نيوزويك: هل ستشعل السعودية حربا جديدة في المنطقة؟

نيوزويك – التقرير

مقال للمحامي والكاتب الأمريكي ريان ريج

عام 2010، انتقلت إلى المملكة العربية السعودية للعمل لدى شركة محاماة دولية في خضم طفرة المملكة في شراء الأسلحة.

بخلاف العمل الذي كنت أقوم به في مجال الدفاع، كان لكل مجمع سكني بالرياض عدد من تجار الأسلحة، وعلى رأسهم أعداد كبيرة من المتعاقدين الأمنيين الأوروبيين والأمريكيين السابقين، والمدربين العسكريين، وشركات إنجلترا المُصنعة للأسلحة. كان الكثير من الناس الذي يبيعون السلاح لديهم مجمع خاص بهم بالكامل، به حمام سباحة وبار.

في حين أن كمية الأسلحة التي قام السعوديون بشرائها من جميع أنحاء العالم، فضلًا عن الغرض منها، ما زال لغزا، إلا أنه لم يكن لغزا بالنسبة للولايات المتحدة. بعد فترة وجيزة من وصولي إلى الرياض، وافق الرئيس باراك أوباما على بيع أسلحة بقيمة 60 مليار دولار للسعودية، وهو رقم قياسي غير مسبوق، تقوم السعودية اليوم باستخدام الأسلحة في المقام الأول لقصف اليمن، رغم اعتراضات الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالولايات المتحدة.

بالنسبة لكثير من أنصاره، قرار أوباما ببيع أسلحة أمريكية إلى دولة دينية، ما زالت تُعدم النساء بتهمة السحر، تبدو غريبًا. ولكنه ورغم كل شيء، رجل قامت حملته الانتخابية على شعار “الأمل”، ولديه زوجة تركز أنشطتها الخيرية إلى حد كبير على دعم النساء الشابات في جميع أنحاء العالم.

مع ذلك، لم يكن قرار أوباما ببيع أسلحة للسعودية خارجا عن قواعد سياسة الولايات المتحدة، خصوصا عندما كان الاقتصاد الأمريكي في حاجة ماسة للدخل. إن كان هناك شيء في بيع أوباما الأسلحة للسعودية، فهو أنه كان أفضل بكثير في ذلك من أي رئيس السابق تقريبا.

لفهم لماذا تبيع الولايات المتحدة الكثير من الأسلحة للسعوديين، قد يكون بعض السياق التاريخي مفيدًا. منذ الحرب الباردة، مارست المملكة العربية السعودية دورًا مهمًا كحليف، عبر تقييد القوة الروسية عن طريق إنتاج النفط.

وتعتمد اقتصادات كل من المملكة العربية السعودية وروسيا، بالكامل تقريبا، على النفط. مع ذلك، فبخلاف حقول النفط من روسيا، حيث تكلفة الإنتاج 20 دولارًا للبرميل، والمملكة العربية السعودية تنتج النفط بأقل من 10 دولارات للبرميل. ببساطة، إذا ضخ السعوديون النفط بسرعة كافية، سيخسر الروس. ولذلك فإن العلاقة القوية بين الولايات المتحدة والسعودية تشكل عائقا صلبًا على السلطة الروسية.

من خلال اتفاق بيع أسلحة إلى المملكة العربية السعودية لعدة السنوات، والتي تستمر برامج التدريب والصيانة لها لمدة نصف عقد من الزمن، كان أوباما يريد ترسيخ تحالف طويل الأمد قائمة على سياسة الاحتواء التي أوجدتها الروسية منذ الحرب الباردة.

مع ذلك، توسع جيش السعودية الهائل، والمستمر بلا هوادة منذ ست سنوات، بما في ذلك زيادة القدرات البحرية، بجانب تحركات القوات في اليمن، وخطط لتدريب طواقم الغواصات في ماليزيا، والذي يدل أن السعودية قد تلجأ إلى استخدام العمل العسكري، وخاصة في مضيق باب المندب، كوسيلة للتحوط من عدم الاستقرار الأسري، والناجم عن التدهور الاقتصادي في المملكة.

في حال فشلت جميع الإصلاحات الاقتصادية في المملكة العربية السعودية، والتي تشمل الطرح العام الأولي لشركة النفط (أرامكو)، ورؤية الإصلاح 2030، وخفض إنتاج أوبك، قد يدفع الصقور المملكة نحو إجراءات يمكن أن تشعل حربا إقليمية جديدة.

في سبيل رفع مستوى معيشة مواطنيها، تواجه جميع البلدان الاختيار، أحدهما داخلي من خلال إنتاج سلع وخدمات جديدة، والأخر خارجي، من خلال غزو البلدان والأقاليم الأخرى.

يتوسع الشكل التكفيري والديني للإسلام تلقائيًا، والذي يروج له أجزاء المتشددون في المؤسسة الدينية والسياسية بالمملكة العربية السعودية. إنهم يمجدون العنف ويصورون غير المسلمين بأنهم أقل شأنا.

وبينما لا يؤيد جميع أعضاء الحكومة السعودية هذا التفكير (وكثير منهم يحارب ضده وبقوة)، فإنه ليس من المبالغة القول إن أولئك الذين يرغبون بشكل أكثر حداثة وتسامحا من الإسلام يواجهون معركة صعبة في المملكة.

العديد من المنظمات التعليمية السعودية، والتي لا تزال تستخدم كتب مدرسية تحث المسلم ألا يتخذ اليهود والنصارى كأصدقاء، وتعزز نظريات المؤامرة وتتهم المنظمات الخيرية الغربية (الروتاري، نادي الليونز، إلخ) بالتآمر لإضعاف المسلمين.

وفي الوقت نفسه، المؤسسة الدينية في المملكة تستمر في قيادة المسلمين إلى “كراهية” المسيحيين واليهود “المشركين” وغيرهم من “غير المؤمنين”.

الإشكالية الأكبر من التمجيد للعنف في السعودية، هي الطبيعة الدينية للحكومة، والذي يجعل النمو الاقتصادي مستحيل تقريبا دون التوسع الخارجي العنيف.

السعودية، مثل الكثير من دول العالم العربي، غير قادرة على الاحتفاظ بالعلماء أو العمال المتعلمين. رغم أنها تنفق مليارات الدولارات على التعليم أكثر من أي بلد آخر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتعوق هجرة الأدمغة المستمرة إمكانات البلاد لتحقيق النمو الداخلي على المدى الطويل بشدة، إلى جانب فشل مزمن في الأداء في العلوم والرياضيات.

وفي الوقت نفسه، تنص قواعد العمل على إغلاق كافة الشركات 2-4 مرات يوميا في أوقات الصلوات الإلزامية، ولمدة من 15 دقيقة إلى ساعة. في متوسط ساعات العمل السعودي، تغلق معظم الشركات ما يقرب من 10 إلى 45 في المئة من الوقت للصلاة أو الغداء. بالتالي من المستحيل الاقتراب من كفاءة العمل اقتصاديًا بينما تغلق الشركات كثيرًا.

والنتيجة أنه رغم الكثير من جهود الإصلاح بالسنوات الماضية، ما يقرب من 90% من اقتصاد التصدير السعودي لا زال قائمًا على النفط. وهكذا، وكما جاء في “لماذا قد يستعد السعوديون لحرب حقيقية”، فإن زيادة استهلاك السعودية من الطاقة، فضلا عن الانخفاض المطرد في الأهمية النسبية للنفط في الاقتصاد العالمي، فإنه من غير المحتمل أن الاقتصاد يستشعر النمو المستدام في المدى القريب.

للوهلة الأولى، وعلى الرغم من التعزيزات العسكرية في السعودية على مدى السنوات الست الماضية، وكون التهديد السعودي بمهاجمة أحد جيرانها أمرًا مستبعدًا، إلا أن الولايات المتحدة تحافظ على وجود بحري كبير في مضيق باب المندب، ولها قواعد عسكرية البحرين، حتى تكف السعودية إذا ما هاجمت أحد الجيران.

وكما جاء في “لماذا قد يستعد السعوديون للحرب”، فمن المرجح أن يستمر هذا التدهور الاقتصادي في المملكة. خاصة إذا فشلت الإصلاحات الاقتصادية في الارتقاء إلى مستوى التوقعات. وهكذا، فإن احتمال مهاجمة السعودية لأحد الجيران يعتمد على أربعة معتقدات:

  • الشعب الأمريكي اُنهك على مدار الـ15 عامًا الماضية، بفعل الحرب شبه اللانهائية في العراق وأفغانستان، ولن يخوض حربًا جديدة في المنطقة مع نفس الفئة من التشدد الإسلامي مثل داعش.
  • الجيش الأمريكي مُوزع في أماكن كثيرة حول العالم. كما أن تدخل روسيا في المنطقة يجعل من دخول الولايات المتحدة حربًا جديدة أمر مستبعد، خاصة وأن هذا سيؤثر على الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة. وإن دخلت أمريكا حربًا مع السعودية سيثير هذا سخط العالم الإسلامي بمجرد دخولهم منطقة الحجاز.
  • السعودية قامت بإمداد تنظيم داعش بالأسلحة، وقصفت مدنًا شبه عُزّل في اليمن، وبالتالي تظن أنها لن تتعرض للعقاب، وبإمكانهم فعل ما يريدون ولن تتدخل أمريكا، خاصة مع النظرة الانعزالية التي وضحت من خطابات ترامب بخصوص منطقة الشرق الأوسط.
  • الولايات المتحدة أصبحت مصدرة للطاقة. على أية حال هذا سيرفع أسعار النفط والغاز جزئيا لصالح أميركا. إذا بدأت المملكة العربية السعودية حربًا في الشرق الأوسط من خلال غزو إحدى الدول المجاورة (اليمن، قطر، العراق، وما إلى ذلك)، فإن الخاسر الأكبر من خارج المنطقة ستكون أوروبا، والتي ستقطع عنها كمية كبيرة من إمدادات الطاقة.

من غير المرجح أن يؤدي غزو اليمن إلى تقدم السعودية اقتصاديًا، ما لم تعطل السعودية مضيق باب المندب، الذي تشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أنه واحد من سبع نقاط اختناق الطاقة الرئيسية في العالم (3.8 مليون برميل نفط يمر إلى الغرب عبر المضيق كل يوم، بجانب مع ما بين نصف مليون ومليون برميل من الغاز الطبيعي).

يجب أن تنجح السعودية في خلق حالة من الفوضى والارتباك في المضيق من خلال الهجمات الصاروخية، أو من خلال إثارة الحوثيين لمهاجمة السفن في المضيق، ستكون أوروبا إلى حد بعيد أكبر الخاسرين، حيث ستحرم من أكثر من 150 مليار دولار مخصصة للنفط والغاز الطبيعي سنويا، مما يجعل الأوروبيين أكثر اعتمادا على روسيا والنرويج والولايات المتحدة لتلبية احتياجات الطاقة لديها.

وبخلاف اليمن، يمكن للسعودية استهداف الأجزاء الجنوبية من العراق (مثل الأنبار وآل المثنى) والتي سيطر عليها النفوذ القبلي قبل أن تحول الحكومة السيطرة عليها إلى أيدي الشيعة.

بعيدًا عن الهجوم على العراق أو اليمن، فإن مهاجمة قطر أقل احتمالًا، إلا أنه احتمال قائم، لأن نمو الغاز الطبيعي في قطر وإيران هي الخطر الأكبر على القوة الإقليمية السعودية اليوم. تحسن العلاقات الإيرانية مع الغرب سيزيد تصدير النفط والغاز الطبيعي مما سيزيد من ضعف الاقتصاد السعودي. وبالتالي يمكن أن تهاجم السعودية قطر كملاذ أخير لوقف إضعاف الغاز القطري للنفط السعودي.

وعلى المدى القصير، ردع المملكة العربية السعودية من استخدام أسلحة مخزونها ضد أحد جيرانها يعتمد إلى حد كبير على تعزيز رواية أن الغرب (أو تحالف من الدول العربية) سيتحرك في عدوان عسكري. ولكن، على المدى الطويل، سيكون أكبر رادع للتوسع السعودي آتيًا من داخل المملكة نفسها.

في حين عَملت على نطاق واسع مع أعضاء العائلة المالكة السعودية، يمكنني القول إن بعض المسؤولين عن المملكة يعنون برفاهية منطقتهم، وهناك آخرون يرغبون في منطقة شرق أوسط لا تُعرّف بالدين والحرب.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات