مشبب الشهري: بدلا من كسر السيف.. أغمده إلى حين

في الآونة الأخيرة لا صوت يعلو على صوت الاتفاق النووي بين إيران والدول الـ (5+1)؛ فرأيتُ والحال كذلك أن أنضم للفريق. بالطبع الجميع سوف يبدي استغرابه، ولسان الحال يقول: من تكون، لم نسمع بهذا في الملة الآخرة؟ والجواب على ذلك هو: أنني أحد ركاب السفينة.

على كثرة ما قيل ودبج من المقالات والتحليلات عن هذا الموضوع، يصعب وضع اليد على إجماع لتحليلات يمكن أن تكون أقرب لواقع الاتفاق. فمن أن الاتفاق ليس إلا اتفاقًا كارثيًا على المنطقة، الهدف منه إطلاق يد إيران لتحقيق أهدافها التوسعية. ومن التحليلات، أن هذا الاتفاق لا يعدو أن يكون اتفاقًا مذلًا لإيران قضى على طموحها النووي. ومن التحليلات كذلك، أن الاتفاق سوف يكون سلامًا وأمنًا على المنطقة. أما تحليل العبد الفقير إلى رحمة ربه، فيرى أن دول الغرب والموقعة معها (5+1) تصرفت بذكاء شديد ودهاء ومكر عاليين. فبدلًا من إجبار إيران على شطب مشروعها النووي -وكان في مقدور دول (5+1) عمل ذلك-؛ إلا أنهم بدلًا من ذلك طلبوا تجميد المشروع إلى حين، فمن يعلم، فقد يكون المشروع ذا منفعة لدولهم يومًا ما، وليجعلوه سيفًا مسلطًا على رؤوس دول المنطقة، وليستغلوه في فرض أجنداتهم المستقبلية، ولا مانع من استخدامه للتخويف وذريعة للابتزاز، وغير ذلك من الفوائد التي لن تعدمها دول (5+1) من اختراعها وإيجادها.

والسؤال الذي يفرض نفسه وبقوة في هذه الأيام هو: ماذا يجب على دول المنطقة فعله تجاه هذا الاتفاق والمشروع؟

فبغض النظر عن هذا الاتفاق، وعما قيل عنه من تحليلات ومقالات ورسائل التخويف المراد إيصالها لمجتمعات المنطقة، يمكن لدول المنطقة التعامل مع الاتفاق بإيجابية والنظر للجزء المملوء من الكأس، وفي الوقت نفسه عمل جميع ما يلزم من الاستعدادات في حال تحقق النصف الآخر من الكأس.

فعلى المستوى الداخلي لدول المنطقة، توجد إصلاحات كثيرة يجب عملها لا يتسع المكان لذكرها؛ إلا أن أهمها: إصلاح ذات البين بين طوائف المجتمع وتقوية اللحمة الوطنية داخل الوطن الواحد، وعدم (شيطنة) الآخر، والضرب بيد من حديد لكل من يذكي جمر الفتن والخلافات على جميع المستويات (أفراد، جماعات، توجهات، مؤسسات، وعلى الأخص على مستوى “الميديا”). من أهم العوامل التي يجب البدء بإصلاحها وإعطائها أولوية، هو الإعلام. يجب إعادة رسم سياسات وتوجهات الإعلام، ولا بد أن يكون الإعلام ممثلًا للشعوب على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وتوجهاتهم مع مراعات الأغلبية. لقد أثبتت الأحداث في المنطقة خلال الخمسة عشر عامًا الماضية مدى أهمية وجود (الحاضنات الشعبية)، كما أثبتت التجربة خلال تلك السنوات فشل أعتى الجيوش في العالم في فرض أجندتهم وسيطرتهم على المناطق ذات الأكثرية السكانية المتجانسة.

ويأتي على رأس الإصلاحات الأخرى المهمة التي لا بد من إجرائها على المستوى الداخلي لدول المنطقة: إعطاء المزيد من الحريات وإشراك النخب في صنع القرارات المصيرية، ومن الإصلاحات المهمة كذلك اجتثاث الفساد المالي والإداري وتشديد المراقبة ومتابعة التنفيذ. كما يأتي التعليم في أولى الأولويات التي لا يجب أن يؤخر إصلاحها. لا بد من إجراء إصلاحات جذرية للمناهج والسياسات التعليمية لتواكب التطورات الحديثة والواقع المعاش، وعندما نطلب بتغيير مناهج التعليم فلا يعني ذلك وفقًا لما يطلبه الغير، لكنّ تغييرًا يساير العصر ويلبي الاحتياجات ولا يخل بالثوابت. يجب التركيز على تحديث مناهج الرياضيات بشكل خاص وتحديث المناهج العلمية والتقنية بشكل عام، وبحث معضلة تخلفنا في عالمنا العربي عن ركب الحضارة العالمية. علينا عدم الالتفات لما يقوله الغير ويطلبه لتغيير مناهجنا وأن تكون الآية الكريمة “وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ” نصب أعيننا. اليابان مثلًا خرجت من تحت أنقاض الحرب العالمية الثانية ونفضت عنها غبار القنابل الذرية، وأول ما عملت هو البحث عن الأسباب التي أدت إلى وصول الإمبراطورية اليابانية إلى ما وصلت إليه، والبحث عن حلول لإعادة النهوض من جديد، وأتى الإصلاح التعليمي من أولويات تلك الحلول والإصلاحات، فقامت بإصلاح كبير في تعليمها؛ مما أدي إلى أن تنافس اليابان وفي غضون عقود تعد على أصابع اليد الواحدة على أحد المراكز الثلاثة الأولى في النمو الاقتصادي العالمي.

كان هذا بالنسبة إلى أهم الإصلاحات التي لا بد من القيام بها على المستوى الداخلي في دول المنطقة، أما عن الإصلاحات على المستوى الخارجي، فهذا موضوع لا يحيط به إلا دهاقنة السياسة وعلماء الاقتصاد؛ إلا أنه إذا كان ولا بد من ذكر شيء فنقول: لا بد من عقد صداقات وتحالفات مع الدول الصديقة على مستوى الندية وتبادل المصالح، ويجب إعطاء الأفضلية في عقد التحالفات والاتفاقيات والصداقات مع الدول ذات الاهتمام المشترك، وكذلك مع الدول التي لها وزن كبير على المستوى الأممي وألا يضع البيض كله في سلة واحدة.

وأختم وأقول : في واقعنا الحالي ومع الانفتاح (السيبيري) وطغيان الواقع الافتراضي على الواقع الحقيقي وتعدد وسائل نشر وإيصال المعلومة إلى الآخر في غياب القوانين والأنظمة التي تضبط وتتحكم في النشر والتواصل، مما نتج عنه وجود بيئة مناسبة لأصحاب القلوب المريضة ولقوى الشر والإرهاب ولمؤججي الفتن من نشر شرورهم من خلال هذا الوسيط. كما أن هذه البيئة الافتراضية هيئت لاستخبارات الدول المتآمرة على المنطقة بيئة لنشر الفتن وتأجيج الصراعات المذهبية والإثنية بين شعوب المنطقة، بالإضافة لنشر فكر الخوف في المنطقة وبث اليأس والإحباط بين أفراد المجتمعات؛ لهذا يجب عدم الاستسلام -بل عدم الالتفات- لهذا الإرهاب الفكري والرجوع إلى التاريخ، فلقد مر على الأمة الإسلامية حالات أصعب وأسوأ بكثير من وضعنا الحاضر، واستطاعت الأمة أن تتجاوز تلك المحن والأوضاع والنهوض كطائر العنقاء ونفض تراب الذل والانهزامية وحققت انتصارات عظيمة، وذلك بفضل الله عز وجل ثم بفضل رجال قلة، صدقوا ما عاهدوا الله عليه. ففي الاجتياح المغولي للعالم الإسلامي، كان للعز بن عبدالسلام الفضل بعد الله إلى دعوة الناس إلى التوحد وجمع الكلمة والرجوع إلى الدين الصحيح ودعوة الأمراء والجيش وعامة الشعب إلى الجهاد في سبيل الله، وكان نتيجة ذلك دحر المغول وكسرهم في معركة مشهورة من معارك انتصار الحق على الباطل، هي معركة (عين جالوت) عام 658هـ. وفي مكان آخر من عالمنا الإسلامي في المغرب العربي في زمن سبق زمن معركة (عين جالوت)، كانت في المغرب العربي دويلات متشرذمة تحارب بعضها بعضًا في زمن فسدت فيه الأخلاق وضعف الإسلام، حتى وصل إلى تحريف الدين على يد بعض حكام دويلات المغرب، وفي الزمن نفسه في دولة الإسلام في الأندلس لم يكن الحال أحسن حظًا من الحال في المغرب، فلم تعد الأندلس دولة واحدة بل أصبحت دولًا وممالك متشرذمة (ملوك الطوائف) تحارب بعضها بعضًا وتتآمر بعضها مع أعداء الإسلام (الصليبين) ضد بعض. وفي أثناء هذا الظلام الحالك والفساد والانحطاط الخُلقي والبعد عن الدين وتكالب الناس على الدنيا وتنافسها، في خضم كل ذلك، يهيئ الله لهذه الأمة رجلًا صالحًا متبعًا للهدي النبوي الصحيح اسمه (عبد الله بن ياسين) أنشأ مع عدد لا يصل إلى عشرة نفر بعد نفيهم  إلى الصحراء المغربية دولة المرابطين التي استطاعت بعد ذلك أن تعيد الناس للنهل من المعين الصافي والرجوع إلى الطريق السليم. وبذلك استطاعت دولة المرابطين إلى توحيد دول المغرب العربي تحت كلمة واحدة وتحت حكم دولة المرابطين، ليس ذلك فحسب ولكن استطاعت بعد توفيق الله ونصره مد عمر الأندلس -بعد أن أوشكت على الزوال- إلى أربعة قرون آخر، حيث كسر المرابطون شوكة النصارى في معركة (الزلاقة) عام 479هـ.

لهذا أقول لكل محبط من وضع الأمة الإسلامية الحاضر، ما عليك إلا قراءة تاريخ معركتي (عين جالوت) و(الزلاقة) وتاريخ زمن تلك المعركتين وأحوال الأمة في ذلك الزمن.

وخلاصة القول وتكرارًا لما ذكر سابقًا، يجب أن نتعامل مع الاتفاق النووي بين إيران ودول (5+1) بصورة إيجابية، والعمل من الآن للاستعداد لأسوأ الحالات.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات