كيف يمكن لكتابة 750 كلمة يوميا تغيير حياتك؟!

سلمى هشام فتحي – التقرير

يقوم الكثير من الأشخاص يوميًا في جميع أنحاء العالم بالمشاركة في طقس يصل تقريبًا إلى قدسية الطقوس الدينية، فبعد الاستيقاظ بقليل “يتكورون” في وضع الجنين بينما تمسك أياديهم قلمًا وورقة، ثم يبدأون بالكتابة، التي لا تتوقف حتى يملأون على الأقل 3 صفحات مكتوبة بخط اليد – أي نحو 750 كلمة.

تُسمى هذه العادة “الصفحات الصباحية”، ويقول البعض مثل الصحفي “أوليفر بركمان” ورائد الأعمال “تيم فيريس”، إنها غيرت حياتهم.

ظهرت “الصفحات الصباحية” كطقس محبب في السنوات التي شاركت فيها الكاتبة “جوليا كاميرون” هذا الطقس في كتابها عن الإبداع “نهج الفنان” The Artist’s Way عام 1992.

وتوضح “كاميرون”، أنها اتجهت للكتابة كل صباح بعدما أخرجت فيلمًا وكان استقباله سيئًا، فاحتاجت إلى طريقة للعودة إلى لياقتها الفنية مرة أخرى بعدما ملأتها الشكوك في موهبتها وعدم قدرتها على الكتابة، ثم وجدت الحل في “الصفحات الصباحية”.

ومكنّت تلك العادة “كاميرون” من أن تصب جميع الأفكار التي تدور في رأسها، بما في ذلك المشاعر السيئة والغاضبة والتافهة والناقدة لذاتها، على الورق.

بعد الكتابة قالت “كاميرون”، إنها تشعر بصفاء الذهن والاستعداد للتصدي لمشاريع العمل اليومية. وكتبت أيضًا “بعدما نُخرج تلك الأفكار المنحطة، والمربكة، والباعثة على الجنون على الورقة، نواجه يومنا بنظرة أكثر وضوحًا. دائمًا ما نكون أكثر صدقًا مع أنفسنا، وأكثر تركيزًا، وراحة نفسية حين نكتب”.

وأكدت “كاميرون”، أنها تعتبر “الصفحات الصباحية” شكلا من أشكال التأمل، الذي يمنحنا رؤية جديدة عن أنفسنا ويمكننا من إجراء التغييرات في حياتنا.

وأضافت أنه ليست هناك طريقة معينة لكتابة “الصفحات الصباحية”، ولكن هناك عدة مبادئ أساسية لهذه العادة. مثلا يُفضل كتابة 750 كلمة كل صباح فور الاستيقاظ – أي ما يعادل نحو 3 صفحات كاملة. تكمن الفكرة في الكتابة مبكرًا أن العقل في تلك الفترة يكون غائمًا جدا فلا يفرض رقابة على نفسه، لذا يمكنك الكتابة بحرية أكبر. وبصفة عامة، وتستغرق كتابة 3 صفحات نحو نصف ساعة.

1

وردًا على سؤالها حول ما إذا كان يجب كتابة “الصفحات الصباحية” بخط اليد، تقول “كاميرون” نعم، فالكتابة باليد مقارنة بالكتابة على الكمبيوتر تستحق القيام بها لأنها “تمكنّنا من التواصل بصدق أكثر مع أنفسنا وأفكارنا العميقة، حين نضع القلم على سطح الورقة”.

وبالطبع ليس من الضروري أن تكون “الصفحات الصباحية” من الفن الراقي. كما تؤكد “كاميرون” “يمكنك كتابة ما يأتي على بالك”، تستطيع مثلاً أن تتذمر من الطقس، أو تعترف بشعورك بالتوتر من حضور حفلة ما أو حتى التحدث عن الفوضى التي تغزو غرفة معيشتك. وتضيف “كاميرون” أنها غالبًا ما تستيقظ مُتعبة ومزاجها سيء، فتكتب هذا في بداية صفحاتها الصباحية.

تساعدك “الصفحات الصباحية” على تجاوز الأمور السطحية أيضًا، لأن كتابة 3 صفحات مساحة كبيرة ليس من السهل عليك أن تملأها، “غالبًا ما تكون كتابة الصفحة والنصف الثانية أكثر صعوبة، لكن ذلك الجزء يحوي معظم الاعترافات المهمة”. فقد تكتشف في أثناء عملية الكتابة ما أزعجك في أثناء محادثة أجريتها مع شريكك أمس، أو تثرثر بشأن مشروع كنت تعمل عليه فيهبط عليك الإلهام. لذا يمكننا اعتبار هذه العادة نوعًا من العلاج؛ فهي مثل تيار الوعي في الكتابة على صفحات لن يراها سواك.

تصر “كاميرون” على ألا يقرأ أي شخص آخر صفحاتك الصباحية. في الواقع، وتقترح عليك أيضًا ألا تعيد قراءة الصفحات – حتى يمر وقت كاف على كتابتها – حتى تستطيع على الأقل أن تكتب دون القلق بشأن مشاعرك حين تقرأها في وقت لاحق، فسبب من أسباب نجاح تلك العادة أنها توفر مساحة للإبداع دون إصدار الأحكام، وحين تتعلم إيقاف الناقد بداخلك في أثناء الكتابة، يمكنك نقل تلك الموهبة إلى مجالات الحياة الأخرى أيضًا.

لقد ساعدت “الصفحات الصباحية” العديد من الفنانين، لكنها يمكن أن تكون مفيدة أيضًا للناس من كل التخصصات والاهتمامات، ويخبرنا رائد الأعمال “كريس وينفيلد” عن خبرته بعدما أمضى من 30 إلى 40 دقيقة كل صباح في كتابة “الصفحات الصباحية” لمدة 241 يومًا متتاليًا، ويرى العديد من الفوائد من الالتزام بهذه العادة لفترة طويلة، بما فيها ظهور أفكار تجارية مبتكرة، والتعامل مع الأمور الضاغطة، وأيضًا وصول الفرد إلى تناغم أكثر مع حدسه.

وأكد “وينفيلد”، أهمية التمسك بالكتابة باليد، ما يجبر الأشخاص على البطء في الكتابة. “إن الكتابة على الكمبيوتر تمثل انفصالا عاطفيًا أكثر عن الكتابة باليد، فهي تساعد على الاحتفاظ بالناقد بداخلنا بسبب سهولة العودة للخلف وتصحيح الأخطاء على الشاشة”.

يمكنك – رغم ذلك – تجاهل هذه القاعدة لصالح كتابة “الصفحات الصباحية” على لوحة المفاتيح من خلال موقع 750words.com وهو يسمح لك بكتابة صفحاتك الصباحية اليومية على الإنترنت، والاحتفاظ بخصوصيتها، وكذلك متابعة الأيام التي تلتزم فيها بهذه العادة، كما يعطيك الموقع نقاطًا لكتابة الصفحات بصفة يومية، ويوفر لك إحصاءات حول حالتك المزاجية، والأشياء التي تكتب عنها والمدة التي تقضيها في كتابة صفحاتك اليومية.

2

مهما كانت الطريقة التي تكتب بها “صفحاتك الصباحية”، فمن الواضح فعالية هذه العادة. قد تكون الفائدة التي تعود عليك ببساطة أنك تضع أفكارك على الورق، وأظهرت الدراسات، أن كتابة المذكرات حول تجارب الحياة تُحسّن صحة المبحوثين وسعادتهم.

وفي دراسة أجريت عام 1986، ونُشرت في “مجلة علم النفس الغريب” تبيّن أن طلاب الجامعات الذين طُلب منهم الكتابة عن أهم “التجارب المؤلمة أو المزعجة في حياتهم” لمدة 4 أيام متتالية أظهروا تحسنًا ملحوظًا في الصحة البدنية بعد 4 أشهر من الدراسة.

وارتبطت الكتابة التعبيرية أيضًا بكثير من التحسنات في كل شيء، بما في ذلك المزاج، والدرجات الدراسية، والذاكرة، والأداء الرياضي، كما تبيّن أن الكتابة التعبيرية مفيدة بشكل خاص لأولئك الذين يواجهون الصراعات أو يتعرضون لتجارب صعبة أو صدمات.

وبهذا يمكننا اعتبار “الصفحات الصباحية” تنفيذًا ملموسًا للكتابة التعبيرية، التي أظهرت الدراسات فعاليتها، فلمَ لا تُقدم على التجربة والكثير يوصون بها، فربما يستحق الأمر المحاولة.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات