة.

وقد ناقش هذه الفكرة العديد من المنظرين الكبار في علم الاجتماع الديني، أبرزهم خوسيه كازانوفا الذي كتب الأديان العامة في العالم الحديث، والذي رصد عودة الدين إلى المجال العام في العديد من الدول الغربية والشرقية، وهو ما يهز نموذج العلمنة الصلب ويعيد ترتيب أفكاره.

كما كان لرودني ستارك ودارن شركات وغيرهم العديد من الإسهامات في هذا المجال وفي نقد نموذج العلمنة، وسنناقش في هذا المقال بعض أفكار هؤلاء المنظرين، والتي صاغوها تحت موضوع “السوق الدينية في الغرب” كتعبير عن شكل النشاط الديني هناك، وقد تناولوا أمريكا كنموذج للدراسة.

وتكمن أهمية هذا الكتاب وغيره من الكتب والطروحات التي تناقش حضور الدين في الغرب في أنها تبدد الأوهام السائدة حول طبيعة حضور الدين في الغرب، خاصة وأن الحالة الثقافية العربية تمتلك تصورات غير دقيقة وواهمة أحيانًا حول حضور الدين في الغرب، فالظن السائد هو أن الغرب تحرر من قيود الدين وانطلق إلى فضاء العقل والعقلانية، وأن الدين أصبح بالنسبة له من التراث الغابر، وهذا التصور يعود بشكل كبير إلى افتقار الثقافة العربية للاطلاع على الكتابات المعاصرة في علم الاجتماع الديني التي تثبت عكس ذلك.

ينقسم الكتاب إلى بحثين، الأول لدارن شركات وكريستوفر إليسون، والثاني لرودناي ستارك ولورانس إياناكوني، وسنشرع في عرض ومناقشة أهم أفكار وطروحات البحثين:

  • البحث الأول: اتجاهات علم الاجتماع الديني في قراءة الواقع الديني الأمريكي – للأستاذين شركات وإليسون

يبدأ الباحثان بحثهما بالإشارة إلى التغيرات التي طرأت على علم الاجتماع الديني المعاصر، فيبينان كيف المرحلة المعاصرة لعلم الاجتماع تتسم بتطور وازدياد مطرد في دراسة الدين من قبل مراكز الأبحاث والمجلات البحثية، وكان من آثار هذا الازدياد تقهقر مقولات نظريات العلمنة، كمقولة تقهقر دور الدين من الحياة الاجتماعية، وتراجع قوة التكتلات الدينية، وتقلص الالتزام الديني.

وقد تقهقرت هذه المقولات بعد الدراسات المعاصرة التي أجراها منظرو علم الاجتماع الديني الذي تفاعلوا ورصدوا التغيرات الجارية منذ بداية السبعينيات، والتي بينت حضورًا قويًا للدين، بروز الأصوليات والحراكات الاجتماعية الدينية، وغيرها من التطورات التي أبرزت مدى تعقد الظاهرة الدينية والحاجة لنماذج نظرية جديدة وأكثر تركيباً.

وفي صدد ما ذكره الباحثان حول مجموع التغيرات التي طالت الظاهرة الدينية وعلم الاجتماع الديني، يبدأ الباحثان بعرض شبكة الأبحاث المعاصرة التي حاولت فهم الظاهرة الدينية في السياق المعاصر، وبالاستناد إلى العديد من النتائج الاحصائية.

فعلى صعيد الاعتقادات الدينية، فهناك ما يقارب الـ٦٣% من الأمريكيين ليس لهم شك في الله، في حين ٢.٢% فقط لا يؤمنون بالله، وعلى مستوى المشاركة والانتماء للمنظمات الدينية، فهناك مشاركة عالية عند الأمريكيين بالمقارنة مع الدول الأخرى، فهناك ٦١% يصرحون بانتمائهم إلى جمعيات دينية، ٢٩% يرتادون الكنيسة أسبوعياً، كما يقضي الأمريكيون جانبًا مهمًا من وقتهم وأموالهم في خدمة المنظمات الدينية.

ولعل المظهر الجلي المميز للتدين الأمريكي هو التنوع والتعددية في أنماط الالتزام الديني وفق الجماعة الدينية، فالتعددية تعتبر مقومًا أساسيًا للدين في الولايات المتحدة، وتعود أسباب نشاط الاعتقاد الديني والسلوكيات الدينية إلى مجموعة من العوامل، أهمها هو وجود الحواضن العائلية والدينية.

كما يظهر أثر الدين على الحياة الاجتماعية والسياسية، فله أثر على العلاقات الانتماءات والالتزامات السياسية، والعلاقات الأسرية والفضاء الاجتماعي الحر.

فعلى صعيد الحراكات الاجتماعية والسياسية، فقد نشطت بعد فترة السبعينيات، وكان لها تأثير في مختلف الجوانب السياسية والحقوقية، وتأتي أهمية الدور الذي تلعبه هذه الحركات في توفير منطلق عملي يحدد متطلبات الحركة، وخلق مشروعية اجتماعية لدفع الحراك والنضال من أجل القضايا التي تهم المتدينين والفئات المحافظة، بالإضافة إلى منح صيغة مؤسسية للنشاط الديني في المجتمع والسياسة.

وعلى الصعيد الاجتماعي الثقافي، فهناك دور مهم للجمعيات والمؤسسات الدينية، من تقديم إشباع للحاجات الروحية والنفسية للأفراد، وصياغة وتوجيه مطالب الجماعات الخاصة والمنسية، والحث على الوعي في القضايا الاجتماعية، إضافة إلى دورها في الحد من الجريمة والعنف بحكم موقف الدين من هذه الأمور.

ومن الأفكار المهمة في هذا السياق، والتي تعبر عن قيمة التعددية الدينية في المجتمع الأمريكي، فبحكم عدم احتكار الدولة لكنيسة دينية معينة، كان لذلك أثرًا إيجابيًا في التنافس وازدياد العرض في السوق الدينية من قبل الكنائس المختلفة، لأن العمل فيها يكون تطوعيًا، والمتطوعين يخدمون التجمعات هذه على وجه أفضل بحكم رغبتهم الشخصية، في حين تنحو الكنائس الرسمية إلى مراعاة أقل في درجات الكفاءة، وتتحول بالنسبة للعاملين فيها إلى مجرد وظيفة، حيث تعتمد في اقتصادها على تمويل الدولة.

  • البحث الثاني: الدين في المجتمعات الأوروبية المعاصرة – للأستاذين ستارك وإياناكوني

بعد بيان قصور نموذج العلمنة في تفسير الحالة الأمريكية، يقدمان الباحثان هنا نموذجًا جديدًا لتفسير الحراك الديني، وذلك عن طريق تطبيق النماذج الاقتصادية عليه لتتشكل نظرية في الاقتصاد الديني، الذي يتشكل بدوره من الأنشطة الدينية المختلفة في المجتمع.

وللاقتصاد الديني مجموعة من الاعتبارات المؤسسة، فالاقتصاد الديني يسير نحو التعددية الموسعة في الحالة التي يكون فيها غير خاضع للتوجيه، كما يتم تخصص المؤسسات الدينية على أساس مستويات التعددية لتوفير الاحتياجات المتنوعة للمجتمع. وهو يحصل عندما يعجز خط إنتاجي واحد (أي مؤسسة واحدة) عن إشباع مختلف الأذواق.

وفي الحالة التي يكون فيها الاقتصاد الديني تنافسيًا وتعدديًا، تنمو المستويات العامة للمشاركة الدينية إلى التطور، وذلك على خلاف عندما يكون محتكرًا من طرف مؤسسة بدعم من الدولة، حيث تشهد المشاركة نوعًا من التراجع، خاصة عندما يرتبط نشاطها بنوع من الإكراه على المجتمع، وكل هذه الاعتبارات مدعمة بتجارب وإحصاءات تبين الاختلاف بين المذاهب الدينية في الغرب.

كما يعرج الباحثان على نقطة مهمة، وهو نقد الاعتقاد السائد بأن الاعتقاد الديني قد تراجع بعد العصور الوسطى، وهو ما يشكل نقطة مرجعية قاس عليها الباحثون تدين المجتمعات الحديثة، إلا أن هذا الاعتقاد قد تزلزل بعد الأبحاث التاريخية التي نشرها الباحثون والتي تثبت كيف أن العامة في العصور الوسطى كانت أقل تديناً، على الاقل في المشاركة الدينية، فقد كان التدين مرتبطًا بطبقة النبلاء دون الفلاحون الذين كان بعضهم وثنيون أو من عبدة الأرواح، وهم كانوا على خلاف مع الكنيسة وممثليها.

                                                                                             *** *** ***

بعد هذا العرض لما كتبه هؤلاء الباحثون في علم الاجتماع الديني، يجدر بنا أن نطلع على التراث المعاصر في هذا المجال، لما يحويه من قدرة على تبديد أوهام تصوراتنا حول طبيعة المجتمعات الغربية وتدينها، والتي تنحو عادة نحو صبغها بصبغة واحدة نافية عنها التعددية والتنوع.

ولعل أكبر عائق أمام هذا الاطلاع هو قلة الأعمال المترجمة إلى العربية، ومن هنا لابد أن نتقدم بالشكر للدكتور عز الدين عناية على ترجمته لهذا النص المهم.ذلك.

 العربية للاطلاع على الكتابات المعاصرة في علم الاجتماع الديني التي تثبت و ما يهز نمي التاريخ، مبنية الفكرة والتي تنحو عادة نحو صبغها بصبغة واحدة نافية عنها التعددية والتنوع.ولعل أكبر عائق أمام هذا الاطلاع هو قلة الأعمال المرجمة إلى العربية، ومن هنا لا بد أن نتقدم بالشكر للدكتور عز الدين عناية على ترجمته لهذا النص المهم.

Capture

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات