من يدفع ثمن الحروب؟

ذا ناشن – التقرير

إذا أرادت أمريكا تقبل فكرة الدخول في حروب غير منتهية، فيجب عليها تقبل شيء آخر، وهو أن تكلفة الحرب قد تكون مستمرة ايضًا. أفكر بشأن المليارات التي انُفقت، وملايين الأشخاص من صفوف الأعداء الذين قتلتهم أمريكا، ونسبة كبيرة منهم من المدنيين، وعشرات الآلاف في صفوف الجنود الأمريكيين، بجانب الألم الذي يشعر به عدد كبير من النساء والرجال والذي لن يُنسى بسهولة ولا يمكن أن يتخيله أحد.

الألم المستمر للحرب

عندما بدأت بكتابة رواية “هوبرز وار”، التي تتحدث عن الحرب العالمية الثانية في المحيط الهادئ، فكرت بشأن ما حدث للأشخاص في الحرب، سواء المقاتلين أو المدنيين. شعرت حينها بحاجتي لكتابة تجربتي الشخصية في العراق، عندما كنت أعمل كموظف لدى وزارة الخارجية الأمريكية، وشاهدت الكثير من الأشياء المرعبة مثل انتحار جنديين.

بدأت الفكرة عندما ذكرني الفيسبوك بذكرى في حياتي، عندما شاركت صور لأطفال العراق. في نفس الوقت، رأيت في الأخبار مناطق في العراق شبيهة لتلك التي كنت بها، لكن هذه المرة كان بها مقاتلي تنظيم الدولة قبل أن يتم استرجاع هذه المناطق. تواصلت مع الأشخاص الذين تواجدوا معي في الحرب منذ سنوات، كانوا جاهزين لإخباري عما سهرت العديد من الليالي أفكر به.

تحولت أحاديثهم أولًا إلى كوابيس، ثم إلى أساسيات بحث، وجدت نفسي أتحدث إلى مزيد من المحاربين القدامى، الذين استمرت معاناتهم بطريقة لم يستطيعوا شرحها، لكنهم اضطروا لمواجهتها يوميًا. اعتقدت أنني فهمتهم رغم أنها المرة الأولى التي حاولوا فيها وصف شعورهم بالكلمات. شرح الكثير منهم كيف أنهم دخلوا لأرض المعركة مقتنعين أنهم الطرف الجيد، وبعدها كان يجب عليهم التعايش مع عمق الذنب والخزي الذي تلا ذلك.

بغض النظر عن الحرب التي نتحدث عنها، سواء كانت الحرب الكورية أو في المحيط الهادئ أو من خلال رؤيتي لمذكرات من مقاتلي الجيش، فالقصة تتلخص في نفس الشيء. يتعلق الأمر بالقرار الذي يجب اتخاذه في لحظة ويستمر الحياة بأكملها، وبينهما التوازن غير المريح بين الأخلاق والنفعية في بعض الموقف، مثل اعتقاد أحد الجنود أن التعذيب قد ينقذ حياة أشخاص، أو تقبل الخسائر المدنية من أجل تحقيق الأهداف العسكرية. هكذا كانت الحرب دومًا عالمًا غير مثالي، حيث إن أي قرار فيها يجب التعايش مع عواقبه.

عرّفني جندي البحرية السابق ماثيو موه على جملة “إصابة أخلاقية”، رغم أن الدكتور جونثان شاي كان أول من استخدم هذا المصطلح، وصاغه عام 1991، في الوقت الذي كان يعمل فيه في إدارة شؤون المحاربين القدامى.

بطبيعة الحال، نعتبر جميعًا كائنات بشرية لديها شعور بالأمور الصحيحة والخاطئة. يمكن لهذا الشعور أن يُعبث به بطرق كارثية. هناك حدود بداخلنا لا يمكن أن نتخطاها دون أن ندفع ثمنًا باهظًا. رغم أن مصطلح “إصابة أخلاقية” جديد، وخاصة خارج الدوائر العسكرية، إلا أن فكرة إصابة أخلاقنا تعتبر قديمة.

عندما يُرسل الجنود إلى أرض المعركة، يُختبر شعورهم بالأمور الصحيحة والخاطئة، وعندما يقوموا بأشياء مثل قتل شخص ما أو عدم الحديث عن جريمة حرب وقعت، فهذه الأخلاق تعاني من إصابة في جوهرها.

هناك أمثلة على هذه الظاهرة الشائعة في الثقافة الشعبية، مثل مشاهد كتاب “الأشياء التي يحملونها” للكاتب تيم أوبراين، والذي تحدث فيه عن حرب فيتنام، وغيرها من الكتب.

في إحدى الأوقات، عبّر المجتمع عن شكوكه أو أسوأ تجاه هؤلاء الأشخاص، حيث وصفوا من أظهروا أي إشارة للمعاناة بعد الحرب بأنهم جبناء أو اعتبروا أنهم يغشّون للخروج من الخدمة، لكن أخيرًا تم الاعتراف بمرض اضطراب الإجهاد الشديد، ويمكن تحديدها عن طريق اختبارات الرنين المغناطيسي.

أحيانًا يجتمع اضطراب الإجهاد الشديد مع إصابة الأخلاق. تحدث الإصابة الأخلاقية عند تقاطع علم النفس مع الروحانية، بمعنى أن كل ذلك في رأس الشخص الذي يعاني من هذا الاضطراب. في حالة الإصابة الأخلاقية، يشعر الشخص بالذنب أو الخزي، ويعتبر أنه عقوبة بسبب شيء اختاره أو قام به.

أما الاضطراب، فهو أمر جسدي، وغالبًا يكون رد مباشر على حدث ما أو شيء رآه الشخص في الحرب. بمعنى آخر، فالاضطراب رد فعل على شيء تم رؤيته، أما الإصابة الأخلاقية فتأتي بسبب القيام بشيء ما.

المدنيون أيضًا؟

لا تأتي الإصابة الأخلاقية للجنود فقط، لكنها تصيب المدنيين أيضًا. لا يُعتبر المدنيون ضحايا فقط أو أهداف، لكن أحيانًا في مواقف مُعقدة يشاركون في الحرب. قادتني هذه الحقيقة إلى لقاء عدد من اليابانيين القدامى، الذين مروا بهذه التجربة في الحرب العالمية الثانية حين كانوا أطفالًا، ووصفوا الخيارات المرعبة التي واجهوها في سنهم الصغير. في هذه المرحلة، كانت محاولة النجاة تعتمد على القيام بأشياء قاتمة، لا يتم نسيانها بمرور الزمن.

أحيانًا عند حديثي معهم، كنت أشعر أن الجروح النفسية العالقة منذ توقيت الحرب لن تنتهي قبل انتهاء المعاناة. هكذا تحولت الإصابة الأخلاقية إلى دين لا يمكن سداده أبدًا.

دفع هؤلاء الناجون في نهاية الحرب باليابان ثمن نجاتهم، بمعرفتهم ما حدث لمن لم ينجوا. في مشهد الحرب، عدم مشاركتك في شيء ما لا يعفيك من المسؤولية أيضًا، مثل أن تخفي أم طعامًا ومياه لأبنائها، في الوقت الذي كان يمكن لهذا الطعام أن ينقذ شخص ما، أو إطعام ابن وترك الآخر ما يتسبب في موته. في هذه السن الصغيرة، كان مستحيلًا معرفة أنك مسؤول عن مقتل أخيك أو أختك، لكن بعد سبعين عامًا، وعند التفكير في الأمر يصحبك شعور بالذنب.

ماذا يمكن أن يكون علاج مثل هذا الشعور؟

بالطبع هناك ما قد يبدو حلًا، مثل شرب الكحوليات، وهو ما لا يُعتبر حلًا بالفعل، لكن من يعانون يعلمون أن مثل هذه المواد تخلصك من الألم لحظات لتعود في لحظات أخرى. بالتالي فشرب الخمور والمخدرات ما هي إلا طريقة مؤقتة لمسح ساعات من الألم.

للأسف، يعد الانتحار أحد نتائج الإصابة الأخلاقية، حيث أخبرني أحد الجنود أنه لم يسامح جاره الذي اقنعه بالعدول عن الانتحار، بينما قال شخص آخر إن السؤال لا يكمن في لماذا لا يقوم مثل هذا الشخص بالانتحار؟ ولكن لماذا لم ينتحر؟

قالت إدارة شؤون المحاربين القدامى إن هناك 20 جنديًا سابقًا ينتحر يوميًا. هذا رقم مرعب. حوالي 65% من هذا العدد هم أشخاص تعدوا الخمسين عامًا أو أكبر، ولم يتعرضوا لحروب القرن الحادي والعشرين. لا يتتبع أحد سجل انتحار المدنيين الذين نجوا من الحرب، لكن بالتأكيد هناك نسبة عالية.

بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من الإصابة الأخلاقية، هناك تحركات تُجرى من أجلهم. على سبيل المثال، اعترفت إدارة شؤون المحاربين القدامى بالإصابة الأخلاقية وآثارها. عام 2014، أنشأت جامعة سيراكيوز برنامجًا لجمع المحاربين القدامى والأطباء؛ لإيجاد طريقة للتعامل مع شعورهم. في الوقت ذاته، يحاول علماء النفس تطوير أدوات تشخيص للمرض؛ حتى يستطيعوا القيام بما يُطلق البعض عليه “إصلاح الروح”.

قال ماثيو هوه إنه من الصعب إقناع المحاربين القدامى بأنهم أبطال وفق المنظور الأمريكي الحديث.

يحاول بعض الأشخاص، الذين يعانون من الإصابة الأخلاقية، التعامل معه عن طريق طلب العفو. على سبيل المثال، سافرت الصحفية ليزا لينج إلى أفغانستان؛ لمعرفة ما سببه برنامج الطائرات بدون طيار، الذي شاركت فيه وتسبب في قتل الآلاف. ما فاجأها أن أهالي الضحايا أخبروها بأنهم يسامحونها عند مقابلتها. أكدت لينج أنها لم تطلب السماح لأنها تعلم أن ما فعلته وما شاركت به لا يمكن مسامحته.

يحتاج القتل عن بُعد الكثير من الأشخاص. ما فعلته لينج هو المشاركة في قاعدة البيانات وشبكات تكنولوجيا المعلومات. درس المحللون المعلومات القادمة من قاعدة البيانات لاختيار من سيتم استهدافه.

أضافت لينج أنها أمضت الكثير من الوقت في أرض المهمة أو في جلسات الإحاطة، وهناك رأت وسمعت الكثير من الأشياء المدمرة أو الأكاذيب، موضحة أن ربط أفعالها بأحداث محددة يعتبر أمرًا مستحيلًا بسبب المسؤولية المشتركة بين أكثر من فرد.

هناك طريقة أخرى للمرضى، عن طريق محاولة إعادة التوازن الداخلي بإجراء بعض التعديلات. بمعنى أنه في بعض حالات الإصابة الأخلاقية يتم رسم خط فاصل بين ما كان عليه الشخص وما أصبح عليه الآن.

على سبيل المثال، كان قرار تشيلسي ماننج بتسريب فيديو لمقتل المدنيين على أيدي أعضاء من الجيش الأمريكي هو محاولتها إجراء تعديل داخلي؛ بسبب شعورها بالذنب لصمتها بعد مشاهدتها جرائم الحرب. من بين الأشياء التي رأتها كانت الغارة الأمريكية على منشأة طباعة، التي قيل إنها تابعة لداعش إلا أنها لم تكن كذلك.

بالتالي، فالأشخاص مثلي ومثل ماننج، وحديثنا عما رأيناه كان نابعًا عن ضميرنا الذي أدرك أننا كنا جزءًا من شيء خاطئ. قال جوناث شاي إن انهيار الأخلاق لا يجب أن يكون متعلقًا فقط بشخص مفرد، حيث يمكن أن يمتد إلى رؤية خيانة شخص مسؤول للأشياء الصحيحة.

هذا الجزء من إصابة الأخلاق يمكن أن يشرح موقف “إدوارد سنودن”، الذي تحدث عن أسباب تسريباته وأثار أسئلة عن الأمور الصحيحة والخاطئة عندما يكون الأمر متعلقًا بمسؤولين كبار في الحكومة الأمريكية.

بالتالي يجب توجيه أحد التساؤلات لسنودن مثل: كم الخزي والذنب الذي شعر به لكونه جزءًا في برنامج الدولة للمراقبة؟ ولأي درجة كان قراره بتسريب ما حدث مرتبطًا بشعوره بالذنب ورغبته في التخلص من هذا الشعور؟

في النهاية، يهدف كل الذين يعانون من إصابة الأخلاق إلى نفس الشيء، وهو إعادة الأجزاء الجيدة، وتقبل ما قام به الشخص أو شارك فيه.

سألني أحد الاطباء عند عودتي من العراق في 2010: “هل تقصد أزمة طائرة فيتنام؟” في إشارة إلى رد فعل المحاربين القدامى على صوت الطائرة المروحية، التي أعادتهم إلى الأدغال. كان ردي هو أن الأمر أعمق من ذلك. أخبرته القليل عن دوري المخزي في إدارة مشاريع إعادة البناء في العراق، وكيف تسببت في النهاية في معاقرتي للفودكا للتخلص من الشعور بالذنب.

كانت هذه تجربتي الشخصية مع الإصابة الروحية، حيث فشلت في القيام بأي شيء جيد كنت أرغب في القيام به، وشعرت بالخذلان من القادة الذين آمنت بهم من قبل.

لذا ما هو ثمن انتحار جندي بعد عودته من الحرب بسنوات؟ أو شخص آخر متواجد في مكان ما ولكن عقله في مكان آخر؟ ثمن الحرب أصعب من أن يتم حسابه. في الوقت الذي تستمر فيه الحروب تستمر التكلفة، سواء المادية أو النفسية أو عدد القتلى، في التراكم. إذًا، من يدفع الثمن؟

المصدر

النقاش — تعليق واحد

  • عبدالله ناصر مايو 20, 2017 on 10:06 م

    يدفع ثمن الحروب البقرة الحلوب!

    Reply

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات