ماذا إن رأيت شخصًا يحاول الانتحار؟

ذا ويك – التقرير

ربما كنت ذلك النوع ممن سيحاولون التحدث إلى الغريب المُضطرب؛ لإقناعه بالعدول عمّا يفكر فيه. ربما تتخذ رد فعل أكثر قوة جسديا، كأن تقيد الغريب لمنعه من إيذاء النفس. ربما تستدعي الشرطة أو الخط الساخن ليتولوا هم مهمة منع الانتحار.

أو ربما لن تفعل شيئًا على الإطلاق. هذا ما فعلته أنا.

وقعت عيني للمرة الأولى على ذلك الرجل، لفت نظري لأنه كان يرتدي سترة برتقالية زاهية. كان يبدو في أواخر العشرينيات أو أوائل الثلاثينيات، إنه فقط شخص مُتعب بين تروس مدينة نيويورك، يستقل معي نفس عربة المترو إلى المنزل. عندما نهض الرجل وتوجه نحو الباب الذي يفصل بين العربات، توقف في المسافة الخالية بين العربتين، هنا أدركت على الفور أن هناك شيء ما خاطئ.

رغم العلامات التحذيرية من العبور بين العربات، إلا أن الناس يمرون فعلًا بين عربات المترو إلى حد ما في نيويورك. معظم الوقت، ينتقل هؤلاء الناس إلى السيارة الأخرى في أسرع وقت ممكن. لكن هناك بالتأكيد الباحثين عن الإثارة، الذين يحبون التجول بين السيارات. هذا الرجل لا تظهر عليه أي علامة للمتعة. إن كان هناك أي شيء يظهر عليه، فهو أنه بدا مستاءً أو يفكر بعمق.

كان قطارنا تحت الأرض في مانهاتن عندما انتقل الرجل بين العربات، لكنه سرعان ما خرج من النفق وصعد جسر مانهاتن، فيما لا زال الرجل واقفًا لم يتزحزح. بينما اقتحم وهج النهار عُتمة القطار، وبدد معه الصراع الطويل داخل الرجل، ليبدأ الجميع في العربة، والذين لم ينتبهوا من قبل، في مراقبة ما كان يفعله. نهضت المرأة الجالسة بجواري، بدأت في التحرك بعيدًا عن الرجل. بينما تقودها قدماها بعيدًا، تعلّقت عيناها بلهفة بالرجل، ورمقته من فوق كتفيها.

عند هذه النقطة، كنت أبحث بشكل محموم داخل القطار في محاولة لمعرفة كيف يتفاعل الجميع مع ما يحدث. جزء مني كان يحاول أيضًا تبرير أن هذا أمر طبيعي -الناس تتجول بين العربات طوال الوقت، أليس كذلك؟- لكن الأعين المرتعبة والمتسعة في أوجه الجميع حولي وشت بأنهم كانوا يفكرون في الشيء نفسه الذي كنت أفكر فيه.

الرجل كان يفكر في القفز.

هناك عدد من الخيارات تومض داخل عقلي. قطارات نيويورك لديها أزرار مكالمة حمراء للاتصال بقائد القطار، ربما يمكنني الضغط عليها وسؤاله عمّا يجب القيام به. ولأن القطار كان يسير فوق سطح الأرض، التقط هاتفي الإشارة، كان بإمكاني الاتصال بشرطة نيويورك أو الخط الساخن لمنع الانتحار؛ كي يُرشدونني. كان يمكن للركاب أيضًا طلب التوقف الطارئ، إلا أنني خشيت إذا توقف القطار، أن يصاب الرجل بالذعر ويندفع إلى الأسوار المعدنية الواهية على أي من جانبيه.

الأهم من ذلك كله، أنني وجدت نفسي أتساءل بأنانية: إن كان هناك شيء صحيح يجب القيام به، ألا يمكن لأي شخص آخر أن يفعله؟

بدلًا من التصرف بنفسي، واصلت الصمت مثل الآخرين في القطار -الأمهات، رجل أعمال، مجموعة من النساء في نفس عمري. تواصلت معهم بصمت بعيني، أحثهم على التصرف برجاء. إلا أنني في النهاية لم أفعل شيئًا، حتى عندما رأيت الرجل يتدحرج ويفحص الفجوة المعدنية الواهية التي تحفظه آمنًا من أي إصابة أو حتى الموت.

بعد ذلك، بعد مرور لحظة مرعبة ظننت فيها أنه سقط بالفعل، رأيته الرجل يستقيم ويمر إلى العربة التالية.

تركني هذا الوقف ارتجف، منزعجًا مما كنت أراه، وخائفًا كذلك مما تعلمته عن نفسي. أدركت أنني من ذلك النوع الذي يُطلق عليه علماء النفس “المتفرج”، أي الشخص الذي لا يتدخل عند رؤية شخص ما في ورطة، مفترضًا أن شخصًا آخر سيفعل.

أكثر الحالات شهرة لتأثير “المتفرج” هي اغتصاب وقتل كيتي جينوفيز في نيويورك عام 1964. بعد وفاتها، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن ما يصل إلى 38 شاهدًا سمعوا صراخ جينوفيز طلبًا للمساعدة لكن لم يأت أحد لمساعدتها أو استدعاء الشرطة.

بينما تتضارب الأقوال حول كم من الناس بالضبط لم يبالوا بصراخ جينوفيز، وعمّا إذا كانت الشرطة استجابت أم لا، إلا أن تأثير المتفرج حقيقي جدًا. لا يزال من غير المألوف أن نسمع قصصًا عن تعرض الناس للضرب أو للهجوم أثناء تجمّد المتفرجين أو تسجيلهم الفيديو على هواتفهم أو رفضهم التدخل.

عالمي النفس بيب لاتاني وجون دارلي كانا أول من أثبتا رسميًا ظاهرة “المتفرج”. أجرى الثنائي سلسلة من التجارب توضح مشاركة الجميع في مسؤولية قتل جينوفيز. في إحدى تلك الدراسات، طُلب من 72 طالبًا مناقشة موضوع من مقصورات خاصة، حيث لا يمكنهم معرفة من يتحدث أو يستمع إليهم، ثم يقوم شخص ما بإدعاء الإصابة بنوبة في الغرفة.

في حالة أن يكون الطالب وحده مع الشخص الذي لديه “النوبة”، 85% من الحالات هرع خارج الغرفة لطلب المساعدة. لكن عندما تواجد أربعة مشاركين في الغرفة، انخفضت فرصة حصول شخص ما على المساعدة إلى 31% فقط.

وجدت دراسات حديثة أن تأثير المتفرج يمكن أن يُلاحظ حتى في سن 5 سنوات، خَلُص الباحثون إلى أن “تشارك المسؤولية فقط، وليس الإحساس الاجتماعي أو الخجل، هو ما تسبب في انخفاض إقبال الأطفال على اتخاذ خطوة للمساعدة”. في التسعينيات، علمت وزارة العدل أن دومًا هناك طرف ثالث شاهد على 70% من الاعتداءات، و52% من السرقات، و29% من الاعتداءات الجنسية أو الاغتصاب.

لكن “المتفرج” ليس شخصًا سيئًا –كما تقول الدراسات- فمن الطبيعي تمامًا أن نشعر بالذعر إزاء المسؤولية المفاجئة وغير المتوقعة التي يمكن أن تنقذ حياة شخص ما. لكن معظم الناس ببساطة لا يتوقعون أن يكونوا في مثل هذه الحالة في المقام الأول، ما يعني أنه يفاجئ، ولا يعرف كيفية التصرف. نتيجة لذلك، يتجمد ببساطة.

أحد المدونين يفترض أنك تستطيع منع ذلك من خلال اتخاذ قرار مسبق عما ستفعله في مثل هذه الحالة، تمامًا كما يتدرب الناس في الإنعاش على كيفية “التعرف على حالة الطوارئ وتولي المسؤولية”. “سيكولوجي توداي” تقول إن “عليك افتراض أنه طالما لم يتقدم أحد إلى الأمام، إذًا عليك أنت السيطرة، من خلال تحديد مهام فردية مباشرة للناس، مثل: أنت في القميص الأحمر، استدع القائد”، بذلك يمكنك “انتشال” الناس من الخمول أو نشوة التطفل و”تحفيزهم” على التفاعل.

تضيف: “في كثير من الحالات حيث يعاني الناس من أزمة أو حالة طوارئ طبية، بمجرد أن يتخذ شخص ما خطوة إلى الأمام ويبدأ في المساعدة، يستجيب الآخرون عادة ما بالمثل”.

في حين أن هناك عدد قليل نسبيا من الحملات لمحاولة شحذ ردود فعل الناس على مثل هذه الأزمات، محاولة واحدة في كندا عام 2015 استخدمت وسم #WhoWillYouHelp؛ لتشجيع المارة للتدخل عند مشاهدة الاعتداءات الجنسية. كما أوصت دراسة المتفرج على الأطفال أيضًا بأن “التدخل من أجل تعزيز المساعدة في الحالات من نوع المتفرج ينبغي أن تُعالج مسألة تشارك المسؤولية في مرحلة مبكرة من التربية”.

يومًا ما كنت على الجانب الآخر. قبل سنوات، تعرضت لتهديد شديد ومطاردة من قِبل رجلين على متن القطار، ركضا خلفي بين العربات كما حاولت الابتعاد. عندما صحت بصوت عال عليهم ليتركاني وشأني، ونظرت حولي لمن هم على متن القطار؛ أسألهم لمساعدتي، الرجال والنساء على حد سواء تجنبوا النظر في عيني. اضطررت في نهاية المطاف إلى النزول من القطار، والفرار إلى كشك الشرطة لحماية نفسي.

بعد ذلك، شعرت بسخرية كبيرة من حقيقة أن أحدًا لم يقف للدفاع عني.

لذا اسأل نفسك: ماذا ستفعل إذا رأيت شخص غريب يفكر في الانتحار؟ شخص غريب يتعرض للهجوم؟ شخص غريب يسألك المساعدة؟ ضع خطة الآن حتى تكون على استعداد لتتصرف. استبق أرقام الخط الساخن والطوارئ محفوظة على هاتفك الخاص؛ حتى تكون في متناول اليد إذا -وعندما- يحدث شيء.

لأنك لا تعرف متى قد يحتاج الآخرون للقيام بنفس الشيء بالنسبة لك.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات