من الحداثة الصلبة إلى الحداثة السائلة.. مداخل لفكر زيجمونت باومان

حمزة ياسين- التقرير

“لم يعد بوسعنا أن نطيق أي شيء يدوم، لم نعد نعلم كيف يمكننا أن نفيد من الملل”..

بهذه الكلمات لبول فاليري يستهل زيجمونت باومان كتابه عن الحداثة السائلة، وهو استهلال له دلالة في سياق ما يريد أن يقوله باومان في هذا الكتاب، وهو أن العالم يتجه نحو مزيد من السرعة والميوعة والتبدل المستمر إلى حد غير من طبيعة الإنسان المعاصر الذي لم يعد يحتمل أشكال الثبات والديمومة، وهو إنسان الحداثة السائلة الذي يحاول باومان أن يحللها في هذا الكتاب.

ويأتي هذا لكتاب ضمن سلسلة عملت الشبكة العربية للأبحاث والنشر على ترجمتها، وهناك تكملة لها بكتاب الحب السائل والحياة السائلة وغيرها.. وقد استمت كتابات باومان بالنقدية لنمط الحياة المعاصر، وعلى نحو يرصد التحولات الأخيرة في الحداثة والتي لم تلحقها النظرية النقدية.

يستعمل باومان كلمة “سائل” بالاستعارة من طبيعة المواد الفيزيائية، فالمواد السائلة تتميز عن المواد الصلبة بعدم قدرتها على الاحتفاظ بقوى التماسك بين مكوناتها في حالة السكون، وفي أنها لا يمكن أن تحتفظ بشكلها بسهولة. بمعنى أنها لا تحتفظ بشكل محدد لفترة طويلة من الزمن، وتكون دائماً على استعداد إلى تغييره بحسب جريان الزمن، وذلك على عكس المواد الصلبة التي تأخذ أبعاداً مكانية واضحة، لكنها تحيد التأثيرات الخارجية، مما يقلل من أهمية الزمن والتغير.

وفي حين تحرك المواد السائلة بسهولة، وتخرج سالمة عندما تلتقي المواد الصلبة؛ تؤثر المواد السائلة على الصلبة عندما تلتقيها، فإنها تتعرض للتغير، أو تصير رطبة أو منتقعة.

ومن هذه الاستعارة، يصف باومان مسار الحداثة باعتباره عملية إذابة لكل ما هو صلب، وهو ما تجلى في دعوات التحرر من الماضي المستبد، والتنصل من الدين والمقدس، وتحطيم وتجاوز العادات والتقاليد والولاءات التي تثقل كاهل الفرد. وهذا التغير لم يلغيِ وجود مواد صلبة، فقد كان يهدف إلى إظهار مواد صلبة جديدة معدلة بديلة عن المواد الصلبة القديمة الناقصة.

فقد كان الدخول في الحداثة وبناء نظام جديد يستوجب إذابة المواد الصلبة التي تقف في طريق الحساب العقلاني للنتائج، وهو عبر عنه ماكس فيبر بقوله “تحرير المبادرة والإقدام من قيود الواجبات العائلية ومن النسيج الكثيف الذي يميز الالتزامات الأخلاقية”.

ويقتضي ذلك تحرير عملية التبادل المالي والمادي بين البشر من أسر العلاقات الاجتماعية التقليدية، وإبدالها بالمعايير العقلانية والاقتصادية. وقد تجلى هذا في الفصل التدريجي للاقتصاد عن تشابكاته الثقافية والأخلاقية والسياسية، وتأسيس نظام جديد يتحدد بلغة الاقتصاد. وهو نتاج تحرير السوق والأفكار الليبرالية عن تحرير الفرد.

لكن المواد الصلبة التي أحلتها الحداثة قد تعرضت بدورها إلى موجة من السيولة غيّر من معالمها الأصلية على نحو أفقدها قيم الثبات والثقل التي كانت تتسم بها. وهو ما يرصده هذا الكتاب في مسارات متعددة.

لكن يبدو أن هذه التغيرات التي كانت لها آثار سلبية على الفرد والمجتمع لم تحظ بالنقد والسعي نحو التجاوز، فيعتبر باومان أن مشكلة المجتمع المعاصر هو أنه توقف عن مسائلة نفسه، وكأنه لم يعد يجد أي بديل عن نفسه، وهذا لا يعني أنه توقف عن النقد، لكن النقد الموجه عاجز عن تفعيل نفسه وتطبيقه على الواقع، فبالرغم من الحرية المتاحة في هذا المجتمع، إلا أنه يصاحبها عجز غير مسبوق بتعبير ليفي شتراوس.

فالنقد الذي يتلقاه المجتمع لا يُأخذ به، أو ربما يُسمح ببقاءه من دون أن يتاح له التأثير في بنية النظام. وحتى من يمارس النقد أو الشكوى على طبيعة هذا النظام، قد لا يصل في نقده إلى مرحلة الوعي بوجود خلل في الفلسفة التي يقوم عليها.

الحداثة السائلة وانتشار الفردانية

تتجلى الحداثة السائلة التي أذابت الحداثة الصلبة في سمتين تجعلان واقعها مختلفاً وجديداً، الأولى هي الانهيار السريع للوهم الذي وسم صدر الحداثة، “أي انهيار الإيمان بأن ثمة نهاية للطريق الذي نسير فيه، وغاية كبرى للتغير التاريخي يمكن تحقيقها، وحالة من الكمال يمكن الوصول إليها غداً”. والسمة الثانية هي نزع الضوابط الحاكمة وخصخصة الواجبات والمهام التحديثية. فقد أسندت هذه المهام إلى الفرد بشجاعته وقدرة احتماله، وتركت له القدرة على تصريف أموره وموارده، في حين كانت هذه المهمات في السابق موكولة للملكة الجماعية للمجتمع.

وهنا تأتي فكرة مركزية عند تصور باومان عن الحداثة السائلة، فهو يعتبر أن عملية تشكيل أعضاء المجتمع في صورة أفراد هو سمة المجتمع الحديث، وهو مسار يتم تأكيده وتجدد كل يوم، فمسار “التفريد” يتخذ أشكالاً جديدة على الدوام، وهذا المسار يجعل من الهوية البشرية مهمة مستمرة تضطلع بها مسؤولية الفرد وتحمل تبعاتها، “فالحداثة تستبدل قيم التبعية المحددة للمكانة الاجتماعية بحرية الإرادة وتقرير المصير الواجب الذي يُلزم صاحبه”.

ولكن يقف مسار التفريد على طرف معارض للنزعة الجمعية والهموم المشتركة، فمسار التفريد يقتضي تحويل مسألة الهموم والمهمات والمسؤوليات نحو الفرد، مما يجعل المشتركة للأفراد الذين يجمع القدر بينهم ليس جمعية بل فردية، فهذه الهموم ليست قابلة للجمع في قضية مشتركة ومتماسكة.

وهنا يذكر باومان تنبؤ دو توكفيل حول مسار تحرير الفرد، وهو أن “تحرير الناس ربما يجعلهم في حالة من اللامبالاة، فالرد هو ألد أعداء المواطن. ذلك لأن المواطن شخص يميل إلى البحث عن رفاهيته عبر رفاهية المدينة، بينما يميل الفرد إلى اللامبالاة والشك في “القضية المشتركة” و”المصلحة العامة”.

ويختصر باومان هذا الإشكال بالقول: “يبدو أن الوجه الآخر لسيرورة النزعة الفردية إنما هو تآكل المواطنة وتفككها البطيء”.

وبسبب هذا المسار الذي يجعل الفرد مهتماً بشؤون ذاته الخاصة عوضاً عن العامة، يحدث أن يستعمر الفصاء الخاص الفضاء العام والمصلحة العامة، لذا يغدو الفضاء العام مليئاً بقصص الحياة الشخصية للشخصيات العامة ونشر وإذاعة الأمور الخاصة والاعترافات الشاعرية. مما يجعل الفضاء العام خلواً من القضايا العامة والحوار بشأنها.

كما غيرت الفردنة مسار وفكرة التقدم، ففي حين كان التقدم ومساره مشمولاً على المجتمع أو الدولة، أي على كيان اجتماعي ما، تمت خصخصة التقدم واخضاعه لسيرورة النزعة الفردية، أي خضع للخصخصة، فقد أصبح التقدم مشروعاً فرديا موكولاً له، “فالأفراد الذين يعتمدون على أنفسهم هم من يتوقع منهم أن يستخدموا – كل واحد على حدة- دهاءهم وشطارتهم ومجهودهم حتى يرفعوا أنفسهم إلى وضع أفضل”.

وفي تعبير دقيق للمفكر السوسيولوجي آلان تورين حول ما آلت إليه المجتمعات المعاصرة، يقول أن هذه الخالة تنذر “بنهاية تعريف الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً، يستمد تعريفه من مكانه في المجتمع الذي يحدد سلوكه أو فعله”.

المجتمع الاستهلاكي وكثرة الفرص

يتسم المجتمع الاستهلاكي الذي تعزز وتضخم مع الرأسمالية ومسار التفريد مع الحداثة بكرة الفرص، فهناك فرص وخيارات كبيرة أمام الفرد في هذا المجتمع، كثرة الفرص والخيارات يؤثر سلباً على الفرد من عجة نواحي، فهو يُدخله في حالة من عدم الإنتهاء وعدم الاكتمال اللايقين، ومحفوفاً بالقلق جراء عدم تحققه باللذة الخالصة التي يرجوها. “فالبؤس الذي يعانيه المستهلكون مرجعه الكثرة المفرطة للخيارات لا قلتها” فالسؤال الذي يشغل المستهلك هو: “هل استخدمت وسائلي في خدمة مصلحتي على أكمل وجه وأحسنه؟”

هئا الواقع يفرض منطق السرعة على حركة المستهلك، “ففي عالم يتسع فيه نطاق الغايات اتساعاً لا يبعث على الراحة ويفوق دوماً الوسائل المتاحة، فإن معدل سرعة الوسيلة وفاعليتها هو ما يستدعي العناية والاهتمام. ويكاد هذا النمط يفرض نفسه على مختلف مناحي الحياة في المجتمع بحكم تضخم السوق وتوغله. ولا تندرج الأشياء فقط تحت بند التسوق، فالبحث النهم عن نماذج ووصفات معدلة للحياة هو نوع من التسوق أيضاً.

يتحول هذا السعي النهم نحو التسوق أياً كان شكله إلى نوع من الإدمان، فالإدمان هو وسيلة لإطفاء غليل العطش نحو شيء ما، لكنها تجمر أية إمكانية مستقبلية للإشباع والارتواء، ولذا بدلاً من أن تكون الرغبة لشيء ما موجهة نحو موضوع ما، تصبح الرغبة في حالة الإدمان موضوع نفسها بحيث تستمد حركتها من داخلها.

ولكن هذا النوع من الإدمان يخفي دوافع خفية، فعندما يجري الناس وراء السوق ومختلف تجليات المجتمع الاستهلاكي، فإنهم يحاولون -كما يقول باومان- “أن يفروا من الهم والكرب الذي يسمى عدم الأمان.. وأن يتحرروا من مخاوف الخطأ أو التهاون والإهمال.. وأن يكونوا واثقين بأنسهم ومطمئنين”.

من الرأسمالية الثقيلة إلى الرأسمالية الخفيفة

عبرت الحداثة الصلبة عن نفسها في مرحلة الرأسمالية الثقيلة التي تجلت في المصانع المحصنة وأماكن العمل الثقيلة والثابتة، وقد كانت الفوردية أبرز تجلي لهذا الثقل، وهنا كان كل من رأس المال والإدارة والعمل مرتبطين معاً إلى أجل طويل في المستقبل، ثابتين على الأرض في مباني صناعية ضخمة وأيدي عاملة هائلة. يعلق باومان على هذه اللحظة بالقول بأن الرأسمالية الثقيلة كاننت مهووسة بالحجم والضخامة ووضع الحدود والأنظمة.

ولكن مع الحداثة السائلة تخفف رأس المال من أحماله، وبات يمكن حمله في جهاز الحاسب أو على الهاتف المحمول حتى، وبات العمل يتخفف من الحدود المكانية والزمانية.

يقيد الزمن المنضبط العمال بأرض المصنع، بينما يقيد رأس المال العما المقيدين دوماً بأرض المصنع، ولكن الأمر تغير مع قدوم رأسمالية المعلومات والحداثة الخفيفة، فهذه الأخيرة تتسم بغياب وحود بُنى دائمة، وبإمكانية قطع المسافات من دون وقت. وانقلبت المعادلة مع هذا النمط من الخفة، ” فمن يتحركون ويتصرفون أسرع من غيرهم، ومن هم أقرب إلى لحظية الحركة، هم الآن الحاكمون، أما المحكومون فهم من لا يستطيعون الحركة بسرعة”.

وهنا يعبر باومان عن مسار الحداثة باعتباره تاريخاً للزمن، وباعتباره تحكم جديد بالزمن تنتصر فيه السرعة على البطء بفضل التطور التقني والعلمي المتسارع.

ويعبر التحول من الرأسمالية الثقيلة إلى الرأسمالية الخفيفة تغيراً في عقلية معينة في التفكير، فقد حلت عقلية “قصير الأمد” محل عقلية “طويل الأمد”، “فالمرونة هي شعار اليوم، وعند تطبيقها على سوق العمل، فإنها تنذر بنهاية فكرة الوظيفة كما نعرفها، وإعلان مجيء العمل في صورة عقود قصيرة الأجل، وعقود متجددة، أو لا عقود”، وهو يعبر عن تحول الحياة المهنية إلى حالة يسودها اللايقين.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات