“مقدمة الكتاب الأول للفائز بنوبل والزاهد بها “بوب ديلان

سلمى هشام فتحي – التقرير

في خريف 1966، كنا نستعد لنشر “الكتاب الأول” لـ”بوب ديلان”، وكانت دور النشر الأخرى تحسدنا على ذلك وتقول: “سوف يبيع هذا الكتاب كثيرًا”، دون أن تعرف حتى محتوى الكتاب، لكن اسم “بوب ديلان” كان سحريًا وقتها. “إضافة إلى ذلك، فقد باع “جون لينون” نسخًا كثيرة من كتابه، أما ذلك الخاص بـ”ديلان” فربما يبيع ضعف العدد أو أكثر”، لم تكن تلك الدور تهتم بالمحتوى.

وكان “بوب” يمر على مكتبنا بين الحين والآخر، فقد كان من الصعب عليه التحرك في وضح النهار في ذلك الزمن، حتى ليصل إلى مكتبنا القديم بين الشارع 12 والجادة الخامسة، وهو مبنى عظيم درجه من الرخام، وتغطي جدرانه السميكة صور ولوحات لأناس مثل “وليام بتلر ييتس”، الذي نشرنا أول كتبه، في الواقع نشرنا كل كتبه.

وفي يوم، دخل “بوب” المكتب وقررت موظفة الاستقبال وراء المكتب الكبير المصنوع من خشب البلوط ألا تهتم لشهرته، واتصلت هاتفيًا لمعرفة ما إذا كان مسموحًا له بالدخول.. بدا الأمر مضحكًا وقتها، لأن أماكن قليلة جداً كان لا يسمح له بالدخول إليها، كان يتوجه إلى أي مكان فينظر إليه الناس ويتهامسون ويتحركون إلى الخلف، ومعظمهم يعتقدون أنه من غير اللائق الاقتراب منه ومضايقته، الحقيقة أنهم لم يكونوا يعرفون ما يقولون له على أي حال. تحدثنا في ذلك اليوم عن كتابه، وتصوراته بشأنه، وكيف أراده أن يبدو، وما أراد أن يطلق عليه.

1

كنا نعرف فقط أنه عمل “في طور الكتابة”، أول كتاب لشاعر غنائي شاب، وهو صبي خجول اشتهر بسرعة يكتب الشعر في بعض الأحيان، ولديه أثر غريب على كثير من الناس.

لم نكن متأكدين تمامًا من أهمية الكتاب، باستثناء كونه مصدرًا جيدًا للمال، ولم نكن نعرف ماذا كان ينتوي “بوب”، لكننا كنا نعلم فقط أن الناشرين الجيدين يتركون المساحة للمؤلفين للتعبير عن أنفسهم. وفي هذا الشأن يتحدث الشاعر الأمريكي “روبرت لويل” عن “العمل الحر على حافة السكين”، فكنا نظن “بوب ديلان” يقوم بشيء مشابه. عملنا على وضع تصميم للكتاب أعجبنا ونال استحسان “بوب” أيضًا، فاستقرينا على اختياره. كما طبعنا بعض الدبابيس الدعائية وأكياس التسوق، وطبعنا عليها صورة “بوب” وعنوان الكتاب Tarantula “العنكبوت الذئبي”، وقد فعلنا ذلك لأننا أردنا لفت انتباه الجميع إلى أن “بوب ديلان” سينشر كتابًا.

كنا نرغب في مساعدة مجلات “لايف” و”لوك” وجريدة “النيويورك تايمز” ومجلتي “تايم” و”نيوزويك” وسائر المطبوعات المهتمة بـ”بوب”، ثم قدمنا مجموعة من النسخ الاختبارية له، حتى يلقي نظرة جيدة أخيرة عليها قبل طباعتها وجمعها في ملازم وتلقي  طلبات الشراء. كنا في شهر حزيران/يونيو، وأخذ “بوب” ساعتها استراحة من بعض عمليات المونتاج، التي كان يقوم بها. تحدثنا قليلاً عن الكتاب وعن المؤلف الموسيقي الفرنسي العظيم “رامو”، ومواطنه الشاعر “رامبو”، ووعد “بوب” بالانتهاء من “إجراء بعض التعديلات” في غضون أسبوعين.

بعد ذلك الاجتماع ببضعة أيام، توقف “بوب” عن العمل حين أعاقه حادث دراجة نارية وأجبره على التوقف عن العمل.. كان يمكن أن يصدر الكتاب بالشكل الذي كان عليه، لكننا لم نتمكن من القيام بذلك ولم يرغب “بوب” بذلك أيضًا، وهو لم يكن مستعدًا بعد لـ”إجراء التعديلات”. كان هذا هو الوضع في تلك الآونة ومر الوقت حتى انتهى العام وأصاب البعض غضبًا شديدًا وتساءلوا أين الكتاب؟ كان “بوب” وعد بالكتاب، كذلك شركة “ماكميلان”. بل لقد اُنتجت الدبابيس وأكياس التسوق بالفعل، واختطف الناس ما كان متبقي منها في المستودع، لأنها كانت تحمل صورة “بوب”، وربما صورته أفضل حتى من كتابه.

CULVER CITY, CA - JUNE 11: Musician Bob Dylan performs onstage during the 37th AFI Life Achievement Award: A Tribute to Michael Douglas at Sony Pictures on June 11, 2009 in Culver City, California. (Photo by Kevin Winter/Getty Images for AFI) Original Filename: 88445476.jpg

تواجدت كمية صغيرة من النسخ الاختبارية، التي حصل عليها البعض ليكتبوا عروضًا أولية للكتاب على صفحات الجرائد، إذ نطبع هذه النسخ لكل الكتب التي نصدرها، وتكون أوراقها في بعض الأحيان غير مربوطة وفي أحيان أخرى توضع في ملزمة حلزونية.

مر المزيد من الوقت، وكان لا يزال هناك العديد من الأشخاص الذين يتحدثون عن الكتاب ويتساءلون عن موعد إصداره، لكن ذلك لم يكن ممكنًا، إلا أذا أراد “بوب” ذلك، وهو ما لم يكن يرده، إلا أن مرور المزيد من الوقت جعل البعض يزداد فضولاً وغضبًا.

قالوا إنه لم يكن مهمًا أنه مؤلف العمل، ولم يكن مهمًا ما يريد، ما الحق الذي يملكه على أي حال ليقرر متى يصدر الكتاب، لذا تمكّن البعض من الحصول على النسخ الاختبارية وطبعوا نسخًا عن النسخ، وباعت تلك أكثر من الدبابيس. وحين لاحظت بعض الصحف ذلك، قررت طباعة أجزاء من الكتاب وعروض طويلة وتخمينات ونقدًا سلبيًا. لم يروق ذلك لـ”بوب” أو لدار النشر، نعرف أن للفنان الحق في اتخاذ القرارات الخاصة بشأن ما يحدث لإنتاجه، وعلى الناشر أن يدافع عن هذا الحق ولا يخرقه.

يجب أن يعرف الجميع ذلك. فأنت لا تأخذ ما لا تملكه، والشيء الوحيد الذي نملكه حقًا هو عملنا، فالشعراء والكتاب يخبروننا بما نشعر به، عن طريق التعبير عن مشاعرهم، ويجدون السبل للتعبير عما لا يمكن وصفه ويقولون الحقيقة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يكذبون حتى لا تنفطر قلوبنا.

كان “بوب” دائمًا سابقًا لعصره، يعمل بطرق من الصعب فهمها. ولا يبدو ما كتبه في كتابه Tarantula “العنكبوت الذئبي” صعب الفهم الآن، فالناس تتغير وتغيير مشاعرهم، لكن كتاب “بوب ديلان” لم يتغير. يريد “بوب” أن ينشره الآن، لذا فقد حان الوقت لنشره. بين أيديكم الكتاب الأول لـ”بوب ديلان”، بالهيئة التي أراده عليها.

دار نشر وشركة ماكميلان

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات