ماذا جنى ترامب من رحلته العالمية؟

ناشونال إنترست – التقرير

أشاد البيت الأبيض بالرحلة الأولى للرئيس للخارج، باعتباره انتصارًا ذا أبعاد تاريخية. لكن ماذا فعل دونالد ترامب فعلًا في أول مغامراته السياسة الخارجية؟

كانت هناك جرعات وافرة من الخطابات الرئاسية رفيعة المستوى، وكمية كبيرة من التبختر الرئاسي. لكن ما هو جوهر الزيارة؟ هل ساهمت الرحلة في تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، واستغلال الفرص الجديدة، وإبرام اتفاقات محتملة، أو إدارة علاقات معقدة مع الحلفاء؟

هل قدمت الرحلة أي إغاثة لرئاسة محاصرة جدًا؟ وفوق كل شيء، هل تعود أمريكا الآن إلى المسرح الدولي، كما يقول مؤيدو ترامب؟

هناك خمسة أسئلة سريعة تطرح نفسها. إنهم يقترحون بشدة أن الرحلة لم تكن “زيارة منزلية”، بل شملت العديد من الإنجازات.

  1. هل تغير المسار؟

باختصار، كانت الرحلة مُدبرة بشكل مدهش، نظرًا لتعقيدها. نادرًا ما يتوجه الرؤساء الأمريكيون إلى الشرق الأوسط (وهي المنطقة التي عادة ما تموت فيها الأفكار والخطط الأمريكية)، أو يشهدون حفل استقبال دافئ مثل الذي شهده ترامب في السعودية وإسرائيل.

استخدام هذه الرحلة لرفع الانتباه عن العوائق المحلية للإدارة كان من شأنه أن يكون حملًا ثقيلًا. يمكن للرؤساء أن يستخدموا السياسة الخارجية في محاولة تقسيم القوة، خلال فترة من الصعوبات المحلية. في أعقاب حرب أكتوبر 1973، مكّن نيكسون هنري كيسنجر من تسهيل الدبلوماسية العربية الإسرائيلية. في الواقع، توسط كيسنجر في ثلاث اتفاقيات فك ارتباط خلال ذروة فضيحة وترجيت.

لكن حينئذ، كانت هناك حاجة ملحة بسبب الحرب، وبالطبع كان نيكسون لديه كيسنجر. بالنظر إلى العالم القاسي الذي لا يرحم، الذي تواجهه الولايات المتحدة الآن، لا توجد بطولات قصيرة الأجل في الخارج يمكن أن تنقذ الرئيس.

في التعامل مع بوتين من كوريا الشمالية إلى سوريا، لا يوجد مرشحون واضحون للدبلوماسية التحويلية. في الواقع، بعض من هذه التحديات خلقت صدعًا بالفعل، ويمكن أن تضيف إلى مشاكل ترامب في بلاده. سيكون التشاور السري فيلمًا طويلًا، جنبًا إلى جنب مع تحقيقات الكونجرس، واستمرار التسريبات وقليل من الإنجازات التشريعية المتوقعة، وتغيير المسار، مهمة مستحيلة.

  1. ما الذي تم إنجازه بالفعل في المملكة العربية السعودية؟

ليس الأمر رائعًا كما يظهر. من غير المفاجئ إعلان الرئيس أن زيارته الأولى للمملكة العربية السعودية “تاريخية”. لكن عندما نتعمق، فهناك الكثير مما أُعلن مؤقت ومفتوح جدًا للتساؤل. أدرج البيت الأبيض في صفقة الأسلحة العديد من الأسلحة التي وافقت إدارة أوباما بالفعل على بيعها. تفاخر ترامب بـ “وظائف وظائف وظائف” التي ستخلقها أموال السعوديين في صندوق استثمار بقيمة 20 مليار دولار مع مجموعة “بلاكستون” حول البنية التحتية في الولايات المتحدة.

علاوة على ذلك، فالسعوديون مسلحون بالفعل، ولا يحتاجون إلى المزيد من هذه الأسلحة. كما أنه من غير المرجح أن يستخدمونها كجزء من “حلف الناتو العربي” الجديد، الذي يتحدث عنه السعوديون منذ سنوات، لكنهم اضطروا إلى الصمت خلال رحلة الحملة ضد التطرف الإسلامي المتطرف.

لم تُسهم المملكة وحلفائها العرب السُنة بأي شيء تقريبًا في هذه العمليات. ليس لأنهم لا يمتلكون القوة العسكرية، لكن بدلًا من ذلك، كان رمي كل هذه الأموال إلى مقاولي الدفاع الأمريكي والرئيس؛ لشراء نفوذ في واشنطن، وإثبات ولاء ترامب للأجندة السعودية.

عاد الرئيس من المملكة العربية السعودية بعدة وعود عن عزم المملكة المتجدد على محاربة التهديد الإرهابي الراديكالي المتطرف. يبقى أن نرى ما إذا كان السعوديون وحلفاؤهم السُنة سيقضون على مصادر تمويل الإرهابيين.

لكن ما هو مُرجح أن التأكيدات التي قدمها ترامب ستشجع السعوديين على أن يكونوا أكثر مواجهة لإيران، رغم أن لديهم القليل من الخيارات الجيدة للقضاء عن تأثير طهران في المنطقة. في الواقع، لم يمض وقت طويل على رحيل ترامب من المملكة العربية السعودية، حتى أصبح واضحًا أن الرياض وشركائها العرب السُنة يعتقدون أنها أعطت الضوء الأخضر؛ للقضاء بشكل أكبر على خصومهم المحليين (الذين غالبًا ما تُصنف على أنها إرهابية).

طالما أنك تحصل على مقابل مساوٍ أو أكبر، فلا بأس أن تغامر. لكن معاملات ترامب لم تحصل على شيء من شأنه أن يزيد تفوق الأولويات الأمريكية على إيران أو مكافحة الإرهاب. بدلًا من ذلك، انتقد قوة وسمعة الولايات المتحدة في النظام الاستبدادي المناهض لإيران، المناهض للشيعة والديمقراطية. كسب السعوديون تعاطف الرئيس إلى حد كبير، باستخدام الرواية القائلة بإن الولايات المتحدة تخلت عن أصدقائها في المنطقة، واسترضت أعدائها، وأن إيران هي جذر كل الشر في المنطقة.

 في واقع الأمر، جنت إدارة أوباما غضب السعوديين؛ لأنها لم تحارب الأسد، ولم تتوقف عن توريط العرب في انتهاكاتهم الفظيعة لحقوق الإنسان، ولم تتخل عن جهودها الرامية إلى نزع السلاح النووي من إيران؛ لتجنب أي احتمال آخر لحرب مدمرة في المنطقة. باختصار، حدث ذلك لأن الرئيس السابق وضع المصالح الأمريكية قبل المصالح السعودية، وتجرأ على الدفاع عن القيم الأمريكية في بعض الأحيان.

في الواقع، ما أظهره ترامب في المملكة العربية السعودية ليس القوة بل الضعف. من خلال الرقص (بالسيوف أو بدونها) على النغمة السعودية، خاطر ترامب بسحب هذا البلد إلى المزيد من المستنقعات، مثل اليمن وإثارة الصراع الطائفي في المنطقة، فضلًا عن العداء السعودي الإيراني.

  1. عملية السلام: هل هناك سلام؟

بالتأكيد ليس بعد. يتطلع ترامب إلى حل الصراع العربي الإسرائيلي، الذي يبدو مستعصيًا، كنوع من الانطلاقة الدبلوماسية. هذا دليل مثير للسخرية على كيف أصبح وضعه يائسًا. من المؤكد أن العناصر الجديدة في عملية السلام – رئيس جديد لا يمكن التنبؤ به – حظي بوضوح باهتمام العرب وإسرائيل، خاصة مع تشديد المواقف الأمريكية إزاء إيران، والدعوة إلى الرغبة في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فضلًا عن اتساق متزايد بين إسرائيل والعرب السُنة، وخاصة ردًا على نفوذ إيران المتصاعد.

ما هو غير مؤكد، ومشكوك فيه بصراحة، هو ما إذا كان أي من هذا كافٍ للتغلب على العقبات التي حالت دون حدوث انفراج في الصراع منذ السنوات. هناك عقبة تتبادر إلى الذهن، وهي عدم قدرة نتنياهو وعباس على اتخاذ القرارات المتعلقة بالقضايا الأساسية، مثل القدس والحدود والأمن، والتي من شأنها أن تسمح لوسيط بسد الثغرات. يواصل ترامب الحديث عن “الصفقة النهائية”، التي يعني بها اتفاق سلام نهائي. لكن ليس هناك أي دليل تجريبي (حتى الآن) أن إسرائيل أو الفلسطينيين على استعداد للقيام بذلك.

ما يمكن تخيله هو نوع من العملية المؤقتة، التي يتخذ فيها الإسرائيليون والفلسطينيون سلسلة من تدابير بناء الثقة المتبادلة. كما هو الحال، ستتواصل دول الخليج مع إسرائيل بإشارات خاصة بها، بما في ذلك التوسع في الاتصالات. لكن حتى هذا يعد امتدادًا؛ لأنه حتى لو بدأت العملية، فمن غير الواضح إلام ستؤدي. المفاهيم الإسرائيلية والفلسطينية لكيفية إنهاء الصراع تتباين إلى حد بعيد، ويرفض ترامب حتى الآن تأييد الفرضية الأساسية لحل الدولتين. بناء على ما نراه الآن، لم يعرب رئيس الولايات المتحدة أبدًا عن ثقته في اتفاق ينهي الصراع، مع احتمال ضئيل جدًا في تحقيق هدف واحد.

  1. هل طمأن ترامب الحلفاء الأوروبيين؟

بالكاد. بينما في أوروبا، تصرف ترامب مثل الثور. كان حلفاؤنا الأوروبيون في غاية الصدمة بسبب رفض ترامب التأكيد على التزام أمريكا الأمني ​​بحلفائها في حلف الناتو. بدلًا من ذلك، استيقظ رؤساء دول حلف الناتو على لسان ترامب يرقص على إنفاقهم الدفاعي غير الكافي. هذا قصر النظر، كما أشار العديد من المحللين، وخطأ على العديد من المستويات.

المشكلة الأكبر أن ترامب يقترب من التحالف، ويبدو أنه يعتقد أن الولايات المتحدة تُسدي خدمة لأوروبا بالدفاع عنها.

حلفاؤنا الأوروبيون ليسوا مقاولين أو سباكين يمكننا تعنيفهم أو التسلط عليهم، وخاصة من الرئيس الذي أساء لأمريكا وقلل من احترامها في أوروبا، علاوة على كونه ضعيفًا وغير شعبي في بلاده. حلفاؤنا حكومات ذات سيادة، يتعين عليهم التعامل مع جمهورهم وبرلماناتهم المحلية، التي لا تكتب نوع الشيكات الفارغة إلى قواتها العسكرية، كالتي توقعها الولايات المتحدة على نفسها.

تدافع أمريكا عن أوروبا، ليس من قبيل الصدقة كما يبدو أن ترامب يعتقد، لكن لأن ذلك أمر حيوي للأمن الأمريكي لمنع بلد معاد من تأسيس هيمنته على المنطقة. ومن المهم بنفس القدر أن يكون هناك شركاء مستعدون، مثلما أظهر حلف الناتو والاتحاد الأوروبي على مر السنين، لمواجهة التحديات العالمية بالتعاون مع الولايات المتحدة.

ترامب على حق في أن حلفائنا الأوروبيين بحاجة إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم، لكن انتقاده لإنفاقهم الدفاعي المنخفض قد يُقلل منه أكثر. لكن الأهم من ذلك، أن يُنفق الحلفاء بشكل أكثر حكمة وفعالية على الدفاع، وأن نهج ترامب الثقيل قد فعل الكثير لتقويض الثقة المتبادلة والتضامن الضروريين لوحدة التحالف وفعاليته.

عليك فقط التأكد من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي قالت – بعد الاستماع إلى مواقف ترامب بشأن الناتو وروسيا والتجارة وتغير المناخ – في نهاية الأسبوع، إن أوروبا يجب أن تأخذ مصيرها بأيديها.

  1. هل عادت أمريكا؟

لا، أمريكا تعطي العالم ظهرها. أشار بعض ممن أشادوا بهذه الرحلة، إلى أن الولايات المتحدة عادت الآن إلى المسرح العالمي، في تناقض صارخ مع ما يعتقدون أنه تخلي من أوباما عن القيادة. يشير آخرون إلى أن رحلة ترامب حددت بوضوح أكثر من هم أصدقاء وأعداء أمريكا، وأصبحت الآن في وضع أفضل على الساحة العالمية.

لكن لا يزال من غير الواضح ما يعنيه هذا حقًا. بعيدًا عن الخطب والتبختر، فالتأكيد على القيادة الأمريكية يعني الحصول على الأشياء الهامة التي يتم القيام بها من طرف واحد، أو على المستوى الثنائي أو المتعدد الأطراف مع الحلفاء والشركاء؛ لاستباق أو حل المشاكل، ودعم الأصدقاء واحتواء الخصوم في خدمة المصالح الأمريكية.

جعل ترامب بالتأكيد السعوديين والإسرائيليين يشعرون على نحو أفضل، لكن في الوقت نفسه، قال إنه لا يبدو أنه جنى أي مكاسب فورية في المقابل. في أوروبا، ألحق ترامب أضرارًا جسيمة بعلاقات أميركا، وأزعجهم، على الأقل، وزاد عدم ارتياحهم. في الواقع، إذا كان ترامب يريد أن يُعيد أمريكا مرة أخرى، لماذا يريد بلا هوادة تقويض بنية الأمن وسياسات التحالف التي تهدف إلى التأثير على النفوذ الأمريكي في العالم؟

من الواضح أن إحدى الرحلات الرئاسية لا تعبر عن سياسة خارجية متماسكة ومنتجة. لكننا لن نُفاجأ إذا لم يكن ترامب متواجدًا قريبًا. في الواقع، قد يكون السفر وكل الاهتمام أكثر متعة بكثير مما توقع ترامب، وخاصة الطريقة التي استُقبل بها في السعودية وإسرائيل، والفرحة المؤذية التي يبدو أنه يجدها في إزعاج الأوروبيين.

الآن بعد أن عاد، قد يأتي الرئيس لتقدير أكثر من ذلك أن العالم وراء شواطئ أمريكا – مهما كان التحدي – هو بالتأكيد أقل قسوة وأكثر تسامحًا من تلك التي يواجهها هنا في البلاد.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات