لوسي.. بين الإنسان والإله

 جنة عادل – التقرير

لقد مُنحنا الحياة منذ بلايين السنين، فماذا فعلنا بها؟

الأسطورة

unnamed (1)

حكى الإغريق قديما، عن الإله (برومثيوس)، الذي أحب البشر فتحدى (زيوس) ملك الآلهة الذي كان يحتقر البشر ويخشى أن ينافسوه في ملكه، فقرر أن يسرق شعلة المعرفة من قمة الأوليمب، ويهدي قبسا منها للبشر لتضيء حياتهم،بعد أن نظر إليهم وعز عليه أن يتخبطوا في ظلمات الجهل بينما يرفل آلهة الأوليمب في نعماء المعرفة.

علم زيوس – بالطبع – وغضب غضبا عظيما، وخشي أن يستحيل البشر آلهة الآن وقد أصبحت المعرفة بين أيديهم، ولكن الوقت كان قد فات لاستردادها، فقضي زيوس بعذاب برومثيوس عذابا أبديا، فقيّد يديه وقدميه بين جبلين، وسلّط طائرمن طيور الرخ كي ينهش كبده كل صباح، لينمو له كبد جديد كل مساء.

الإله

في كافة الحضارات والديانات، يتصف الإله/الآلهة بالمعرفة المطلقة، الإله يعلم كل ما كان وكل ما سيكون وعدد الحركات والسكون ويحصي كل شيء عددا، أما الإنسان، فيتصف بـ”حب” المعرفة، والسعي وارئها وإن كان لا يملكها، وفي التوراة وفي الإنجيل، وفي بعض تفاسير القرآن، يذهب العلماء إلى أن الشجرة التي نهى الله آدم زوجه عنها هي شجرة المعرفة والخلود، وعليه، توجب طرد آدم من السماء بعد أن أكل من الشجرة وعلم ما لم يكن ينبغي له أن يعلم.

لندع الأساطير والآلهة والكتب المقدسة جانبا، ونتكلم عن حقيقة سينمائية بسيطة، إذا أردت أن تقنع جمهورا متشككا بشئ – أي شئ – دع مورجان فريمان يروي قصتك، تلك الحقيقة التي فطن إليها المخرج الفرنسي (لوك ىبيسون) واستخدمها في فيلمه (لوسي) الذي عرض على الشاشات منذ أشهر، فروى الكذبة العلمية التي بنى الفيلم عليها على لسان (فريمان) الذي ظهر بدور بروفيسور (نورمان)، الأستاذ الجامعي الذي تدور أبحاثه حول قدرات البشر العقلية، تلك الكذبة التي تفترض أن الإنسان لا يستخدم سوى 10% من قدرته العقلية، وأنه بزيادة تلك القدرات تتفتح له آفاق معرفة نفسه ومعرفة الكون.

صورة 1

العقار

يبدأ الفيلم في الجانب الآخر من العالم، حيث كانت أبحاثا تدور في منظمة سرية لتخليق هرمون يدعى CPH4، وهو اسم مزيف لهرمون يقول (بيسون) أنه حقيقي تماما وإن رفض الإفصاح عن اسمه. يفترض أن هذا الهرمون هو المسؤول عن تخليق الأنسجة العصبية في الأجنة في أسبوعها السادس، وأنه يتنج في جسم الأم بكميات ضئيلة جدا فيفعل في جسد الجنين فعل القنبلة النووية كما جاء في فيلمه.

يُخلّق الهرمون المزعوم، وتتناقله عصابات سرية، وتُزج بطلة الفيلم (سكارليت جوهانسن) أو “لوسي” في الأحداث زجا، ليختارها زعيم العصابة مع ثلاثة آخرين لتهريب العقار الذي يأتي في شكل كريستالات زرقاء، بوسيلة شاعرية جدا، وهي شق بطونهم  جراحيا ودس أكياس العقار بداخلها.

صورة 2

لوسي

كل هذا جميل، ولكن الفيلم يبدأ حقا عندما تتسبب معركة صغيرة بين لوسي وأحد رجال العصابة في تمزق كيس العقار داخل بطنها، ليتسرب إلى دمها وليبدأ مفعوله المنتظر: زيادة قدراتها العقلية لتتجاوز الـ10%.

نرى (لوسي) تتغير سريعا، ترى كل شىء، وتسمع كل شىء، نراها تتحكم في جسدها بشكل كامل، للدرجة التي تجعلها تتحكم في معدلات حرق خلاياها كما تخبر بروفيسور (نورمان) لاحقا، نرى ذاكرتها تزداد وضوحا حتى أنها لتتذكر طعم حليب أمها في فمها كما تخبرها. تقرأ ملايين صفحات الانترنت في ثوان وتستطيع التحكم في الأثير ونقل أفكارها عبر موجات الراديو والتليفزيون.

صورة 3

تنفتح أمامها أبواب المعرفة على مصراعيها، وتصل إلى ما لم يسبقها إليه بشر، فيصبح السؤال: ما الذي يمكن فعله بتلك المعرفة التي يكاد رأسها ينفجر بها؟ وتصبح الإجابة: ما تفعله الكائنات الحية دوما بما لديها من معرفة منذ كنّا جميعا كائنا وحيد الخلية: تمررها للأجيال التالية، هكذا ينصحها بروفيسور (نورمان) الذي يطلب منها أن توافيه إلى باريس ليقدم لها العون.

العقار

توافق (لوسي)، وفي طريقها إليه، تكتشف أن خلاياها التي تنقسم بمعدلات خرافية تشيخ بذات المعدلات، وأنها بحاجة للمزيد من هذا العقار، فتحدد أماكن الثلاثة الآخرين، وتطلب من السلطات الفرنسية ممثلة في (عمرو واكد) أو الشرطي (بيير ديل ريو )أن توقف الثلاثة.

صورة 4

تنال (لوسي) مرادها ولكن يد الأشرار تطال الآخرين وتقتلهم وتحاول منعها، لتضطر لوسي أن تتعامل مع أفراد العصابة، وهو الشىء الذي لا يحتاج سوى لإشارة من يدها ليطفو هذا في الهواء، ويسقط مسدس ذاك من يديه، بينما يفقد ثالث قدرته على الحراك، في مشهد “رائق” إن جاز التعبير.

الإله

أخيرا يجتمع الشمل في باريس، (نورمان) و(ديل ريو) و(لوسي) التي مازالت العصابة تطاردها. تعرض (لوسي) على (نورمان) وفريقه بعض قدراتها في قراءة العقول وتحريك الأشياء عن بعد، وإعادة تشكيل كل شيء، و تشرح لهم كيف أننا كبشر بنينا نظرياتنا كاملة على أساس واحد هو مدى تفردنا واختلافنا، ونسينا أننا شأننا شأن كل ما يحيط بنا، ذرات مرتبطة ببعضها البعض، تستمد وجودها ومعناها من سرعة مرور الزمن عليها، وبعد أن أصبح لدى (لوسي) مثل هذا النوع من المعرفة، آن الأوان لتغيير بعض المفاهيم.

الأسطورة

هنا، يقف (نورمان) كـ(زيوس) جديد غير متأكد من جدارة البشر بالحصول على المعرفة، بعد أن أدرك حجمها وما تعنيه، وما يمكن أن تسببه من فوضى ودمار بالنظر إلى الطبيعة البشرية، وتقف (لوسي) كـ(برومثيوس) جديد مؤمن بحق البشر في المعرفة، وبأن الفوضى والدمار مصدرهما الجهل ولا سواه، لتنقل شعله المعرفة للبشرية مجددا، مضحية بنفسها بتناول كل ما لديها من عقار، لترتفع قدراتها العقلية لـ 100%، فتتمكن من التحكم في الوقت ذاته، وتقلّب تاريخ البشرية كما يقلب أحدهم بين قنوات تلفاز، وتلتقي بنسختها التي عاشت منذ ملايين السنين في مشهد استوحاه (بيسون) من لوحة (مايكل أنجلو) الشهيرة “خلق آدم”.

unnamed

وفي النهاية،  تفقد وجودها المادي تماما وتستحيل أثيرا، بعد أن تترك كل ما عرفته على كمبيوتر ضخم صممته بنفسها، وتجيب عن سؤال ديل ريو عن مكانها بـ”أنا في كل مكان”.

عن الفيلم

إذا نحينا جانبا حماستنا لظهور ممثل عربي كـ(عمرو واكد) أمام عملاق كـ(فريمان) وفاتنة كـ(جوهانسن)، ونظرنا للفيلم بموضوعية، سنجد أنه يستحق أعلى قليلا من تقييماته الحالية، فعلى الرغم أن بعض مشاهد القتل، أو للحق الكثير منها، تحتوي عنفا لا داع له، وأن مشهد المطاردة الذي كان يهدف بالأساس لاستعراض قدرة لوسي على القيادة السريعة في شوارع مزدحمة دون خسائر، انتهى كمشاهد مطاردات هوليوود الرخيصة بسيارات محطمّة وانفجارات هنا وهناك، إلا أن الكذبة العلمية التي تسببت في أغلب النقد السىء الذي وجه للفيلم، كانت مقصودة، فالرجل الذي عمل على التحضير للفيلم لـ9 سنوات دارسا كل ما يمكن دراسته، يعلم جيدا في فيلم الخيال العلمي الذي يقدمه، أين الخيال وأين العلم، ولكنه اختار هذه الكذبة ليطرح سؤاله الحقيقي، “ماذا لو استخدم البشر كل طاقتهم العقلية في البحث عن المعرفة؟ ” بصيغة أبسط وأكثر جاذبية هي “ماذا لو استخدم البشر 100% من قدراتهم العقلية؟”  وليجعل سؤاله الذي طرحه على لسان لوسي في بداية الفيلم “ماذا فعلنا بالحياة التي منحنا منذ بلايين السنين” أقرب المشاهد.

نهاية (بيسون) المثيرة للجدل تأتي مشابهة لنهايات أفلامه الأخرى، يختفي البطل تماما، يقول (بيسون)، هكذا أصنع منهم أساطير، مثل “الله” الذي يتحدث عنه الجميع طوال الوقت ولم يره أحد أبدا.

وهنا لك أن تسأل، هل تتحول لوسي لإله في النهاية؟ وهل هذا هو الفرق الوحيد بين الإله والإنسان إذن؟ المعرفة التي تفضي للتحكم في كل شىء والسيطرة وعلى كل شىء؟ وهل لهذا خلقت الحياة على الأرض بهذه الصعوبة، لتشتتنا بمحاولات البقاء عن استخدام عقولنا بكامل قوتها في البحث عن المعرفة الكاملة؟

إذا سألت مثل هذه الأسئلة، فقد نجح (بيسون) في فيلمه، وقد حان دورك في البحث عن الإجابات، أو ربما، عمّن يمنحك المعرفة كاملة في حفنة من الكريستالات الزرقاء.

النقاش — 5 تعليق

  • محمود سمير ديسمبر 19, 2014 on 4:46 م

    مثالك عن بروميثيوس رائع يا جنة.

    Reply
    • جنه عادل محمود سمير ديسمبر 19, 2014 on 5:25 م

      شكرا شكرا

      Reply
  • Farhan ديسمبر 20, 2014 on 3:15 ص

    ربطك ما بين الأسطورة والفيلم جميلة جداً، أحييك.

    Reply
    • جنه عادل Farhan ديسمبر 20, 2014 on 10:26 م

      شكرا شكرا

      Reply
  • mfco مارس 15, 2017 on 2:18 م

    يقال ان الهرمون حقيقى وهو DMT .. لا اعتقد
    وهناك اقوال ايضا بأن المقصود هو الزئبق الاحمر الذى يقدر بملايين ان وُجد.

    Reply

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات