مكتوب.. محاولة إسرائيلية من أجل التعمق في الأدب العربي

ميديل إيست آي – التقرير

تجمهرت الجماهير في مساء يوم ممطر، في منتصف شهر فبراير، بمعهد “فان لير” للاستماع إلى الكلمات التي ألقاها الكاتب الفلسطيني الراحل “سلمان ناطور”. حيث تبادل العرب واليهود المحادثات، ذهابًا وإيابًا، عبر القاعة المزدحمة؛ متداولين لأقواله في جميع أرجائها، ليس فقط بلغته الأم العربية، وإنما تم ترجمة كتاباته وأشهر مقولاته للغة العبرية أيضًا.

تزاحم المستمعون وتسابقوا على مقاعد القاعة بالمعهد التي أقيم بها هذا الحدث الجلي، لدرجة تزاحمهم بالممرات أيضًا، يستمعون وكلهم آذان صاغية لكل ما يُقال، مما رسم مشهدًا مبهجًا من التعددية لا نراه سوى نادرًا في بلدٍ مقسمة ثقافيًا؛ فتجد الشباب الفلسطيني يجلس جنبًا إلى جنب مع يهود إسرائيل، بينما جمع المشهد أيضًا صفًا من نساء الدروز الأكبر سنًا؛ مرتدين للحجاب الأبيض الفضفاض ليندمجوا وسط الحشد المهول.

تم تنظيم هذا الحدث من خلال “مؤسسة مكتوب” في مبادرة منها لترجمة ونشر الأدب العربي؛ احتفاءً بأولى منشوراتها في ثلاثية تسمي “السير على الريح” ولتمثل بذلك إحياء لذكرى موت سلمان ناطور. عقدت هذه الاحتفالية بمرور الذكرى السنوية الأولى لوفاة ناطور بعد أن أصيب بنوبة قلبية في 15 من شهر فبراير من العام 2016 عن عمرٍ يناهز الـ 66.

تغيير مفاهيم موروثة

تهتم مؤسسة “مكتوب” بالتركيز على ترجمة الأدب العربي إلى اللغة العبرية، فاللغة العبرية غير متداخلة في مثل هذا المجال. بينما يهتم الدكتور يوناتان مندل، أحد مؤسسي مؤسسة مكتوب، بالتركيز في أبحاثه على أهمية تواجد اللغة العربية ما بين اليهود.

فاهتم “مندل” بالإشارة إلى اقتصار مهنة الصحافة المهتمة بالشئون العربية معظمها في إسرائيل على عنصر الرجل اليهودي وخاصة من لهم مرجعية أمنية أو عسكرية استخبراتية؛ قائلا: “تتمحور أكبر مشكلة هنا حول ما يريد اليهود معرفته عن العالم العربي وما لا يهتمون بمعرفته عنه. فالجميع يعلم أن الإسرائيلين يهتمون فقط بإرسال اليهود إلى العالم العربي ليعودوا لهم بمعلومات تقتصر على التأكيد على ما يعلموه سالفًا عن العالم العربي؛ عن كونه مكانًا يكتظ بالإرهاب، ويتأجج بالخوف والكراهية تجاههم.”

تهدف مؤسسة مكتوب إلى تغيير هذه الروايات السلبية المنتشرة والمشاعة عن العالم العربي في جميع وسائل الإعلام الإسرائيلي وفي ما بين سطور مناهجها التعليمية. حيث يتمحور هدف المؤسسة الأساسي على تسليط الضوء على الأصوات العربية الحرة فتتحرر من القيود المفروضة عليها وتبتعد عن الرقابة والإشراف العسكري لتنجح في الوصول إلى القراء العبريين.

السير على الريح

يعد سلمان ناطور أشهر من حاولوا التوسط ما بين الثقافتين واللغتين، التي تعكف مؤسسة مكتوب على توحيدهما. فقد كان كاتبًا ومؤلفًا مسرحيًا، ومحررًا ومترجمًا، خسره العالم العربي آسفًا ليعم الحزن في جميع أنحائه.

ولكن إحقاقًا للحق لم تنبع فكرة ثلاثية “السير على الريح” من البداية من وحي أفكار ناطور، وإنما نبعت الفكرة من الأساس لتكون نتاج فريق عمل مؤسسة مكتوب كله، حيث تم تجميع ثلاثة من أعمال ناطور تدور أحداثها حول أهمية الوطن والذاكرة الفلسطينية، موضحًا رحلة الفلسطينيين المرهقة والتي فشل القراء العبريين في المرور بها.

ثم أضاف منديل قائلًا: “يحاول سلمان، من خلال أعماله، تقديم وصف للنظراء الفلسطينيين بالتعبير عنهم عن طريق كلماته الخاصة به. وليس بمجرد كونه وسيطًا ما بين اللغتين، وهو ما تدور حوله فكرة مؤسسة مكتوب عامًا.”

قام منديل بقراءة مقاطع من الثلاثية أمام الجموع المحتشدة باللغة العربية، بينما قامت زوجة ناطور، ندى، بفك الرموز النثرية التي كتبها زوجها الراحل مترجمة للعبرية الحديثة. وأثناء احتسائه للقهوة بعد انتهاء الحدث، أفصح منديل عن أن مثل هذه الخطة لم تكن خطة مؤسسة مكتوب الأصلية قائلا: “م نكن نخطط أن تبدأ مؤسسة مكتوب مشوارها بكتاب سلمان، ولكنه لم يترك لنا أي خيار بعد موته، فنحن مديونين له بذلك.”

هذا وقد قامت إيناس ناطور، إحدى أبناء ناطور الأربعة، بشرح كيفية تشكل وجهة نظر والدها بسبب هويته الدرزية، خاصةً وأنه ولد في عام 1949، بعد مرور عام على قيام دولة إسرائيل وهي فتره يطلق عليها الشعب الفلسطيني بالنكبة.

“كان والدي متقبلا لجميع أطياف الناس، متفهمًا لأفكارهم، ولكنه كان مثاليًا للغاية”. وأشارة إيناس إلى هويته الجامعة ما بين الفلسطينية والعربية والدرزية، قائلةً: “أكد أبانا كثيرًا على أننا سنقابله مرة أخرى بعد مماته؛ في كتبه وما خلده من ورائه من كتاباته، وها قد قابلناه بالفعل من جديد.”

تعريف العالم العربي على الأرفف العبرية

“مكتوب” في اللغة العربية تشير حرفيًا إلى ما يكتب على الورق، وهو ما فسره منديل قائلا: “قدرنا ومصيرنا في الحياة مكتوب بالفعل ومؤرخ. فإذا استطعنا قراءة الأدب العربي وتعرفنا أكثر على العالم العربي، من الممكن أن نكون بديلًا للأصوات العالية الداعية للعنصرية في إسرائيل ضد العرب، في محاولة منا للتواصل مع الجمهور الإسرائيلي لكشف حقيقة مهمة غائبة عنهم، فالعالم العربي لا يعج بالإرهابيين، ولكنه عالم مليء بالبشر.”

يمثل معهد “فان لير” المركز الحاضن للأفكار الثقافية المتمركزة في قلب مدينة القدس، داعمًا للعديد من المشاريع والأبحاث الخاصة بالعلوم الإنسانية، ويهتم بالتركيز على دراسة المجتمع المدني الإسرائيلي. وفي خلال الثلاثة أعوام الماضية، اعتبر موطنًا يجمع ما بين المترجمين والدارسين الفلسطينيين واليهود، وهو ما انبثقت منه مؤسسة مكتوب.

البحث عن جمهور

لا تعتبر بالطبع مؤسسة مكتوب أول مبادرة لنشر الثقافة العربية تحاول اللجوء إلى هذه النوعية من الترجمات. إلا أنها وبدعم المعهد الأوروبي ومحيط البحر المتوسط الداعم للحوار بين الحضارات، حظيت على دعمٍ دولي فريد من نوعه ساعدها على الاستمرار في عملها.

فقد نجحت دار “مفراس” بالقدس منذ عام 1978 وحتى عام 1993، في نشر 9 ترجمات عبرية للأدب العربي. إلا أن أشهر الترجمات العبرية هي دور النشر المتمركزة في تل أبيب مثل دور نشر الأندلس، والتي بدأت في نشر أعمالها العربية باللغة العبرية منذ عام 2000.

حيث نجحت الأندلس في تبني أسامي عديدة واعدة لكتاب وشعراء مثل محمود درويس، وإلياس الخوري، وحنان الشيخ، وآخرين؛ لتنشر بذلك 18 عملا مترجما قبل أن تجبر على الإغلاق بعد مرور عقد من الزمان. والسبب المعروف من غلقها؟ أنها فشلت في بيع أعمال كافية!

كشفت إحدى استطلاعات الرأي عن الوجود العربي ما بين اليهود الإسرائيليين، التي تم نشرها في العام الماضي، عن أن أقل من 1 % من اليهودي الإسرائيلي فقط قادر على قراءة الأدب العربي وأن من يقومون بالفعل بذلك يصل إلى صفر من المئة.

وعندما استفسرنا ممن عبروا عن عدم استخدامهم للغة العربية، حصلنا على العديد من الإجابات التي تدور حول عدم شعورهم بالحاجة لاستخدامها لأن الجميع يتحدثون اللغة العبرية، أو لأنهم لا يحبون اللغة العربية أو بأنهم لا يشعرون بالراحة التامة لاستخدامها أو الوجود في محيط توجد فيه، ولكن يرجع الأمر في حقيقة الأمر إلى أنهم لا يعيشون في إسرائيل وسط أشخاص يتحدثون اللغة العربية. فلا يوجد الكثير ممن يستطيعون قراءة اللغة العربية، أو قراءة كتاب باللغة العربية، أو استخدامها لإرسال خطاب ما في إسرائيل، وبذلك، من الصعب معرفة حقيقة العالم العربي أو الثقافة العربية.

ولذلك يعتبر العديد من الناس أن مؤسسة مكتوب هي الخطوة الأولى لتبدأ إسرائيل في التعرف على العالم العربي الغني بالثقافة والزاخر بالتاريخ ودهاليز السياسة، فلا يقتصر عالمه على الأدب فقط.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات