أوزوريس.. رحلة آثار مصر الغارقة من أعماق بحر الإسكندرية إلى عواصم أوروبا

المونيتور – التقرير

تحت أعماق بحر الإسكندريّة، تاريخ غارق تتحدّث عنه آثار عمرها يتعدّى آلاف الأعوام. بين قصور وأعمدة وسفن وقلاع وتماثيل، يتنوّع التراث المصريّ الغارق بعدما تعرّضت الإسكندريّة إلى سلسلة من الزلازل على مدار التاريخ. وقد لفتت عراقة الآثار الغارقة أنظار العالم من سويسرا، وبالتحديد في معرض “أوزوريس: أسرار مصر الغارقة” الذي أقيم في متحف رايتبرج في مدينة زيورخ السويسريّة، حيث افتتحه وزير الدولة لشؤون الآثار خالد العناني في 10 شباط/فبراير 2017. ويستمرّ المعرض حتّى شهر تمّوز/يوليو المقبل، ويضمّ 293 قطعة أثريّة تحكي أساطير الإله أوزوريس وآثار مصر الغارقة والتي عثر عليها في مدينتي هرقليون وأبو قير وميناء الإسكندرية الشرقيّ، والتي قد تمّ اختيارها من عدد من متاحف مصر المختلفة.

لم تكن سويسرا الدولة الأولى التي استقبلت معرض “أوزوريس: أسرار مصر الغارقة”، فقد سبقتها فرنسا التي أقيم فيها المعرض في أيلول/سبتمبر 2015 حتى 31 يناير 2016، حيث ضمّ أكثر من 250 قطعة أثريّة اكتشفت جرّاء أعمال التنقيب الأثريّ تحت الماء، وكانت الدولة الثانية بريطانيا، حيث أقيم المعرض في لندن في المتحف البريطانيّ في شهر أيّار/مايو 2016 واستمرّ حتّى تشرين الثاني/نوفمبر 2016، وضمّ المعرض 293 قطعة، منها 270 تقريباً منتشلة من أعماق بحر الإسكندريّة.

وأعلن الدكتور العناني خلال مؤتمر صحافيّ في 9 شباط/فبراير 2017 قبل افتتاح معرض “أوزوريس: أسرار مصر الغارقة” في سويسرا نجاح جولة المعرض في عواصم أوروبّا، بدءاً من باريس ثمّ لندن حتّى محطّته الأخيرة سويسرا. وأكّد وزير الدولة لشؤون الآثار أنّ “الوزارة تحرص على إقامة المزيد من المعارض الأثريّة في مختلف مدن العالم أجمع وعواصمه، لما تلاقيه من إقبال من كلّ محبّي الحضارة المصريّة القديمة، وتعريفهم بما تحويه الحضارة المصريّة من كنوز أثريّة، كما أنّها تعدّ خير وسيلة ترويجيّة لزيارة مصر واستعادة حركة السياحة، وأنّ الوزارة اتّخذت كلّ الإجراءات القانونيّة والتأمينيّة اللازمة، والتي تضمن سلامة كلّ القطع الأثريّة الموجودة في المعرض حتّى رجوعها إلى أرض الوطن”.

يؤكّد مدير عام الآثار الغارقة في وزارة الدولة لشؤون الآثار الدكتور محمّد عبد المجيد خلال تصريحات لـ”المونتيور”، أنّ “معرض “أوزوريس: أسرار مصر الغارقة” يؤثّر بالإيجاب على ملفّ الآثار الغارقة ويلفت نظر العالم إلى أهميّة تلك الآثار وعراقتها”.

ويكمل عبد المجيد أنّ “هناك العديد من البعثات التي عملت على التنقيب عن الآثار الغارقة، وتعدّ أبرزها البعثة الفرنسيّة، بقيادة جاك دومار في عامي 1983 و1984، التي جاءت للبحث عن أسطول نابليون تحت الماء في خليج أبو قير، وكشفت عن سفينة القيادة “لوريان” وفرقتي “لاسرياز” و”لارتيميز”، وعادت بعثة فرنسيّة أخرى للأبحاث الأثريّة تحت الماء في عام 1986، التي عملت على البحث عن سفينة “باتريوت بالمكس”، واكتشفت بعثة المعهد الأوروبّي للآثار البحريّة الحيّ الملكيّ لمدينة الإسكندريّة القديمة في الميناء الشرقيّ في عام 1996، وأعلن عن إعادة اكتشاف أسطول نابليون في عام 1998، واكتشاف شرق كانوب في عام 1999، ومدينة هرقليون تحت الماء في عام 2001”.

ويكمل: “إنّ فنار الإسكندريّة من أهمّ اكتشافات الآثار الغارقة، وقد اكتشفته في عام 1995 البعثة الفرنسيّة التابعة إلى مركز الدراسات الإسكندريّة، وما زالت عمليّات الانتشال والحفاظ على الآثار الغارقة مستمرّة في بحر الإسكندريّة”.

وعن أهمّ العوائق في عمليّات انتشال الآثار الغارقة، يقول عبد المجيد إنّ “العوامل الطبيعيّة هي أبرز العوائق التي تواجه عمليّات الانتشال بسبب صعوبة الرؤية في أعماق بحر الإسكندريّة، ولا بدّ أن تكون عمليّات الانتشال في أوقات اعتدال البحر”.

ويكمل عبد المجيد أنّ “هناك مشروعاً لإنشاء متحف تحت الماء للآثار الغارقة، لكنّ الأمر يحتاج إلى قرار من وزارة الدولة لشؤون الآثار والدولة والاهتمام بهذا الأمر حتّى يرى كلّ مصريّ آثاره الغارقة في المياه ولا يراها أحد”.

الفكرة جاءت بعد اكتشاف مجموعات كبيرة من الآثار وذلك أدي إلى إقامة مسابقة عالمية تحت إشراف منظمة اليونسكو لإنشاء متحف الآثار الغارقة تحت الماء وبالفعل تم اختيار التصميم المعمارى الذى قدمه المهندس الفرنسى الشهير جاك روجيريه وكان من المقرر الانتهاء منها فى سبتمبر عام 2009 لكن حتى الآن لم ينفذ.

وكان الدكتور العناني صرّح في 9 شباط/فبراير 2017 بأنّ “إقامة متحف للآثار الغارقة يحتاج إلى تكلفة تصل إلى 350 مليون دولار، وهو أمر صعب في ظلّ نقص التمويل الذي تعاني منه الوزارة حاليّاً”.

وعن مراحل التنقيب حول الآثار الغارقة، يقول عبد المجيد: “المرحلة الأولى هي عمليّة المسح الأثريّ، تليها مرحلة التقييم والفحص للأثر، ثمّ الحفائر وإجراء التوثيق والرسم والتصوير وتحديد أماكن القطع على خريطتي الموقع وخريطة مصر، ثمّ مرحلة القرار باستخراج الآثار من الماء أو تركها، ويتوقّف قرار استخراج القطع الأثريّة على مدى إمكان ترميم هذه القطع، وخطورة تركها في الماء، وما يمكن أن يفقد منها، سواء من خروجها بشبك الصيد أم قرب القطع من مواقع الغوص وتغيّر مواقعها بسبب الأمواج”.

ويؤكّد أستاذ الآثار البحريّة في جامعة الإسكندريّة الدكتور عماد خليل لــ”المونتيور” أنّ “إقامة معرض للآثار الغارقة في الدول الغربيّة مثل سويسرا يساهم في عودة السياحة إلي مصر مرّة أخرى، وتعريف الغرب بما تمتلكه مصر من آثار ذات قيمة”.

وينتقد خليل وزارة الدولة لشؤون الآثار بعدم إقامة هذا المعرض في مصر، على الرغم من أنّه أقيم في أكثر من عاصمة أوروبيّة، واصفاً ذلك بأنّه أمر غريب، مضيفاً أنّ “الأهمّ أن يدرك المصريّون قيمة تاريخهم وعظمته قبل الغرب”.

ويكمل خليل أنّ “ملفّ الآثار الغارقة يجب التعامل معه في شكل مختلف عن الماضي، فيجب أن تتوقّف عمليّات انتشالها أو تقتصر على انتشال السفن التاريخيّة والتي تتأثّر سلباً من مياه البحر المالحة، وترك الآثار الأخرى، وإقامة متاحف تحت الماء لعرضها”.

تحمل آثار مصر الغارقة تاريخ حضارات وعصور عدّة مرّت في التاريخ المصريّ. عراقة تلك الآثار جعلتها تطوف عواصم أوروبيّة، وتحظى بشهرة واسعة، لتتحوّل إلى عامل جذب للسياحة التي شهدت تدهوراً في الفترات الأخيرة.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات