هشام دغمش: الإسلاميون والعسكر.. هل يلدغ المؤمن من جحر مرتين؟

لطالما كانت العبارة الأثيرة لكارل ماركس “التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كملهاة” هي الأصدق لوصف الانقلابات العسكرية التي تحسم التحولات السياسية الناشئة، وتجهز على الديمقراطيات الانتقالية، وتصلب آفاق الشعوب الحالمة بالحرية.

إن أمنياتنا التي لم يلدها الغيب أجهضت بالضرورة، وغالبًا على مذبح الأمن والاستقرار، وبررت بخرافات قديمة قدم نشوء عقلية البيروقراطيات العسكرية عن إنهاء الانقسام والوقاية من الحروب الأهلية وعن العدو والعدو المحتمل.

ولأن رؤية الضباط لا تتفهم التعددية والاختلافات الأيديولوجية ابتداءً، ولأنها تنظر إلى الحالة المدنية بكافة تفريعاتها نظرة دونية ثانيًا، ولأننا لا نعرف كيف نتعامل مع اختلافاتنا ثالثًا؛ فإن المنظومة العسكرية تجد الفرصة المواتية للضلوع بالدور الأبوي وممارسة كافة أشكال الوصاية الممكنة على الجميع للحفاظ على مصالحها من العبث المدني في الشأن السياسي، الذي قد يؤثر على مصالحها أو قد يهدد اتزان القوى السياسية الخفية المؤثرة في الشأن السياسي الأعلى للدولة.

ولكن، ألا يكون السؤال عن دوافع الجنرال السيسي في الانقلاب على الحكم المدني المنتخب في يوليو 2013 موضوعيًا وواقعيًا في آن إذا علمنا أن كلًا من صلاحيات ومصالح المؤسسة العسكرية لم تكن مهددة أبدًا فترة حكم مرسي؛ فالمؤسسة كانت تتمتع بسلطات متعددة وحصانة من المحاكمة أمام القضاء المدني، وتمتلك مفاتيح الشؤون السياسية العليا، خصوصًا المتعلقة منها بالأمن القومي والسياسة الخارجية؟

للإجابة عن  هذه الأسئلة يجب أن نفهم طبيعة التيارات الناشئة في أي جهاز بيروقراطي أيًا كان، ابتداءً من الدولة وصولًا للمنظمات غير الحكومية، وبالرغم من أن وظيفة وطبيعة البيروقراطيات تلعب دورًا هامًا في تشكيل تياراته الداخلية الكبرى؛ إلا أننا نستطيع أن نقول بأن هنالك تيارين رئيسين يشكلان الوحدة ثنائية القطب لأي جهاز بيروقراطي هما: التيار المتشدد أو قد يعرف أحيانًا بالراديكالي/ الهدام/ الاستئصالي/ الصدامي/ وفي مقابله هنالك التيار المتساهل أو ما يعرف أحيانًا بالإصلاحي/ البراغماتي/ العقلاني، وعلى اختلاف التسميات نجد هذه التيارات حاضرة وبقوة دائمًا؛ فمثلًا عند الإخوان المصريين هنالك “القطبي” مقابل “الإصلاحي”، وعند الإخوان الأردنيين هنالك “الصقور” مقابل “الحمائم”،  حتى في الحركات الجهادية هنالك التيار “العزامي” ينسب للدكتور عبد الله عزام وهنالك “البكر” وينسب لأبي بكر الناجي صاحب كتاب إدارة التوحش.

ولكن، ما علاقة البيروقراطيات بالانقلاب؟ وما علاقة الانقلاب بالخطأ الذي ارتكبه الإسلاميون للمرة الثانية في أقل من قرن؟

وللإجابة على هذه الأسئلة لا نزال نحتاج إلى معرفة شيء آخر وهو ميزان القوى السياسية الساكنة في مصر والتي تؤثر في حالة الاستقرار الاجتماعي والسياسي في مصر.

في مصر، هنالك فاعلان رئيسان اثنان كلاهما بيروقراطي وكلاهما ذو دعم شعبي واسع: الإسلاميون والعسكر، والعلاقة بينهما تؤثر في الوضع السياسي القائم. وبم أن الجيش هو أيضًا جهاز بيروقراطي؛ فإنه، وعبر تاريخه، كان محكومًا بتوجهين رئيسين:

أولهما: الاتجاه الناصري. وهو توجه ذو نزعة يسارية راديكالية استئصالية ويحاول الجنرال السيسي إعادته للواجهة بعد فشل التيار الآخر في إبقاء الجيش على رأس الدولة.

وثانيهما: الاتجاه الساداتي، الذي كان حسني مبارك مجرد امتداد له، وهو ذو نزعة احتوائية تسعى لتحجيم الآخر وتحديده ضمن سقف وإطار قابل للتطويع والسيطرة.

ولأن السيسي محمل بالقلق من تغول المدنيين على السلطة، وخوفًا على تجرؤ الشعب على الجيش ومحاولته لتغيير الوضع القائم، والتي كانت الثورة هي ثمرة هذه المحاولة؛ فإنه كان يتحين الفرصة الأقرب لإعادة الدولة لحظيرة الجيش وبسط البسطار العسكري على الرؤوس مرة أخرى.

وبم أن فترة مرسي قد شهدت طفرة كسرت ثنائية العسكر والإسلاميين، وهي نشوء حالة مدنية اجتماعية وسياسية مناهضة للإخوان، والتوجه الإسلامي العام؛ فقد شجعت التيار الاستئصالي في الجيش للظهور مرة أخرى بحجة إنهاء حالة الانقسام وحماية الدولة من الحرب الأهلية المحتملة.

أما الإخوان، فلقد ضلوا حتى في محاولة معرفة الخطأ. لقد اتخذ الإخوان قرارًا بمجابهة الانقلاب والتصدي له، بالرغم من أن الحركة ليست حركة ثورية لكنها محملة هي أيضًا بإرث مرير يعرف في أدبيات الإخوان بـ”قرار عودة”، وهو القرار الذي اتخذه عبد القادر عودة الأمين العام للجماعة بناءً على طلب عبد الناصر بصرف المحتجين الذين تجمعوا بعشرات الآلاف لمحاصرة القصر الرئاسي بسبب استئثار الضباط الأحرار بالسلطة وإحجامهم عن إقامة انتخابات وتسليم السلطة للمدنيين.

ولأن عبد القادر عودة اعتقل في ذات الليلة، وأُعدم  ضمن الآلاف الذين اعتقلهم وقتلهم عبد الناصر في المحاولة الأولى لتصفية الآخر التي قام بها الجيش للخروج منتصرًا ومنفردًا من حالة الاستقطاب الاجتماعي السائدة؛ فإن الإخوان ظنوا أنهم بمجابهة العسكر فإنهم بذلك يتجاوزون أخطاء الماضي التي كادت أن تودي بالجماعة إلى الأبد.

إلا أن محصلة هذه المواجهة لم تكن في مصلحة الإخوان؛ لأن قرار المواجهة جاء متأخرًا، بل متأخرًا جدًا. لقد كان عليهم ألا يأمنوا مكر العسكر مرة أخرى؛ فعبد الناصر، الذي حاول أن يجتث شأفتهم في المرة الأولى، خرج من التنظيم الخاص الذي كان يضم ضباط الجماعة في الجيش، الذي شارك في حصار قصر الملك في ثورة 52.

لقد كان التعاون مع الجيش، أو لنقل التساكن معه، والذي هو نتيجة للسياسة البراغماتية الحذرة للإخوان، والتي كانت تهدف لحماية الجماعة وتجنب أي صدام مع الجيش أو الوقوف في وجه مصالحه أو المساهمة في أي عمل ثوري ضد صلاحياته، هو الخطأ الذي تدفع الجماعة ثمنه اليوم غاليًا. لقد ساهم الإخوان بدون قصد في تكريس سلطة العسكر، ابتداء بقيادتهم في البرلمان الذي أعقب الإعلان الدستوري في 30 مارس 2011 والذي تضمن تعديلات عززت من سلطة العسكر وصلاحياتهم وقلصت من صلاحيات المؤسسات المنتخبة.

ثم غيابهم عن أحداث “محمد محمود” التي أعقبت صدور “وثيقة السلمي” التي تضمنت مواد “فوق دستورية” صبت رأسًا في مصلحة العسكر وهيمنتهم، وأخيرًا تقدمهم كنخبة سياسية لحمل أعباء الثورة وتصدر المشهد بالرغم من الأثر النفسي الذي حملوه في دواخلهم بسبب الماضي الأليم الذي عاشته الجماعة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

وبسبب متلازمة الخوف من بطش العسكر، قدم الإخوان أنفسهم للمحرقة. لقد قادهم الخوف من المجزرة إلى مجزرة أخرى، لكن هذا ليس كل شيء؛ فكل يوم يمضي وحالة السكون والوهن التي تدب في حراك الإخوان ضد الانقلاب تفقدهم شيئًا من الثقل الشعبي الذي كانوا يتمتعون به. أما الجيش، الذي ينفرد بالسلطة، لا يدري أنه هو الآخر مهدد بفقدان شعبيته مع تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع معدلات البطالة والانتحار.

إن انكسار ثنائية الجيش والإسلاميين في عين المجتمع ربما يؤسس لحراك جديد أو لجبهة مدنية دائمة متجاوزة للأيديولوجيا قد تكون قادرة على تحقيق حلم الإنسان المصري الذي ثار من أجله “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات