متى يمكن للحكومات إخفاء الحقيقة في أوقات الحرب؟

آي بوليتكس – التقرير

عام 217 قبل الميلاد، قال “ماركوس بومبونيوس” مستشار الجمهورية الرومانية، أمام حشد كبير، إنهم خسروا في معركة عظيمة. تعتبر هذه واحدة من المرات القليلة في التاريخ، التي تصارح فيها الحكومة شعبها بحقيقة سيئة في أوقات الحرب.

لم يملك بومبونيوس أي خيار في هذا الشأن، حيث انتشرت الشائعات حول وجود كارثة عسكرية في معركة بحيرة تراسمانيا، وتجمع المسؤولون في جلسة طارئة، وبدأ ينتشر الهلع بداخل الجمهورية بين المواطنين.

بدأ الشعب الروماني في حزم حقائبهم والتحضير للحرب ضد حنبعل قائد قوات القرطاجيين، ورغم أن ذلك يبدو جيدًا، إلا أن مؤرخي الرومان وصفوا الوضع بالسيئ، حيث استمرت حالة الذعر لمدة عشرة أيام، حتى اضطر مجلس الشيوخ الروماني إلى تعيين ديكتاتور عسكري، وهو “فابيوس ماكسيموس”.

هكذا كشف مجلس الشيوخ الحقيقة تحت تهديد حقيقي، حيث كان يمكن قتلهم إذا لم يكشفوا هذه الحقيقة. تقودنا هذه القصة إلى سؤال معاصر ذي صلة، متى يجوز للحكومة حجب الحقيقة عن الشعب الذي انتخب لقيادته؟

في أبريل الماضي، قالت صحيفة لوس أنجلوس تايمز إن خطابات البيت الأبيض، والسياسيين بشكل عام، تتسم بالأكاذيب منذ قرون، بالتالي كان طبيعيًا عدم الوثوق بالحكومات والسياسيين. لكن هناك أمثلة يجب فيها على الحكومات كتم الأسرار وعدم عرضها على الشعب لحمايته من الخطر. إذًا كيف يمكن لحكومة ذكية التعامل مع مثل هذه المواقف؟

قالت شبكة “سي بي إس” إن السلاح الجوي الملكي الكندي لم ينقل الحقيقة الكاملة إلى شعبه، بشأن وجود خسائر مدنية كنتيجة لتعطل الأسلحة، خلال عمليات قامت بها في العراق وسوريا. استشهدت الشبكة ببيان إعلامي صدر في 27 نوفمبر 2015، ونشر عدة تصريحات لمسؤولين بدون التعليق أو توضيح أي شيء، بزعم أنها لها علاقة “بعمليات أمنية”.

لكن هناك اعتبارين يجب التركيز عليهما. أولًا، من الصعب إثبات أي معلومات قادمة من مناطق حرب. ففي الوقت الذي يمكن إيجاد مصادر غير عسكرية للمعلومات المتاحة، إلا أنها متفرقة، غير مباشرة، مجزأة وغير موثوقة بشكل كامل.

يعلم الجميع صعوبة الحصول على شهادات من شهود لوقائع جنائية، وبالطبع تزداد صعوبة الحصول على هذه الشهادات من مناطق تتعرض لهجوم، أو يتم احتلالها من عدو شرس. بالتالي فالتقارير الصادرة بعد الأزمات لا يمكن الاعتماد عليها غالبًا. لا نتحدث هنا عن الحقيقة، لكن عن معايير الدلائل بشأن ادعاءات بدون إمكانية تأكيدها.

ثانيًا، أن تبني السرية كعلاج للأزمات أمر سيء، رغم ضرورة إبقاء الحكومات بعض الأمور سرًا، إلا أن اعتناق السرية بشكل مستمر قد يؤدي إلى فقدان المصداقية السياسية. كان يمكن للمسؤولين في كندا استخدام ألفاظ أكثر وضوحًا، مثل القول بإن هذه هي المعلومات المتوفرة “على حد علمنا”. ربما لم يكن ذلك ليكون كافيًا، حيث يرغب المجتمع في معلومات دقيقة.

بالطبع تتأثر طريقة رد الحكومة عندما تكون تحت ضغط، وخاصة عندما يجب إعادة النظر في سياسية الحرب نفسها “الضربات الجوية”. عندما يأتي سياسيون جُدد بجانب وجود شكوك حول الموقف الذي سيتخذونه، يميلون إلى الحديث بأقل قدر ممكن من المعلومات.

هناك بعض الأوقات التي لا تتحدث فيها الحكومات عن أي تفاصيل؛ بسبب وجود عدد من القوات الخاصة في بيئة عدائية تحاول حمايتهم. بعيدًا عن أهمية الحماية الجسدية للجنود، تعتبر كل الحروب حروب نفسية، ولن يكون أمرًا منطقيًا نقل معلومات يمكن استخدامها، سواء من ناحية العمليات أو عن طريق إطلاق شائعات.

يعتبر مفهوم “مقتل المدنيين” أمر جديد وغير مريح لكندا منذ الحرب في أفغانستان. تحول هذا المفهوم إلى ظاهرة عالمية. ففي محاضرة حديثة في معهد الجيش الملكي الكندي، قال آلان بيل إن منع الخسائر المدنية كان أمرًا هامًا في حرب فوكلاند عام 1982، لكن بشكل عام، لا تهتم الحكومات بالمدنيين.

بعيدًا عن العمليات الأمنية الحالية، هناك أسباب منطقية للتكتم على بعض الأحداث، حتى بعد سنوات من انتهائها. على سبيل المثال، بدأ في التسعينيات نشر أول معلومة عن آكلي لحوم البشر، من قِبل جيش الإمبراطورية اليابانية، وفقًا لمصادر يابانية.

كان لدى أمريكا معلومات، لكن المؤرخ أنطوني بيفور قال إن المعلومات تم التكتم عليها بعد الحرب؛ بسبب توقعات ردود الفعل المحلية، والتي ستكون مُرعبة لأي سلطة تتولى الحكم (فُقد حوالي 80 ألف من القوات الأمريكية في المحيط الهادي).

خلال الحربين العالميتين والحرب الكورية، كانت المعلومات تتعرض لمعايير صحفية مختلفة ورقابة من الحكومة، حيث كان الصحفيون يرتدون زيًا موحدًا طوال جزء كبير من هذه الفترة. تم اعتبار المراسلين والصحفيين داعمين لقضية الحلفاء.

كانت قصص جيدة تُنشر عن أحوال الجيش، لكن لا شيء أكثر من ذلك. على سبيل المثال، لم تُنشر أي لقاءات حصرية مع المارشال الألماني “آرفن رومل”. لم تُنشر أي تقارير عن المعتقلين الكنديين، ولم يكن هناك شيء يُسمى “صحافة استقصائية”.

لا يدخل أي ناخب إلى مكان الاقتراع وهو يتساءل “من هو المرشح الذي يجب أن أثق به لإخفاء الأشياء الضرورية عند اندلاع الحرب؟”. يجب على الحكومات التعامل مع الحقائق، ومعرفة توقيت نشرها من عدمه، سواء في وقت السلم أو الحرب.

يعتبر نشر الحقيقة مقابل إخفائها، خاصة فيما يخص الحرب والأمن القومي، مسألة ميثاق اجتماعي يتم التفاوض عليه باستمرار بين الحكومات والشعوب، باختلاف الأجيال والأزمات والمواقف.

لذا ينبغى على الحكومات معرفة أنه يجب عليها إخفاء الحقيقة أحيانًا، خاصة في أوقات الحروب؛ لذا يجب عليها عدم استنزاف رصيدها من السرية في الكثير من المواقف والأزمات؛ حتى لا تتأثر مصداقيتها مع شعبها، لأنها ستحتاج هذه المصداقية في الأزمات الكبرى.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات