ما دور ترامب في قرار مقاطعة قطر؟

ڤوكس – التقرير

انفجرت حربًا طويلة الأمد بين السعودية وجارتها الغنية بالنفط والغاز قطر في حرب دبلوماسية مفتوحة، مهددة بذلك الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد داعش، وتسببت في موجة جديدة من عدم الاستقرار في منطقة الخليج.

في ما يلي ما حدث: يوم الاثنين، أعلنت المملكة العربية السعودية وثلاثة من أكبر حلفائها – مصر والإمارات العربية المتحدة والبحرين – عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، فضلًا عن تعليق السفر جوًا وبرًا وبحرًا إلى من البلاد. جاءت هذه الخطوة بعد أن اتهمت الرياض قطر بدعم الجماعات الإسلامية المتطرفة مثل جماعة الإخوان المسلمين وداعش. منذ ذلك الحين، انضمت ليبيا واليمن والمالديف أيضًا إلى المقاطعة الدبلوماسية.

قطر واحدة من أغنى البلدان على وجه الأرض، لكنها ستتألم بسبب اعتمادها بشكل كبير على جيرانها في التجارة والسفر داخل وخارج المنطقة. تستورد شبه الجزيرة العربية معظم أغذيتها عبر حدودها البرية مع السعودية، وهي مغلقة الآن.

ذكرت قناة الجزيرة، وهي شبكة إخبارية مملوكة للحكومة القطرية، أن الشاحنات التي تحمل الطعام يبدو أنها علقت على الجانب السعودي من الحدود. في الدوحة، عاصمة قطر، الناس بالفعل “يخزنون السلع القابلة للتلف”، وفقًا لجاسم كونجي، محرر بالجزيرة الإنجليزية. تتوقف العديد من السفن التي تنقل الطعام إلى الدوحة أولًا في أكبر مدن الإمارات العربية المتحدة، دبي وأبو ظبي. غير واضح حتى الآن ما هو تأثير الحظر الجديد على تحركاتهم.

ارتفعت حدة التوتر بين قطر وجيرانها الشهر الماضي، بعد أن نشرت وكالة الأنباء القطرية مقالًا نُقل فيه عن أمير قطر الحاكم تميم بن حمد آل ثاني، أنه يشدد على أن إسرائيل وإيران أكبر خصوم السعودية في المنطقة. رفضت قطر سريعا هذه التصريحات، باعتبارها أخبار مزورة تم نشرها من قِبل قراصنة، لكن السعودية وأصدقائها لم يقتنعوا بذلك.

بعد ذلك جعل الشيخ تميم الأمور أسوأ، عندما اتصل بعد بضعة أيام بالرئيس الإيراني حسن روحاني لتهنئته على إعادة انتخابه، وهو عمل واضح يتحدى موقف الصقور السعودي على إيران.

الخلاف الجديد في الخليج الفارسي هو في حد ذاته صفقة كبيرة، وهو ما يفسره بعض المراقبين على أنه أكبر أزمة دبلوماسية في المنطقة منذ حرب الخليج عام 1991.

لكن العواقب ستتجاوز السياسة الداخلية للمنطقة، وتهدد بشكل خطير العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة. قطر هي المقر الرئيسي للقيادة المركزية للولايات المتحدة، التي تدير كافة العمليات العسكرية في أفغانستان والشرق الأوسط.

 كما أن قيادة الحرب الجوية، التي تقودها الولايات المتحدة ضد داعش، تعمل خارج قاعدة الجويدة في قطر. إجمالًا، هناك حوالي 11 الف جندي أمريكي في البلاد.

كما تشير صحيفة نيويورك تايمز أنه من الواضح أن حملة تقودها الولايات المتحدة، تشمل طائرات من الدول التي تقطع علاقاتها مع قطر، ستكون أصعب إذا ما رفضت تلك الدول السماح لممثليها العسكريين حتى بزيارة القاعدة الأمريكية هناك.

تشكل قطر تحديًا معقدًا بالنسبة للولايات المتحدة

يُبرز التفكك الكبير الدور المزدوج المُحير الذي لعبته قطر منذ فترة طويلة بالنسبة للولايات المتحدة في كفاحها ضد التطرف في الشرق الأوسط. من ناحية، تعرف الولايات المتحدة أن قطر مصدر كبير للدعم والتمويل للمجموعات التي تعتبرها منظمات إرهابية مثل حماس، أو الخصوم مثل الإخوان المسلمين.

لكن من ناحية أخرى، فهي مستعدة أيضًا للسماح للبنتاجون بتشغيل قواعد في أراضيها، والعمل كوسيط بين واشنطن والجماعات الإسلامية في جميع أنحاء المنطقة. لتقديم مثال رفيع المستوى، ساعدت قطر على التوسط في صفقة مع طالبان، التي فازت بالإفراج عن السجين لدى الجيش الأمريكي بو بيرغدال.

هذا يعني أن الإدارات الأميركية المتعاقبة كانت مستعدة للعمل مع قطر، انطلاقًا من الاعتقاد بأن الإيجابيات تفوق السلبيات الواضحة، بما في ذلك دعمها غير الرسمي للأنشطة المسلحة في المنطقة. من مصلحة الولايات المتحدة لجميع الدول في المنطقة أن تكون على شروط جيدة بما يكفي لتكون قادرة على الانضمام إلى الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد داعش. لهذا السبب كان الرد الأوّلي الذي قام به وزير الخارجية ريكس تيلرسون يدعو إلى الهدوء والحوار.

قال تيلرسون في أستراليا يوم الإثنين: “بالتأكيد نشجع الأطراف على الجلوس معًا، ومعالجة هذه الخلافات. إذا كان هناك أي دور يمكننا أن نفعله من حيث مساعدتهم على التعامل مع تلك المسائل أخبرونا. نعتقد أنه من المهم أن يبقى مجلس التعاون الخليجي موحدًا”.

كما حاولت دانا سميث، سفير الولايات المتحدة لدى قطر، أن تدعو إلى الهدوء على تويتر، من خلال لفت الانتباه إلى التصريحات الأمريكية السابقة لدعم عمل قطر في مكافحة تمويل الإرهاب.

لكن بعد ذلك جاء ترامب لجعل كل شيء أكثر تعقيدًا. في صباح اليوم، دوّن بعض التغريدات المختلفة عن تصريحات الدبلوماسيين الأمريكيين في اليوم السابق. يبدو أنه اعتنق قرار السعودية، واقترح أن أفعالهم كانت نتيجة لخطابه الأخير بشأن مكافحة الإرهاب. أضاف: “من الجيد جدًا أن نرى زيارة المملكة العربية السعودية مع الملك و50 دولة تنجح بالفعل”، مشيرًا إلى زيارته للبلاد منذ أسابيع. “قالوا إنهم سيتخذون سياسة متشددة بشأن تمويل التطرف، وكانت جميع الإشارات تشير إلى قطر. لعل هذا سيكون بداية نهاية لفظ الإرهاب”.

في يأسه ليأخذ الفضل في التحرك السعودي، ليُظهر قدرته على تشكيل الأحداث العالمية، يبدو أنه يلقي قطر تحت الحافلة. رغم أن الولايات المتحدة لا تسعى بأي حال من الأحوال إلى هذا الوضع المُزعزع للاستقرار، يبدو أن ترامب يشجع السعوديين. تذكر أنه خلال الخطاب، الذي أدلى به في المملكة العربية السعودية، أشار إلى ذلك. قال في الواقع إن “قطر، التي تستضيف القيادة المركزية الأمريكية، هي شريك استراتيجي حاسم”. لا يبدو ذلك حاسمًا في عيون ترامب بعد الآن.

بدأت التوترات بين قطر وجيرانها تختمر منذ بعض الوقت، إلا أن تحرك المملكة العربية السعودية – الذي لا يتضمن مطالب صريحة من قطر – ما زال يصدم المراقبين. الأمر الذي يثير السؤال: ما الذي تسبب في تصعيد الأمور إلى هذه النقطة؟

أحد عناصره هو الجدل حول الشيخ تميم، وعلاقته مع الكيانات التي تجتاح المملكة العربية السعودية، مثل إيران. لكن جزء آخر من ذلك يمكن في الواقع أن يُعزى إلى ترامب. ساعد دفئه الأخير تجاه البلاد، وتهميشه العدواني لإيران، على تمكين المملكة العربية السعودية من العمل أخيرًا على عدم ثقتها طويلة الأمد في قطر.

لذلك هناك نوع من الحقيقة في محاولة ترامب لاعتماد هذا الحدث. لكن يجب أن يكون واضحًا أن هذا كان نتيجة غير مقصودة. لم يتوقع هو ولا أحد في حكومة الولايات المتحدة أن يحدث هذا الأمر أو يُرِد أن يحدث. يوضح رده أنه لا يفهم كيف أن الانحياز ضد قطر يتعارض مع المصالح الأمريكية.

أعطى ترامب المملكة العربية السعودية الضوء الأخضر لتكون أكثر عدوانية

بدأت التوترات في وقت متأخر من الشهر الماضي، عندما نشرت وكالة الأنباء القطرية تصريحات تميم حول إسرائيل وإيران، والتي حرضت المملكة العربية السعودية. اعتبر أن إيران “قوة إسلامية”، ووصفت علاقات قطر مع إسرائيل بأنها “جيدة”.

هذا أزعج الزعماء السعوديين؛ لأنه أثنى على أكبر أعداء السعودية في المنطقة. تزعم قطر أن العبارات الحارقة كانت نتيجة لاختراق، لكن المملكة العربية السعودية لم تصدق. حجبت كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة وسائل الإعلام القطرية، بما في ذلك الخدمة الإخبارية الدولية القوية التي تقدمها قناة الجزيرة الفضائية، وانتقدت قطر في مؤسساتها الإخبارية الحكومية.

هذا الاشتباك لم يمنع تميم من اتخاذ خطوة شرسة أخرى بعد بضعة أيام. في محاولة لإثبات استقلاله عن الخط السعودي، حيث اتصل بروحاني الإيراني لتهنئته على إعادة انتخابه، رغم أنه كان يعلم أنه سيُبقي ضغينة في قلب الرياض. خلال ذلك الاتصال، ذكر أن روحاني دعا إلى “مزيد من التعاون” في المنطقة.

يرى جيران قطر منذ زمن طويل أنها داعمة للإرهاب في المنطقة، وتمول حكومتها قناة الجزيرة، التي كثيرًا ما تنتقد المملكة العربية السعودية ودول الخليج الفارسي الأخرى. غضب المملكة العربية السعودية والحكومة المصرية الحالية عائد إلى دعمها الإخوان المسلمين في انتفاضات الربيع العربي.

عام 2014، سحبت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين مؤقتًا سفرائهم من قطر بسبب دعمها للجماعة. لذا فأحدث التعليقات التي يُزعم أن الأمير أدلى بها هي مجرد جريمة أخرى من جرائمه في أعينهم.

مع ذلك، فتحرك المملكة العربية السعودية جريء بشكل لا يصدق. ربما جعل احترام ترامب مؤخرًا للبلاد، وكذلك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السعودية تشعر بأن لديها رخصة للقيام بأشياء ربما لم تكن مسموحة خلال إدارة أوباما.

مسبقًا، أبدى أوباما درجة من التناقض تجاه السعوديين، ولم يعطهم الحرية الكاملة للقيام بكل ما يرغبون به. كما أغضبهم بجهوده في الاتفاق النووي الإيراني، الذي رأى السعوديون أنه يعطي قدرًا كبيرًا من الحرية لمنافسيهم الإقليميين.

كان أوباما يُزعج السعوديين عندما قام بإبرام صفقة أسلحة كبيرة معهم قبل أن يغادر منصبه، بسبب عدم الموافقة على الطريقة التي كانوا يعالجون بها حربهم على اليمن. كما شعر السعوديون بالإذلال بسبب فشل أوباما في وقف إصدار التشريعات المُصممة لمساعدة عائلات ضحايا 11 سبتمبر على مقاضاة الحكومة السعودية.

على النقيض من ذلك، يقضي ترامب رئاسته حتى الآن بحزم حديدي ضد إيران، وهدد بالتراجع عن الاتفاق النووي. كما وافق على صفقة أسلحة بقيمة 110 مليار دولار مع السعودية، واستخدم أول رحلة له إلى المملكة العربية السعودية لقتل الأوتوقراطيين في المنطقة، ووعدهم أنه لن يكن هناك “محاضرة” لهم حول كيفية الحكم.

رد فعل ترامب على كل هذا يمكن أن يجعل الأمور أسوأ بكثير. تهدد تغريداته، التي تعني أن السعوديين تصرفوا بناء على طلبه، بأنه يضر مباشرة بعلاقات واشنطن مع قطر، من خلال احتمال تحول الصراع ما بين قطر والسعودية إلى صراع قطري أمريكي. إذا حدث ذلك، فهناك أسئلة ضخمة حول ما يمكن أن يحدث للحريات التي تمتلكها الولايات المتحدة مع جيشها هناك، وكيف ستكون قطر على استعداد للعب دور الوسيط مع الجماعات الإسلامية التي تحتاج الولايات المتحدة إلى التعامل معها.

بالطبع هناك الكثير من الشركاء الآخرين في الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، يسألون أنفسهم: هل يمكن أن نكون القادمين الذين يُلقون تحت الحافلة؟

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات