محاولة لفهم سيكولوجية العنف.. الدكتور قدري حفني: شيخ علم النفس السياسي

مها عمر – التقرير

الدكتور قدري محمود حفني وُلد في 13 أغسطس 1938؛ وهو من روّاد علم النفس السياسي في مصر، تجربته الفريدة جعلته يجمع بين طياتها، خبراته عن عهدالملكية، مرورًا بالحقبة الناصرية، وحقبة الانفتاح الساداتية، ثم الاستقرار الهش في عهد مبارك حتى ثورة يناير 2011 إلى الآن.

أما ما يجعل في تجربته القدر الأكبر من المصداقية فهو اعتقاله في الحقبة الناصرية متنقلاً بين معتقلات القلعة فالأوردي فالواحات فالفيوم فالسجن الحربي. 

هو المؤسس لوحدة الدراسات الاسترتيجية بجامعة عين شمس، و باحث في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، وهوالآن أستاذ غير متفرغ في معهد دراسات الطفولة بجامعة عين شمس.

قدري حفني وجه من وجوه الدولة القديمة، يحاول أن يخطو باعتدال، ولا يعارض السائد العام نحو مقاربات نفسية تفسر وتحلل باتزان المشهد السياسي في مصر على مدى عقود.

له أسلوب يتميز بالأكاديمية، وتقسيم الأفكار بسهولة و يسر، وبالدقة في انتقاء المسميات، والبحث الدائم عما يسمى بـ”طرح السؤال الصحيح” للحصول على نصف الإجابة كامنًا فيه. أسلوبه الأكاديمي المنضبط يجافي أحيانًا القدرة على الاستمتاع، لكنه في الوقت ذاته ينجح في استدعاء اهتمام القارئ، وهو أمر نادر في الدراسات الأكاديمية.

العنف بين سلطة الدولة و المجتمع: أطر عامة وأفكار رئيسة

يحوي الكتاب موضوع العرض مجموعة من المقالات الهامة التي تمثل في كثير منها الأسس العامة، والأفكار الرئيسة، والنقد السيكولوجي التي بُني عليها الهيكل العام لأفكار قدري حفني. سيلاحظ القارئ تكرار بعض الأفكار، بل والعبارات والاستشهادات أحيانًا، لكنه في النهاية سيتفهم أنه أمر طبيعي في سلسلة مقالات كُتبت على مدار فترات زمنية متوسطة.

لذا فما سوف أقوم به في عرضي للكتاب؛ هو تناول أهم ما ورد فيه من أفكار تحت عناوين مقالاتها.

الاعتقال في العهد الملكي والعهد الجمهوري

على الرغم من تعرضه للاعتقال في العهد الجمهوري، يؤكد قدري حنفي قناعاته السياسية قائلاً:

“قناعاتي الفكرية أقرب إلى أن تكون جمهورية وناصرية، بالإضافة إلى أنني لم أعرف من عائلتي من نكب بنكبة الاعتقال، ولذلك فأنا أريد أن أتحرر من مغبة الاتهام بالغرض الشخصي، بالقول إنه ليست بيني وبين ثورة يوليو ما يدفعني لمحاولة النيل منها ومن قيمتها، ومكانتها في تاريخنا الوطني، فلم يكن في عائلتي إقطاعي تنتزع منه الثورة بعض أراضيه، وتوزعها على الفلاحين الفقراء.. أنا من عائلة عاملة، و”شقيانة” استفادت كثيرًا من منجزات الثورة”.

وهو هنا يؤسس لقناعاته الفكرية ليستطيع أن يدرج تحتها ما سوف يرويه عن فظائع الاعتقال في العهد الجمهوري، دون أن يتهم بمحاولة النيل منه! و هو أمر شديد التناقض؛ حيث يقول:

“حفلات استقبال رهيبة يقوم بها ضباط، وشاويشيه ساديون اختيروا بعناية تبدأ قبل أوردي أبو زعبل، باثنين كيلومتر، وتنتهي أمام حمزة بسيوني و المعتقلين عراة تمامًا، مهشمي العظام ممزقي الجلود في حفلات تستهدف كسر إرادتهم ونزع كرامتهم، وتحطيم معنوياتهم بالأساس، في إحدى الحفلات استشهد شهدي عطية الشافعي، وفي أخرى فريد حداد”.

أما في عهد الملكية فكان مفهوم الاعتقال مختلف تمامًا وضحه لنا قدري حفني في عدة نقاط

أولاً: كان الاعتقال يمتد فترات زمنية محدودة، أيامًا و ربما أسابيع قليلة، ولم يعرف هذا العهد فترات حبس تمتد سنة أو عدة سنوات.

ثانيًا: كان الاعتقال يتم في حالات النشاط الجماهيري في الشارع كالاضطرابات، والمظاهرات، في حالات تغيير الوزارات، والانقلابات الدستورية وتدخل الإنجليز المباشر في القرار السياسي.

ثالثًا: لم يكن الاعتقال في ضوء ما سبق يتم على خلفية الانتماء السياسي أوالايدلوجي.

رابعًا: لم يتم اعتقال امرأة واحدة في عهد الملك، بينما تم اعتقال العديد من النساء بعد ثورة يوليو.

و اقتبس حفني من مذكرات الأستاذ محمود المليجي رئيس حزب “مصر الفتة” في ذلك الوقت من كتابه خرابيش على جدار الزمن يقول فيها عن فترة اعتقاله في العهد الملكي ما يوضح الفارق الساشع في التعامل مع المعتقلين خلال العهدين:

“كنا نقضي يومنا بملابسنا العادية، وفي الليل نرتدي بيجامتنا، أو جلاليبنا التي أخذناها من منازلنا، ولم يكن هناك أي ممنوعات فنرسل العساكر ليشتروا لنا الصحف والمجلات، والأوراق، والأقلام والكتب والمأكولات، والزيارات مسموح بها في جميع الأوقات، بل إن مبيت ضيوف مع المعتقل كان أمرًا مسموحًا به، و لم يكن علي سوى دفع مبلغ عشرة قروش للسرير، والإفطار للضيف، وقد جاء أبي إلى المعتقل، وقد أعدت له أمي قفة ممتلئة بالبط المحمر، وفي المساء عزمنا المعتقلين، والمأمور، وضباط المعتقل، وتحوّل العشاء نفسه إلى ندوة سياسية رفيعة المستوى”.

وفي معرض النقد الموجه لهذه الأفكار فهو يقول، إن الأمر لا يعود لرحمة فاروق، ولا لقسوة عبد الناصر، بل إن الأمر إبان العهد الملكي كان يمتلئ زخمًا سياسيًا، ومقاومة للاستعمار من جانب قوى مختلفة التوجهات، ولم يكن هناك مجال لاحكتار الحقيقة المطلقة، وجاء عبد الناصر وانزلقت الثورية العسكرية في احتكار السلطة، ومقاومة كافة أشكال تداولها؛ خاصة إذا كانت مع أي جماعات منظمة.

وهذا ما يفسر التحولات السياسية التي تلت تحول ثورة يوليو إلى دولة حل الأحزاب، والبرلمان، وإلقاء على التجمعات السياسية، واعتمد القصر الجديد أسلوبًا جديدًا يرى أنه مدام الضباط الأحرار من الجماهير فهم يعرفون مطالب الجماهير، فأصبح ثمن الاحتجاج باهظًا، وصار الصمت هو القاعدة، وتم سن تشريعات تُحرم حتى لجوء المعتقلين للقضاء؛ طلبًا للإفراج، أو تظلمًا من التعذيب.

أما الدروس السياسية التي استوعبها عبد الناصر، والتي عرضها حفني، والتي يمكن من خلالها فهم الأسس التي قامت عليها العدواة بين النظام الناصري، وجماعة الإخوان كانت كالتالي:

– كان العديد من ضباط الجيش لهم نفس توجهات عبد الناصر من حيث معاداة النظام الملكي، على الرغم من عدم انتمائهم لتنظيم الضباط الأحرار الأمر الذي جعل عبد الناصر يتعقد أن عملية التغيير لا تحتاج بالضرورة إلى استفتاء، أو استطلاع لرأي الجماعة، وأنه يكفي أن للقائد استنتاج ميل الأغلبية، والتحرك على أساسه.

– كان الفارق الجوهري بين الضباط الأحرار، وبقية العناصر الأخرى من الجيش الرافضة للنظام الملكي؛ هو أن عبد الناصر، ورفاقه في تنظيم سري، واستنتج عبد الناصر أنه من المستحيل الإطاحة بنظام حاكم دون تنظيم قادر على التنفيذ.

– كان الفارق الجوهري بين تنظيم الضباط الأحرار، وبقية التنظيمات السرية الفاعلة في المجتمع المصري؛ أنها تفتقر للقوة العسكرية اللازمة للإطاحة بالنظام القائم، وكان طبيعيًا أن يخلص عبد الناصر إلى التنظيمات الأخرى المدنية التي قد تحدث القلاقل؛ بصفتها تنظيمات مستقلة عن النظام الحاكم، لذا لم يكن غريبًا أن ما قامت به ثورة يوليو؛ هو اجتثاث النظام الحزبي من جذوره؛ فهو نظام مستقل عن النظام السياسي، ويدعو إلى تداول السلطة، وهو بالتالي دعوة صريحة لإمكانية تغيير القيادة الثورية، الأمر الذي لا يمكن القبول به.

التعذيب وثقافة المجتمع

تحت عنوان هذا المقال أشار قدري حفني إلى التعذيب الذي ييتباهى مقترفوه بما ارتكبوه في حق الضحية، ويصورونه، ويحتفظون بما صوروه تفاخرًا باعتبارهم قد أدوا واجبًا وطنيًا ودينيًا، وهو ما أسماه “التعذيب الجماهيري”، وهو الذي يحظى بقبول من الجماهير، وتشجيع عليه.

كما تطرق تحت هذا العنوان إلى عدم دستورية التعذيب، مشيرًا إلى المادة 57 من الدستور، وحكى عن التعذيب في أوردي أبو زعبل، ومصطلحات عدة مثل “فرقة اللواء همت” و من هم الجلادون؟ ما هي “التكديرة”، وهي التي تعني التعذيب الجماعي.

كما تحدث بالتفصيل عن القبول الجماهيري للتعذيب، متحدثًا عنه منذ العصور الوسطى حتى اليوم.

و طرح سؤالاً مهمًا؛ وهو: لماذا تجد ثقافة العنف دعمًا، وتشجيعًا، ولا تجده ثقافة السلام، والاحتكام للقانون، وإدانة التعذيب؟ 

و يجيب بالتقصي عن السؤال قائلاً: إن رواج السلع ليس فقط في الاعلان عن وجودها، وعرض مزاياها، بل يتوقف على وجود ثقافة مساندة للسلعة تضمن دوام وجودها، وتصاعد الطلب عليها، ويشير في هذا السياق إلى سلسلة طويلة من الأبحاث، والدراسات حول هذا الموضوع.

أسامة بن لادن : أسطورة الابن الضال

يُؤسس حفني نفسيًا لقصة الابن الضال، وأقتبس هنا قوله:

“ثمة ميل لدى الجماعة للتبرؤ من الابن الضال، وغالبًا ما تنسى تلك الجماعة حجم مساهتمها في ضلال هذا الابن، تبرئة لنفسها من مسؤولية تحمل ما حدث، وبالتالي تبعاته”.

و يستطرد في الحديث عن ثقافته، ونشأته ويحلل نفسيًا المحيط السيكولوجي الديني الذي هوى به إلى العنف، ويبرز بالتفصيل الملامح الفكرية التي برر بها اتجاهاته.

الحوار بين الإسلام والغرب: بين المدخل النفسي ودعاية الحرب

يرى حفني أنه في فكرة الحوار ما هو مهم تصويبه من ناحية أن “الحوار بين الإسلام والغرب” أو الحوار بين الأديان لا يمثل كافة المنتمين إلى دين بعينه، أو حضارة بعينها؛ لذا فهو حوار بين مجموعات بشرية تنتمي إلى ثقافات، وأديان وحضارات مختلفة في حاجة إلى التحاور والتفاعل.

و يمضي في الحديث عن الحاجة الماسة للسلام الذي هو الغاية الأسمى لهذه الفعاليات؛ فيسرد كل تعريفات السلام بأنه قد يكون مجرد السكون الظاهر عند البعض، وعند البعض الآخر عدم ممارسة أي فعل عدواني تحت أية ظروف كانت. أو تقبل الواقع كما هو، و يقول إن التعريفات السابقة كلها تمثل تهديدًا حقيقيًا للسلام بل، وأحيانًا للحياة كلها.

و من نتائج ذلك عدة حالات منها:

الحالة الأولى:  

المحافظة على هذا الواقع دون تغيير، بل والوقوف أمام الميل الإنساني العادي للتغيير.

الحالة الثانية:

الاستسلام للعدوان؛ وهو ما يعني عمليًا سيادة قانون الغاب.

الحالة الثالثة:

سكون اللاسلم، واللاعنف. وهي الحالة التي يتم فيها شحذ أقصى درجات الاستعداد للقتال، والانقضاض على الآخر، وفيها تنفضي أي فرصة لسلام حقيقي.

ويشير في هذا السياق إلى نوع آخر من السلام، وهو السلام الإيجابي، ويشمل مستويين متكاملين:

أولاً المستوى الوقائي: وهو القدرة على استخدام وسائل المقاومة السلمية البديلة لما يواجه الناس من عقبات.

و المستوى الثاني هو مستوى السلام الفعال: و يتجسد في القوانين التي تضمن الحقوق، والإجراءات المتبعة، والبرامج العملية، وغيرها.

و في عنوان جانبي عن الصورة النمطية للآخر بين الغرب، والإسلام يقول ويشرح بالتفصيل كيف تساهم الأخبار في بناء الصور النمطية، وخطورة المواد الدرامية في رسم الشخصيات، وتبني أفعالها ومواقفها.

و في عنوان جانبي آخر يتحدث عن الحرب النفسية، معناها، وأشكالها، و تاريخها، و يسوق الدراسات التي تتناولها.

و تحت عنوان العنف التلقائي في المجتمع المصري، يتناول أشهر أحداث العنف في تلك الفترة، وردود الأفعال التي أحاطت بها، وأسباب اختيارها،  والمنهج السيكولوجي المستخدم في تحليلها، وفي النهاية يتناول الاتجاهات العامة لنتائج تلك الدراسات.

كما يتناول العنف والاحتجاجات في الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك في الدول النامية، وطبيعة الاختلافات بينهما.

و الخلاصات التي نتجت عن هذا التحليل؛ هي:

أولاً: العنف خاصية بشرية طبيعية، وثمة أنواع من العنف يحض المجتمع على ممارستها.

ثانيًا: تركز البحث الذي قام به حفني على النوع التلقائي؛ وهو نوع يتسم بأنه عنف غير متوقع سواء من جانب المشتركين فيه، أو الموجه إليهم، وهو غالبًا ما يكون نتيجة تراكمات تاريخية تمت خارج هذا الموقف.

وترشيد العنف التلقائي يتم من خلال أمرين:

مواجهة جذور العنف الحرمان النسبي، أو بتعبير أبسط ما يسمى “الظلم الاجتماعي”.

معالجة عدم وجود قنوات طبيعية للتعبير عن هذا الإحساس.

العنف ومستقبل أطفالنا العرب

تحت هذا العنوان يحلل حفني ثقافة الهزيمة التي عملت على تربية البيئة المحيطة بالأبناء منذ هزيمة 1967، وما تتنباه ثقافة الهزيمة وملامحها، و الاختلاف بينها، وبين ثقافة الانتصار، وماهية الصراع القيمي الذي يعيشه أطفالنا، وقضية الانتماءات الخطيرة، وكيفية تأثرهم بالأحداث الكبرى، و أولويات التربية في هذه المرحلة.

يتناول قصة احترام العقائد، ويطرح تساؤلات مهمة حول تباين الخطابات، وأقتبس منها قوله المهم:

“هل يمكن الخروج من مأزق تبني خطابين: خطاب هامس يتناوله الأتباع والمريدين؛ بحيث لا يتجاوز حدود المساجد والكنائس، وخطاب مسموع ينتج خصيصًا للتصدير، ويُوّجه للكافة ملتزمًا بتجنب إيذاء المشاعر العقائدية للجميع ؟”.

العنف السياسي من منظور نفسي

تحت هذا العنوان الرئيس والجانبي أيضًا، يستطرد قدري حفني في تعريف العنف السياسي من منظور سيكولوجي نفسي فيقول:

” العنف السياسي، نوع من أنواع العنف الداخلي، الذي يدور حول السلطة، ويتميز بالرمزية والجماعية والإيثارية والإعلانية”؛ فهو داخلي لأنه يمارس بين أطراف تحت مظلة ما يجمع بينها من صراع على السلطة.

وتكمن رمزيته في أنه لا يستهدف أشخاصًا لذواتهم بل، يستهدفهم لصفاتهم الاجتماعية، أو الفكرية، أو الدينية أو العرقية.

أما جماعيته فهو يقصد بها: أنه تتم ممارسته باعتباره ممثلاً لجماعة ومعبرًا عن توجهاتها.

و الإيثارية كان يقصد بها: أن لافتة الصالح العام هي اللافتة المعلنة الأساسية، والمتكررة التي ترفعها أطراف العنف السياسي جميعًا.

أما كونه يتسم بالإعلانية، فلأن ممارسيه يتسارعون للإعلان عن مسؤوليتهم عن أفعالهم كما يحدث الآن.

و يتناول أنواع العنف السياسي التي منها: العنف السياسي القومي، والعنف السياسي الاقتصادي، والعنف السياسي الديني، ويفرد للعنف السياسي الديني المجال؛ فيتحدث عن صوره وملامحه.

ويتناول ملامح ثقافة العنف، ويطرح في النهاية عدة تساؤلات هامة، وملهمة عن الفكرة في مواجهة العنف، ومدى جاذبية الأفكار.

فكر الإرهاب: روافد القبول وإمكانات الانتشار

لا يخضع هذا العنوان لدراسة فكر القاعدة فحسب؛ بل كل الحركات المشابهة؛ وهي دراسة جيدة جدًا، ومن الأهمية بمكان بحيث تصلح للتطبيق حتى في هذه الأيام عن طبيعة الإرهاب من الناحية السيكولوجية، وأعرض هنا أهم خلاصاتها ومنها أبعاد الصورة الإعلامية التي يحاول إعلام المنظمات الإرهابية نشرها، وهي في العادة حسب حفني تحوي التالي:

  • الآخر يستهدف إفناءنا، ومن يقول منا غير ذلك فهو إما عميل، أو مأجور أو ساذج.
  • لم يعد الحوار مع الآخر مجديًا، قضيتنا واضحة وعدونا لا يفهم إلا لغة القوة، واستنفزنا معه كل السبل.
  • الآخر هو الخارج على الأصول الصحيحة: الشرعية، القانونية، الإسلام الصحيح، الاشتراكية الصحيحة، المسيحية الصحيحة.. إلخ.
  • لا يمثل أبناء جماعتنا غير المتعاطفين معنا إلا أقلية أما الغالبية فهم معنا بالتأكيد.
  • مهما قال الآخر، أو فعل ليوهمنا بأنه تغير فإن ذلك غير صحيح، والواقع أنه لا يزال كما هو في جوهره يسعى إلى تدميرنا.
  • يريد لنا الآخر الاغتراب عن تاريخنا، تذوبينا في غريب عنا، أو انسحابنا إلى ماضٍ لم تعد لنا علاقة به.
  • لا ينبغي أن نفرق في مواجهتنا لهم بين المفكرين، والمنقذين أو الموافقين، والمعارضين أو بين المدنيين، والعسكريين؛ فالجميع سواء، وكلهم أعداء.
  • ينبغي أن ننقي صفوفنا من أولئك المتخاذلين الذين يدعون إلى حوار مع أعدائنا، فهم سذج مُضللون أو عملاء منجسون أو ضعاف.

الفتنة الطائفية: الصناعة والدراما

يسرد الكاتب تحت هذا العنوان ملاحظاته حول ما يُسمى بعنصري الأمة المصرية، ويحلل تحت عنوان آخر له الموضوع ذاته؛ وهو: الفتنة الطائفية قراءة نفسية، يحلل تباين السلوك في المجمتعات التي لا تعاني مشكلات حادة في التعامل مع تباين الانتماءات الدينية.

يحكي في موضوع آخر قصة ما أسماه بالفيلم المصري المكرر لفتاة مسيحية مصرية  تختفي فجأة لأي ظرف، ويتم إعلان إسلامها فجأة، ومن ثم يتم خروج مجموعات إسلامية متشددة مطالبة بها، وفجأة أيضا تعلن بطلة الأحداث العودة إلى رشدها، وكنسيتها مرة أخرى.

و يقول إن استخدام مثل هذه “الدراما” في التعامل غير الرشيد مع مجتمع يعاني أصلا التمييز، والاحتقان الطائفي، والاستقطاب هي وغيرها من الممارسات ما يعمّق حذور العنف. ويعرض بالتفصيل مجموعة من الحوادث التي وقعت ورأي علماء النفس فيها، وكيفية تناولها إعلاميًا، وتأثير ذلك على الصور النمطية في المجتمع المصري لكلا الطرفين كل عند الآخر.

الهوية المصرية والعنف والمستقبل

يقول حفني:

إن مجلة القوات المسلحة الأمريكية نشرت في عددها الصادر في يوليو 2006 مقالاً بعنوان حدود الدم يرى فيه كاتبه رالف بيتر أن الصراعات الشرق أوسطية، والتوتر الدائم في المنطقة نتيجة منطقية لخلل كبير في الحدود الحالية التي وضعها حسب تعبيره “الأوروبيون الانتهازيون”، ويرفق بيتر بمقاله خارطة  أمريكية جديدة تلغي الحدود القائمة، و تقسم الدول الحالية، بحيث تتحول الدولة الواحدة إلى دويلات، وتنشأ دول جديدة، وتكبر دول صغيرة، و تصغر دول كبيرة، وهكذا”.

و يقول إن عملية تقسيم كهذه تحتاج إلى إعادة إنتاج قناعات جديدة عن أهمية الانتماء للدين والطائفة والعرق في مواجهة أهمية الانتماء للدولة، و تجهل المكونات، والعناصر المكونة للثقافة في مقابل تصعيد وإبراز عوامل أخرى، وما نحتاجه من وعي في مواجهة ذلك.

احترام العقائد والعنف

يطرح تحت هذا العنوان تحليلاً مبسطًا لفكرة احترام العقائد والخطاب الديني، و ينفي أهمية أي دعايات مضادة قد يقوم بها أهل عقيدة ضد أهل عقيدة أخرى، وقصة الرقم القومي وخانة الديانة، يأخذك حفني ببساطة وعمق دون تشنج، وبعقل نقدي هادىء إلى تلك المنطقة الشائكة في العقل المصري.

خواطر عن الكتاب

الكتاب مهم لمن يحاول أن يقرأ العنف بمقاربة سيكولوجية؛ حيث يتمتع قدري حفني بأسلوب رصين، دقيق، منظم قادر على ربط الأفكار وعرضها وتوجيه النقد إليها بعلمية، ودون عبارات رنانة أو استعراض للبلاغة، إلا أنه سقط في فخ الأكاديمية، والحشو في كثير من صفحاته، التي سيقلبها القارئ دون أن يغير ذلك من أهمية الكتاب في شيء.

أول ما اصطدمت به كان في مقدمة الكتاب، وهو يقوم بعرض مقارن بين ظروف الاعتقال في عهد الملكية، ومن ثم في عهد ناصر، وهو محاولته إثبات أنه لا ينبش في قبر الماضي باحثًا عن الانتقام من ثورة يوليو، وهي نفسية كل المنتمين لهذا الجيل الذي يعد كل نقد موجه إلى ناصر أو من جاءوا بعد ناصر هو نقد لثورة يوليو، وهو أمر طبيعي في عصر شخصنة الثورة، والزعيم القائد، وهو ينسى الفضل في الحصول على حقوقه وحقوق أسرته من معاش، وتعليم، وأراضٍ إلى الثورة، وهو الأمر الذي لا أراه متعارضًا مع وجوب ما يتحتم توجيهه إلى ثورة يوليو وأعضائها من انتهازية، وتغييب للحياة السياسية ذكره حفني بنفسه في سطور تالية.

تعاون حفني في دراسة من الدراسات التي تم عرضها مع جهاز الداخلية في الدولة، أيام كان ممكنًا أن يتعاون مدني مع شرطي إبان السبعينات، وفترة في الثمانينات، وانتقد وقتها العنف الاستباقي الذي يمارسه المواطنون ضد رجال الشرطة، ولم يشر إلى جذوره بالتحليل والتبرير مع أنه في هذه الفترة تحديدًا تم إنتاج فيلم “البرئ” الذي يتحدث عن الفساد السياسي في مصر، وهو فيلم من إنتاج عام 1977، ويتحدث عن الفساد السياسي بعد سياسة الانفتاح، وتحول الإنسان إلى آلة مبرمجة تخدم السلطة.

خلاصة القول إن الكتاب مهم لمن يجتهدون في الكتابة السياسية، يحوي بين جنباته ملاحظات مهمة ودراسات عن شتى أنواع العنف وتاريخه و ملامحه وجذوره، وهو ملهم لمن يهتمون بالدراسات السيكولوجية كمقاربات جديدة لفهم التحولات السياسية الكبرى في العالم.

456

الكتاب 373 صفحة ، طبعة عام 2011

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات