مؤرخ: الإنسان العاقل سيختفي خلال قرن

الغارديان – التقرير

الأسبوع الماضي، في برنامجه الصباحي عبر موجات الراديو، قرأ كريس إيفانز الصفحة الأولى من كتاب “سابينز” للمؤرخ يوفال نوح هراري. رغم أن شهية جماهير البرنامج في مثل هذا الوقت من الصباح لا تكون مفتوحة عادة لاستقبال الأحاجي الفكريّة، إلّا أن إيفانز شذّ عن القاعدة، وقال: “الصفحة الأولى هي أكثر صفحة أولى مذهلة في جميع الكتب”.

كان هذا الخروج عن المألوف رائعًا، فكتاب “سابينز” كُتب عليه كعنوان فرعي “تاريخ موجز للبشرية”، كامتداد لأعمال العالم الكبير ستيفن هوكينج. بطريقة نثرية واضحة، كتب هراري في تلك الصفحة الأولى تاريخا مكثفا للكون، يليه ملخص لأطروحة الكتاب: كيف أثرت الثورات المعرفية والزراعية والعلمية على البشر والكائنات الأخرى؟

هذه مقدمة جريئة مبهرة، وهي التي أسست إلى كل صفحة من باقي الكتاب. على الرغم من أن كتاب “سابينز” تلقي الكثير من الإشادة على نطاق واسع، حتى أن بعض النقاد رأوا أنه شامل جدًا. ربما، ولكنه مُبهج جدًا للعقول.

إنه واحد من تلك الكتب التي تجعلك تشعر أنك أكثر ذكاءً عند قراءتها. وخضع كل من باراك أوباما وبيل غيتس لهذه التجربة، مثلما فعل الكثيرون في حشد دافوس ووادي السيليكون. لسخرية القدر ربما، أن أحد تحذيرات الكتاب هو أننا في خطر من أن نكون مجتمع عالمي يهيمن عليه النخبة.

في وسط الكتاب ذُكرت نقطة الخلاف حول ما العوامل التي جعلت الإنسان العاقل “الهومو سابينس” الأكثر نجاحا بين جميع أنواع البشر على مر التاريخ، متفوقًا على فصائل أخرى مثل الإنسان البدائي “نياندرتال”. أهم تلك العوامل هو أننا نتشارك في عدة أشياء، مثل الاعتقاد في أفكار مشتركة. يقول هراري إن الأديان والأمم والمال هي كل الأفكار البشرية التي مكنتنا من التعاون والتنظيم على نطاق واسع.

نُشر الكتاب باللغة العبرية عام 2011، وتُرجم إلى اللغة الإنجليزية بعد ثلاث سنوات وأصبح أكثر الكتب مبيعا حول العالم. كما يجمع بين العديد من التخصصات، فهو يجمع بين الفهم الدقيق للتاريخ، الأنثروبولوجيا، علم الحيوان، علم اللغة، الفلسفة، اللاهوت، الاقتصاد، علم النفس، وعلم الأعصاب وغيرهم الكثير.

ومع ذلك، مؤلف هذا الكتاب الرائع هو مؤرخ شاب، كانت مسيرته المهنية، حتى تلك اللحظة، مخصصة للركود الأكاديمي النسبي في التاريخ العسكري في القرون الوسطى. على ما يبدو، يرتكز “سابينز” على دورة تمهيدية لتاريخ العالم كان على هراري تدريسها، بعد أن تهرّب منها زملائه الكبار. تقول القصة إن الناشرين الرئيسيين لم يكونوا مهتمين ولم يتحفزوا له، لم يتنبأ أحد بصعود نجم هراري.

في العام الماضي، نشر هراري ملحقًا بالمملكة المتحدة، بعنوان “هومو ديوس: لمحة موجزة عن الغد”، ليصبح أكثر الكتب مبيعا هو الآخر. يطور الملحق العديد من الموضوعات التي تم استكشافها في “سابينز”، وبصفة خاصة يدرس التأثير المحتمل للابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي على الإنسان العاقل، والذي قد يبشر ربما ببداية شكل بيوني جديد أو شبه محوسب للإنسان.

على غرار الكتاب، فالملحق أيضًا مبهج للعقل، فهو يأخذ القارئ عميقًا لعدة تساؤلات حول الهوية والوعي، والصراع مع أنواع الخيارات والمعضلات التي قد يقدمها لنا عالم آلي بالكامل.

هراري، البالغ الآن 41 عامًا، نشأ في أسرة يهودية علمانية في حيفا. درس التاريخ في الجامعة العبرية في القدس وأكمل دراسته في أكسفورد. هراري نباتي ويخصص ساعتين في اليوم للتأمل، ويدخل عادة في خلوات طويلة، تساعده –كما يقول- على التركيز على القضايا المهمة حقا. يعيش هراري مع زوجته في موشاف، وهي قرية زراعية خارج القدس، ويقول إن مثلية الجنس، ساعدته على التشكيك في الآراء المطلقة. “لا شيء يجب أن يؤخذ كأمر مفروغ منه، حتى لو كان الجميع يؤمن به”.

أحد الأمور الممتعة في قراءة كتبه هو أنه يدعو القراء باستمرار، سواء بشكل صريح أو ضمني، للتفكير فيما نعرفه وما نعتقد أننا نعرفه.

يكتب هراري ويتحدث كرجل لا يشعر بالضيق. إذا كان هذا يجعله متعجرفا، اسمحوا لي أن أوضح: أنه يصل إلى استنتاجاته بعد قدر كبير من البحث والتأمل. ومع ذلك، بمجرد أن تتولى الأدلة مهمة إقناعه واتخاذ القرارات، إلا أنه لا يُرهق نفسه لإقناع القارئ.

طلبنا من الشخصيات العامة والقراء أن يطرحوا أسئلة على هراري، جاء كثير منها بطبيعة أخلاقية وتسعى للحصول على إجابات حول ما يجب القيام به، وليس حول ما حدث، باعتباره مؤرخ للماضي البعيد والمستقبل القريب، إليكم الأسئلة وإجاباتها من هراري.

هيلين تشيرسكي، فيزيائية، قالت: “إننا نعيش عولمة سريعة خيالية. هل ستكون هناك ثقافة عالمية واحدة في المستقبل أم سنحافظ على نوع من التجمعات القبلية الاصطناعية المتعمدة؟”.

هراري: “أنا لست متأكدا مما إذا كان سيكون متعمدا، ولكني أعتقد أننا سوف نكون نظامًا واحدًا فقط على الأرجح، وبهذا المعنى سيكون لدينا حضارة واحدة فقط. في جميع أنحاء العالم، يتطابق النظام السياسي للدول تقريبًا. في جميع أنحاء العالم النظام الرأسمالي هو النظام الاقتصادي المهيمن، وفي جميع أنحاء العالم يُعد المنهج العلمي هو المنطلق الأساسي الذي يفهم الناس من خلاله الطبيعة والمرض وعلم الأحياء والفيزياء وهكذا. لم تعد هناك أي اختلافات حضارية أساسية.

تساءل أندرو أنتوني: “هل تقول إن فرانسيس فوكوياما الذي تعرض للكثير من الافتراءات، كان محقًا في تحليله لنهاية التاريخ؟”

هراري: “ذلك يعتمد على كيفية فهمنا لنهاية التاريخ. إذا كنت تعني نهاية الاشتباكات الأيديولوجية، إذن لا. لكن إذا كنت تعني خلق حضارة واحدة تشمل العالم كله، فأنا أعتقد أنه كان محقًا إلى حد كبير”.

الكاتب المسرحي لوسي بريبل: “ما هي أكبر فكرة خاطئة لدى البشرية عن نفسها؟”

هراري: “ربما هو أنه من خلال كسب المزيد من السلطة على العالم والبيئة، سنكون أكثر قدرة على جعل أنفسنا أكثر سعادة وارتياحا. إذا أعدنا النظر مرة أخرى عبر الآلاف السنين، فقد اكتسبنا قوة هائلة على العالم، ولا يبدو أن هذا جعل الناس أكثر ارتياحا مما كانوا عليه في العصر الحجري”.

تساؤل جاء عن طريق الإنترنت: “هل هناك احتمال حقيقي بأن يؤدي التدهور البيئي إلى وقف التقدم التكنولوجي؟”

هراري: “أعتقد أنه سيكون عكس ذلك تمامًا. فكلما ازدادت حدة الأزمة الإيكولوجية، فإن الضغط من أجل التطور التكنولوجي سيزداد، ولن ينقص. كما أعتقد أن الأزمة الإيكولوجية في القرن الحادي والعشرين ستكون مماثلة للحربين العالميتين في القرن العشرين، وستتطلب التعجيل في التقدم التكنولوجي.

طالما أن الأمور على ما يرام، والناس سوف تكون حذرة جدا في تطوير أو تجريب الهندسة الوراثية على البشر أو إعطاء السيطرة للذكاء الاصطناعي. لكن إذا كان لديك أزمة خطيرة، مثل التدهور البيئي، إذن سيميل الناس لمحاولة تطوير تكنولوجيات عالية على أمل حل المشكلة، وسيكون لديك شيء مثل مشروع مانهاتن في الحرب العالمية الثانية”.

الكاتب أندرو سولومان: “ما الدور الذي تلعبه الأخلاق في عالم مستقبلي من الذكاء الاصطناعي والحياة الاصطناعية والخلود؟ هل سيظل التطلع إلى القيام بما هو جيد وصحيح يحفز الكثيرين؟”

هراري: “أعتقد أن الأخلاق أكثر أهمية الآن من أي وقت مضى. فبينما نحصل على المزيد من القوة، تصبح مسألة ما نفعله أكثر أهمية. مستقبل النظام البيئي بأكمله ومستقبل الحياة كلها في أيدينا الآن حقا. وما يجب القيام به هو سؤال أخلاقي وأيضا مسألة علمية.

لنعطي مثالا بسيطا: ماذا يحدث إذا قفز العديد من المارة أمام سيارة ذاتية القيادة، وعليها أن تختار بين قتل خمسة من المارة أو الذهاب إلى الجانب الآخر وقتل مالكها؟ الآن لدينا مهندسون متخصصون في إنتاج السيارات ذاتية القيادة وهم في حاجة للحصول على إجابة هذا السؤال. لذلك أنا لا أرى أي سبب للاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي أو الهندسة الحيوية سوف تجعل الأخلاق أقل أهمية من ذي قبل”.

المؤلف مات هيج: “بعدما قرأت كتابك، تساءلت لماذا نحن البشر الحيوان الوحيد الذي يعاني من هاجس التقدم. هل ينبغي لنا أن نقاوم فكرة المستقبل باعتبارها فكرة تقدم تكنولوجي لا مفر منها وأن نخلق نوعا مختلفا من المستقبل؟”

هراري: “لا يمكنك وقف التقدم التكنولوجي، حتى لو توقفت إحدى البلدان عن البحث عن الذكاء الاصطناعي، فإن البلدان الأخرى ستواصل القيام بذلك. السؤال الحقيقي هو ما يجب القيام به مع التكنولوجيا. يمكنك استخدام نفس التكنولوجيا لأغراض اجتماعية وسياسية مختلفة تمامًا. إذا نظرنا إلى القرن العشرين، سنرى أنه مع نفس تكنولوجيا الكهرباء والقطارات، أمكننا إنشاء ديكتاتورية شيوعية أو ديمقراطية ليبرالية. نفس الأمر مع الذكاء الاصطناعي والهندسة الحيوية. لذلك أعتقد أنه ينبغي ألا يركز الناس على مسألة كيفية وقف التقدم التكنولوجي لأن هذا أمر مستحيل. بدلا من ذلك يجب أن يكون السؤال هو كيف سنستخدم التكنولوجيا الجديدة؟ ولا يزال لدينا الكثير من القوة للتأثير على الاتجاه الذي سنسلكه”.

سارة شوبينسكي: “هل سيجد البشر دائما أسبابًا لكراهية بعضهم البعض، أم تصدق رؤية ستيفن بينكر بأن المجتمع أقل عنفا بكثير مما كان عليه، وأن هذا الاتجاه سيستمر؟”

هراري: “أنا أميل إلى الاتفاق مع ستيفن بينكر. إننا نعيش الآن في الحقبة الأكثر سلاما في التاريخ. هناك عنف بالتأكيد، أنا أعيش في الشرق الأوسط وأعرف هذا جيدا. لكن نسبيا، العنف أقل من أي وقت مضى في التاريخ. أعداد من يموتون اليوم جرّاء تناول الطعام أكثر بكثير ممن يموتون من العنف البشري، وهو إنجاز رائع حقا. لا يمكننا أن نكون واثقين بشأن المستقبل، ولكن بعض التغييرات تجعل هذا الاتجاه يبدو قويا. أولا وقبل كل شيء، هناك خطر الحرب النووية الذي ربما كان السبب الرئيسي لتدهور الحرب منذ عام 1945، ولا يزال هذا التهديد قائما. وثانيا، لديك التغيير في طبيعة الاقتصاد، وهو تحول الاقتصاد من كونه اقتصاد قائم على المواد إلى الاقتصاد القائم على المعرفة.

في الماضي، كانت الأصول الاقتصادية الرئيسية مادية، مثل حقول القمح ومناجم الذهب. لذلك كانت الحروب منطقية؛ لأنك يمكن أن تُثري نفسك بشن الحرب ضد جيرانك. أما الآن فإن الأصول الاقتصادية الرئيسية هي المعرفة، ومن الصعب جدا التغلب على المعرفة بانتهاج العنف. معظم الصراعات الكبيرة في العالم اليوم لا تزال في تلك المناطق مثل الشرق الأوسط، حيث المصدر الرئيسي للثروة المادية، مثل النفط والغاز”.

المذيع إستر رانتزن: “قلت إن ميلنا لخلق مفاهيم مجردة مثل الدين، والجنسية وغيرها هو ما ميزنا عن سائر أنواع البشر عبر التاريخ. إلا أن تلك المفاهيم أيضًا ذريعة للحروب التي قد تدمرنا، هل هي مصدر قوة أم ضعف؟”

هراري: “من حيث القوة، فمن الواضح أن هذه القدرة جعلت الإنسان العاقل الحيوان الأقوى في العالم، ومنحنا السيطرة على الكوكب بأكمله. أما أخلاقيًا، والتساؤل حول مدى سوء تلك المفاهيم من عدمه، فهذا سؤال أكثر تعقيدا. القضية الرئيسية أنه لأن سلطتنا تعتمد على الخيال الجمعي، فنحن لسنا جيدين في التمييز بين الخيال والواقع. البشر يجدون صعوبة في معرفة ما هو حقيقي وما هو مجرد قصة خيالية في عقولهم، وهذا يسبب الكثير من الكوارث والحروب والمشاكل.

إن أفضل اختبار لمعرفة ما إذا كان الكيان حقيقيا أم خياليا هو اختبار المعاناة. الأمة لا يمكنها أن تعاني، أو أن تشعر بالألم أو الخوف؛ لأنها لا تملك أي مشاعر، حتى إن خسرت حربًا، فمن سيعاني هم الجنود والمدنيون، ولكن الأمة نفسها لا يمكن أن تعاني. وبالمثل، فإن الشركة لا يمكن أن تعاني، عندما يفقد الجنيه الإسترليني قيمته، فإنه لا يعاني. كل هذه الأشياء، مجرد الخيال. إذا كان الناس يضعون في اعتبارهم هذا التمييز، فإنه يمكن تحسين الطريقة التي نعامل بها بعضنا البعض. ليست فكرة جيدة أن نسبب المعاناة لكيانات حقيقية لخدمة مفاهيمنا الخيالية”.

سؤال آخر: “ولكن هذا الخيال غالبا ما يلهمنا للقيام بأشياء عظيمة. هل يمكن لرؤية غير واقعية أن تخلق نفس الدافع؟”

هراري: “نحن بالتأكيد بحاجة إلى بعض الخيال، ولكننا بحاجة إلى استخدام هذا الخيال لخدمتنا بدلا من خدمته هو. هناك تشبيه جيد بلعبة كرة القدم، فقوانين اللعبة خيالية من خلق البشر، ليس هناك شيء في الطبيعة بفرض قوانين اللعبة. طالما تتذكر أن هذه مجرد قوانين اخترعها الناس، إذن يمكنك أن تلعب. أما إن قررت التخلي تماما عن هذه القوانين باعتبارها خيالية، لن يمكنك لعب كرة القدم.

Professor Mark Post shows the world’s first lab-grown beefburger in London, August 2013.

لذلك أنا بالتأكيد لا أوصي الناس بالتوقف عن استخدام كل هذه الكيانات الخيالية. لا يمكن أن يكون لديك اقتصاد واسع النطاق إذا كنت لا تستخدم المال. ولكن يمكنك استخدام المال بنفس الطريقة التي تستخدم بها قوانين كرة القدم. تذكر أن كل هذا من صنعنا. وبالمثل ليس هناك أي خطأ -من حيث المبدأ- في وجود مشاعر ولاء تجاه أمة بعينها، ولكن إن نسينا أنها من صنع الإنسان، سنضحي بالملايين من الناس”.

دومينيك كيري: “هل العاطفة عيب كبير في تطور الإنسان؟ هل ستكون المعاناة النفسية مستقبلنا؟”

هراري: “لا أعتقد ذلك. أولا وقبل كل شيء، إذا كان الأمر كذلك، فسيكون مستقبل فظيع تماما. لكن لو تركنا الجانب الأخلاقي ونظرنا من الناحية العملية، فالقوة البشرية تأتي من التعاون، والمرضى النفسيون ليسوا جيدين جدا في التعاون. نحتاج إلى التعاطف والرحمة، نحتاج إلى القدرة على الفهم والتعاطف مع الآخرين من أجل التعاون معهم بشكل فعال. لذا، حتى لو تركنا جانبا كل المسائل الأخلاقية، ما زلت لا أعتقد أن التعاطف سيئ بالنسبة لنا أو أن المرضى النفسيين هم مستقبل البشرية”.

سؤال آخر: “أنت ترى أن الإنسانية هي نتاج الرأسمالية. هل هي جزء لا يتجزأ من الرأسمالية؟”

هراري: “هناك صلات وثيقة بينهما، ولكن لا أعتقد أنه لا يمكن فصلهما. يمكننا بالتأكيد إيجاد طرق أخرى في القرن الحادي والعشرين. إن أحد الأخطار الكبيرة التي نواجهها هو فصل الرأسمالية عن النزعة الإنسانية، خاصة من النزعة الإنسانية الليبرالية. في العقود الأخيرة كان السبب الرئيسي الذي جعل الحكومات في جميع أنحاء العالم تحرر سياساتها واقتصادياتها، ليس لأنهم مقتنعون بالحجج الأخلاقية للإنسانية، بل لأنهم يعتقدون أنها ستكون جيدة للاقتصاد الرأسمالي.

الآن الخوف هو أنه في القرن الحادي والعشرين الرأسمالية والإنسانية سيتم فصلهما، ويمكن أن يكون لديك اقتصادات متطورة جدا ومتقدمة دون أي حاجة لتحرير النظام السياسي الخاص بك أو لإعطاء الحرية للاستثمار في تعليم ورفاهية الجماهير”.

الكاتب والمعالج النفسي فيليبا بيري: “هل كان الانتقال من الصيد إلى الزراعة خطأ؟ إذا كان الأمر كذلك، كيف يمكننا الاستفادة من ذلك الآن؟”

هراري: “ذلك يعتمد على وجهة نظرك. إذا كنت تتحدث من وجهة نظر فرعون أو الإمبراطور الصيني القديم، فهي كانت فكرة جيدة جدا. إذا نظرت إليها من وجهة نظر زوجة المزارع البسيطة في مصر القديمة، سيبدو الأمر فكرة سيئة للغاية. إذا نظرت إليها من منظور الطبقات الوسطى في المجتمعات الغنية اليوم، مرة أخرى ستبدو فكرة جيدة جدا. إذا نظرت إليها من وجهة نظر شخص في بنجلاديش يعمل 12 ساعة في اليوم في متجر، مرة أخرى سيبدو وكأنه فكرة سيئة.

لا توجد مطلقًا أية وسيلة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لنعيد 8 مليار شخص للعيش كصيادين. لذا فإن السؤال هو كيف نحقق أفضل ما لدينا في الوضع الحالي، وكيف لا نكرر أخطاء الثورة الزراعية؟ مع الثورة الجديدة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، هناك خطر أن نخبة صغيرة جدا ستحتكر مرة أخرى كل الفوائد، فيما سيعاني معظم الناس في نهاية المطاف أكثر من ذي قبل”.

جيسي ريس: “قلت إن تربية الحيوانات قد تكون أسوأ جريمة في التاريخ. ما نصيحتك لمساعدة المجتمع على إنهاء ذلك؟”

هراري: “لدينا أفضل فرصة مع ما يعرف باسم الزراعة الخلوية أو اللحوم النظيفة، وهي فكرة خلق اللحوم من الخلايا وليس من الحيوانات. إذا كنت ترغب في شريحة لحم، ستنمو شريحة اللحم من خلايا لتربية بقرة ثم ذبحها للحصول على ما تريد. قد يبدو هذا الأمر خيالا علميا ولكنه واقع بالفعل. قبل ثلاث سنوات صُنّعت أول قطعة هامبرجر من الخلايا. صحيح أنها تكلفت 300 ألف دولار، ولكن هذا معتاد في أي تكنولوجيا جديدة. في العام الحالي، وصلت التكلفة حسب ما أعرف، إلى 11 دولارًا لكل قطعة هامبرجر. ويتوقع المطورون أنها يمكن أن تنخفض إلى أقل من سعر اللحوم المذبوحة، خلال 10 سنوات أو نحو ذلك.

ما زال أمامنا وقت حتى نراه في السوبر ماركت وماكدونالدز، لكن أعتقد أن هذا هو الحل الوحيد القابل للتطبيق. أنا نباتي، وأحاول تجنب اللحوم والمنتجات الحيوانية الأخرى، ولكن لا يمكنني إقناع المليارات من الناس الآخرين بالتخلي عن اللحوم والحليب تماما، لكن إن استطعنا إنتاجها من الخلايا، سيكون هذا رائعًا. كما أن لديها الكثير من الفوائد البيئية لأنها سوف تقلل من كمية هائلة من التلوث الذي تسببه تربية الحيوانات اليوم”.

المؤرخ بيتاني هيوز: “هل تعني عبارة “العقل الحديث” أي شيء لك، وإذا كان الأمر كذلك متى نشأ العقل الحديث وكيف يبدو؟”

هراري: “نحن نعرف القليل جدا عن العقل. لا نفهم ما هو عليه، ولا ما هي وظائفه وكيف ظهرت. عندما تعمل مليارات الخلايا العصبية في الدماغ وفقًا لرسوم ذات نمط معين، كيف يسبب هذا التجربة العقلية، أو تجربة ذاتية من الحب أو الغضب أو الألم أو المتعة؟ ليس لدينا أي فكرة على الاطلاق؛ لأننا نفهم القليل جدا عن العقل، ولا نعرف كيف ولماذا ظهر في المقام الأول. نفترض أن الناس في أواخر العصر الحجري كانوا يملكون نفس العقول كما لدينا اليوم. كما نفترض أيضا أن النياندرتال كان لهم نوع مختلف من العقل، رغم أنها أكبر حجمًا من عقولنا، إلا أن التفاصيل تتجاوز فهمنا بكثير في الوقت الحاضر”.

سؤال آخر: “كنت تعيش في جزء من العالم تم تشكيله بناءً على الخيال الديني. ماذا تعتقد سيحدث أولا، أن يتخلى الإنسان العاقل عن الخيال الديني أو سنتهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟”

هراري: “كما تبدو الأمور في الوقت الحاضر، يبدو أن الإنسان العاقل سيختفي قبل حل النزاع السياسي الفلسطيني. أعتقد أن الإنسان العاقل كما نعرفه سيختفي على الأرجح خلال قرن أو نحو ذلك. لن تدمره الروبوتات القاتلة أو أشياء من هذا القبيل، ولكن تغيرات وترقيات التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي ستحوله إلى شيء مختلف. إن الجدول الزمني لهذا النوع من التغيير قد يكون قرنًا من الزمن، ومن المحتمل ألا يُحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بحلول ذلك الوقت. ولكن بالتأكيد سوف يتأثر به”.

سؤال آخر: “هل كنا نحن وجميع الأنواع الأخرى على هذا الكوكب أفضل حالا دون الثورة المعرفية؟ وهل سنظل نعيش في انسجام مع جميع أشكال الحياة الأخرى بدلا من أن نسيطر عليها ونجعل أنفسنا غير راضين عن هذه العملية؟”

هراري: “لست متأكدا من الانسجام لأن هناك أيضا الكثير من العنف والتنافر بين الأنواع الأخرى. لكننا بالتأكيد لن نطغى على الكوكب إذا لم نخضع للثورة المعرفية. بعد ذلك أيضا لن يكون لدينا أزمة بيئية كالتي يواجهها الكوكب الآن. لذلك نعم، بدون ثورة معرفية، أعتقد أن معظم الكائنات الأخرى ستكون أفضل حالا بكثير”.

Were the Lascaux cave paintings in France created by minds like ours?

سؤال آخر: “ما الذي يقلقك أكثر بشأن العالم، وماذا تفعل بشأن مخاوفك؟”

هراري: “هناك الكثير من المخاوف المختلفة لا أعرف أيهم أكبر. في الوقت الحالي، وبسبب القوة الهائلة للبشرية، ربما يكون أكبر شاغل هو العمى والغباء البشري. نحن نوع حكيم للغاية، ولكن عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات هامة لدينا هذا الاتجاه -في بعض الأحيان- للوقوع في هذه الأخطاء الرهيبة، ونحن الآن لا نملك مساحة كبيرة للخطأ. وبينما نحصل على المزيد من القوة، فإن عواقب اتخاذ خيار غبي كارثية بالنسبة لنا وللنظام البيئي بأكمله. هذا هو سبب عظيم للقلق”.

سؤال آخر: “هل ترتفع المناهضة للفكر في الغرب؟ إذا كان الأمر كذلك، هل هناك علاقة بين صعود المناهضة للفكر وانحسار الليبرالية؟”

هراري: “لست متأكدا من أنها آخذة في الارتفاع، ولكنها موجودة بالتأكيد كما كانت دومًا. لست متأكدا إذا كان الوضع الآن أسوأ مما كانت عليه فيما مضى، إلا أنها بالتأكيد مصدر قلق. أود أن حتى المتشددين الأصوليين يعطون أهمية كبيرة جدا للفكر البشري. واحدة من مشاكل التعصب الديني أنه يعطي أهمية كبيرة جدا لإبداعات العقل البشري وقليل جدا من الأدلة التجريبية من العالم حولنا”.

سؤال آخر: “هل أنت واثق من أن الإسلام الراديكالي ليس أكثر من حشرجة الموت في ما قبل العصر الحديث؟”

هراري: ” تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين بعض المشاكل الصعبة جدا، سواء كان الاحتباس العالمي أو عدم المساواة العالمية أو صعود التكنولوجيا التخريبية، مثل الهندسة الحيوية والذكاء الاصطناعي. ونحن بحاجة لمواجهة لهذه التحديات، على الأقل اعتبارا من مارس 2017، لم أسمع أي شيء ذي صلة بالإسلام الراديكالي. ولهذا السبب لا أعتقد أنه سيُشكل مجتمع القرن الحادي والعشرين. قد يستمر وجوده، وقد يسبب الكثير من المتاعب والعنف، ولكن لا أرى أنه سيشكل الطريق أمام البشرية”.

سيدة الأعمال أريانا هافينغتون: “كنت بوضوح رجل كبير الصورة، لذلك ماذا تفعل لإعادة شحن والحصول على المنظور الذي تحتاجه لعملك؟”

هراري: “قرأت عددا كبيرا جدا من الكتب في جميع المجالات والتخصصات. عادة ما أبدأ بسؤال كبير، مثل ما إذا كان الناس اليوم أكثر سعادة مما كانوا عليه في الماضي، أو لماذا يهيمن الرجال على النساء في معظم المجتمعات البشرية. ثم اتتبع السؤال بدلا من محاولة إيجاد إجابتي الخاصة، حتى لو كان ذلك يعني أنني لا أستطيع صياغة أي نظرية واضحة”.

سؤال آخر: “كيف يؤثر عليك التأمل؟”

هراري: “قبل كل شيء إنه يمكنني من محاولة رؤية الواقع كما هو عليه. عندما نحاول مراقبة العالم، وعندما نحاول أن نلاحظ أنفسنا، العقل يولد باستمرار القصص والخيال والتفسيرات ويفرضها على الواقع، ونحن لا نستطيع أن نرى ما يحدث حقا لأننا عُميُّ من القصص التي نخلقها. التأمل بالنسبة لي هو فقط لرؤية الواقع كما هو، دون تشابك مع أي قصة أو خيال”.

بول بيكر: “بماذا تنصح الفرد الذي يريد أن يعيش حياة طيبة ويسهم في رفاهية أولئك الذين لم يولدوا بعد وكذلك أولئك الموجودون بالفعل؟”

هراري: “تعرّف على نفسك بشكل أفضل، وخاصة ما تريده حقا من الحياة، لأن التكنولوجيا خلاف ذلك تميل إلى أن تُملي على الناس أهدافهم في الحياة. بدلا من أن تخدمنا التكنولوجيا لتحقيق أهدافنا، فهي تجعلنا مستعبدين على جدول أعمالها. من الصعب جدا أن تعرف ما تريد حقا من الحياة، أنا لا أقول إنها مهمة سهلة”.

سؤال آخر: “إذا كنا نستطيع منع الموت إلى أجل غير مسمى، فهل سيكون من الممكن خلق ما أسماه شاول بيلو بالمرآة التي ستمكننا من رؤية أي شيء؟”

هراري: “أعتقد ذلك، نعم. على مدى القرون الثلاثة الماضية، تقريبا كل الأيديولوجيات الجديدة في العالم الحديث لا يهتمون بالموت، أو على الأقل لا يرون الموت ملهما، بينما احتاجت الثقافات السابقة، وخاصة الديانات التقليدية، إلى الموت من أجل تفسير معنى الحياة. كما هو الحال في المسيحية، فبدون موت، فالحياة ليس لها معنى. معنى الحياة كله يأتي مما يحدث لك بعد أن تموت. لكن على مدى القرون الثلاثة الماضية شهدنا ظهور الكثير من الأيديولوجيات الحديثة مثل الاشتراكية، الليبرالية، النسوية، الشيوعية التي لا تحتاج إلى الموت على الإطلاق من أجل توفير معنى للحياة”.

 المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات