محجوب الزويري: ‏مئوية سايكس بيكو بين الذاكرة والواقع

‏مئة عام تمر على أهل المشرق العربي بعد اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا وروسيا التي انسحبت منها، تلك الاتفاقية التي تم توقيعها وسط اجواء الحرب العالمية الاولى في العام 1916. مئة عام على سايكس بيكو تضع العقل والوعي والعربي امام أسئلة غاية في الاهمية، لكنها في ذات الوقت تضع امام ذلك الوعي حقيقة مفادها ان هذا المشرق كان وسيبقى محوراً اساسياً لتغييرات قادمة كما كان في الماضي.

‏ربطت جغرافيا المشرق العربي بين سوريا واليمن، كما ربطت رحلة الشتاء والصيف ذلك المشرق. هذا المشرق المتنوع ثقافياً والمتصالح الى حد كبير قبل القرن التاسع عشر، تحول تنوعه الى نقمة أُستخدمت لتبرير التقسيم العرقي والطائفي  وخلق الحدود، فكانت المفارقة والسابقة والمتمثلة في ان تُصنع فرنسا مهد الثورة التي دعت الى المساواة والحرية اول دولة طائفية في المشرق، تلك كانت لبنان بعد أقل من ثلاثين عاماً من توقيع سايكس بيكو. في المشرق العربي لم يكن هناك انقسام بل كان التقسيم الذي تدحرج من لبنان الى العراق في العام 2003 ثم الى الحديث عن تكرار للتجربة في سوريا في العام 2016. منطق التقسيم والقص الذي ابتكرته واقعة سايكس بيكو مستمر وربما بذلك المنطق سيبدأ العرب مئوية جديدة ان لم يشمروا عن ساعد الجد ويختاروا هم ويدافعوا عن خياراتهم.

‏ثمة مفارقة اخرى مهمة في المشرق لا سيما شمال ذلك المشرق، فهو  يحتضن دمشق وبغداد الحاضرتين الابرز تاريخياً  بالنسبة للعرب، هاتان الحاضرتان أسقطا من معادلة التغيير عبر زرع الاستبداد فيهما  وتصويره وكأنه قدر، فكان ذلك الاستبداد المفرط أساساً لحالة العبث السياسي التي تم تقسيم العراق بموجبها ويجري تصديرها الى سوريا عبر تكرار للعبة الدولية التي انتجت سايكس بيكو. الاسقاط لحواضر مثل بغداد ودمشق هو اسقاط الى مصادر الالهام التاريخي لما فعله العرب وتركتهم الحضارية سواء اختلف معها البعض او اتفقوا.

‏حلم العرب في ان يكون لهم دولة في اواخر القرن السادس عشر بعد غيابهم عن مشهد الدولة بعد سقوط بغداد في العام 1258، يتكرر بنكهة مختلفة، فالمهم يبدو ليس الدولة بل نوعية الدولة، ومكانة الانسان في تلك الدولة ومدى انسجام تلك الدولة مع اولئل الذين يعيشون فيها.ذلك كان فحوى ظاهرة الربيع العربي، الانتقال من السطحية الى المطالبة بنوعية افضل من الحياة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. هذا المشروع يواجه خيار الافشال النهائي بعد ادخاله الى مرحلة التعثر. فمرحلة التعثر التي يعيشها تسعى في الحقيقة الى تضييق دائرة الخيارات بحيث يصبح خيار العودة الى الاستبداد هو المطلب وهو الامنية، بعبارة أخرى ما يجري في مئوية سايكس بيكو هو تغيير غير معلن بين نوع من الهمجية السياسية او اعادة التقسيم بشكل هو ايضاً همجي.

‏في مئوية سايكس بيكو ثمة تذكير بأن هذا المشرق العربي كان وسيبقى أحد بوابات التغيير في ما يسمى العالم العربي بل وربما المشرق بمعناه الاوسع. هذا المشرق الذي جعله موقعه الجغرافي دُرة، تتزايد اهميته الحضارية والثقافية  ويزداد بريقه حتى رغم التقدم التكنولوجي والحضاري.وبقدر تلك الاهمية وتزايدها بقدر ما تتزايد الهجمة والتدخل من الخارج لفرض صيغ للحل وتوجيه التغيير فيه. في ظل هذا المعطيات ولوقف تلك التدخلات فليعمل العاملون!

النقاش — تعليق واحد

  • لحسن عبدي أبريل 3, 2016 on 12:35 ص

    العرب رغم اكتشافهم لمؤامرة الغرب عليهم وتقسيمهم واستطان كيان الصهيونية في ارضهم ، ما يزالون يمدون ايدهم لهم ويثقون فيهم ويتعاونون معهم لادلال شعوبهم ، هذا هو الدرس الذي ينبغي استخلاصه من سايكس بيكو

    Reply

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات