كيف نجحت بريطانيا في الخروج من الاتحاد الأوروبي؟

إيكونوميست – التقرير

إن أحد تفسيرات تصويت بريطانيا على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، في يونيو الماضي، هو أن المشككين في أوروبا عملوا من أجله على مدى عقود. وانضم دانيال حنان شاب إليهم في وقت مبكر من التسعينيات، في البداية كطالب، وفي وقت لاحق كصحفي.

وفي كتابه الجديد انتقد “حنان” تآكل الاتحاد الأوروبي للسيادة الوطنية والكراهية المفروضة نحو الأسواق الحرة. وكانت رؤيته لبريطانيا أكثر ليبرالية ومفتوحة وأقل تنظيمًا، وإمكانية التجارة بحرية في جميع أنحاء العالم وألا يتم كبحها من قبل الاتحاد الأوروبي البيروقراطي.

ولكن يختلف هذا بشكل كبير عن أفكار المؤيدين الآخرين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مثل نايغل فاريج، الزعيم السابق لحزب الاستقلال بالمملكة المتحدة. ولأنه يمتلك عقلية اقتصادية، فقد أحب النمط النرويجي لـ”الخروج الناعم”، على الأقل كمرحلة انتقالية. إن النرويج خارج الاتحاد الأوروبي ولكن في سوقها الواحد، ولذلك تقلبت الكثير من قواعده، وبحرية اعترفت بمهاجرين الاتحاد الأوروبي.

ولن يحظى فاريج بأي من هذا، وأي شيء أقل من “خروج صعب” يأخذ بريطانيا نحو الخروج من السوق الواحد سيكون خيانة للناخبين.

يشار إلى أن هذا التوتر بين الخروج الناعم والصعب يُعد أحد الأسباب التي تجعل حكومة تريزا ماي لا تزال غامضة للغاية بشأن أهدافها. لقد كان ذلك واضحًا أيضًا خلال الحملة، وفقًا لما أوضحه كتاب أوين بينيت.

وفي الواقع، يكره المتنافسون من مؤيدي خروج بريطانيا بعضهم البعض أكثر مما يفعل المعارضين أو الاتحاد الأوروبي. ومن جانب واحد وقف فاريج والمليونير الداعم له، آرون بانكس، (والذي يسمى كتابه عن الحملة “الأولاد السيئين في خروج بريطانيا”)، والذي يتحدث عن الهجرة وأشياء أخرى. ومن الناحية الأخرى، كان “حنان” يقود النواب المحافظين مثل مايكل غوف وبوريس جونسون، مدعومًا من نائب حزب الاستقلال الوحيد، دوغلاس كارسويل، والذي انتقص وقلل من أهمية الهجرة، وتحدث عن تحرير التجارة العالمية بدلًا من ذلك.

إن “بينيت” جيد في الحرب الضروس بين مؤيدي خروج بريطانيا، ولكن كتابه يفتقر إلى التقارير المفصلة التي ذكرها، تيم شيبمان، في “الحرب الشاملة”. إن “شيبمان”، محرر سياسي في صحيفة “صنداي تايمز”، وكان “شيبمان” أجرى مقابلات تقريبًا مع جميع المشاركين في الاستفتاء (بالرغم من عدم قيام سلف السيدة ماي، ديفيد كاميرون بذلك، والذي يعمل على كتابة مذكراته الخاصة). ولقد أنتج في وقت قصير قصة عميقة وشاملة وسيطرت بشكل تام. ومن الصعب أن نتخيل أفضل مسودة أولية للتاريخ. إنها لن تعطي كاميرون الكثير من الرضا.

يأتي ذلك لأنه من المتوقع أن يفوزوا بسهولة، كما فعل هارولد ويلسون في العام 1975، كما اقترف كاميرون والرافضون لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أخطاء تكتيكية. وشملت هذه الأخطاء قبول فترة ما قبل التصويت للحكومة الرسمية، وتقييد كل ما يمكن أن ينشر، والسماح للوزراء بالحكومة بدعم الرحيل من الاتحاد دون استقالة، وتجنب الهجمات المباشرة على الزملاء المحافظين. وكان تفاوض كاميرون على عضوية بريطانيا في فبراير مرسومًا بنجاح أيضًا من قبل المؤيدين للرحيل من الاتحاد كأمر عديم الأهمية.

وفي الحملة نفسها، اعتمد فريق كاميرون بشدة على ما أصبح مغلفًا باسم “مشروع الخوف”. لقد تم صياغته على أساس هزيمة استفتاء إسكتلندا في سبتمبر من عام 2014، وشدد على مخاطر خروج بريطانيا على الاقتصاد.

وأصدر المستشار جورج أوزبورن، تكهنات متشائمة حول فقدان الدخل والإنتاج وفرص العمل. كما تم تزويد العديد من الهيئات المحلية والدولية بإمكانيات دعم مثل هذه التحذيرات، والتي بلغت ذروتها بقول بارك أوباما، إن بريطانيا ستكون “في نهاية قائمة الانتظار” للصفقات التجارية. وكان هناك القليل من الجهود المبذولة لإحباط الرسائل الإيجابية عن الاتحاد الأوروبي، أو الدفاع عن الهجرة، التي تعتبر “سلاحًا رئيسيًا” للمؤيدين للرحيل من الاتحاد.

وكانت حملة التصويت على الرحيل الرئيسية بقيادة ماثيو إليوت ودومينيك كامينغز أكثر قوة وأكثر عدوانية من الفريق الأقوى بقيادة ويل سترو وكريج أوليفر من 10 شارع داوننغ ستريت. ولقد أخطأ أيضًا داوننغ ستريت في تقدير طباع النواب المحافظين. وأعربت عن أملها في الامتنان بالفضل لانتصار النواب في انتخابات العام 2015، وأن احترام قيادة كاميرون من شأنه أن يقلل أعداد المتمردين إلى 50 – 60، ولكن الفرز الدقيق للأصوات من قبل ستيف بيكر، النائب المتشكك تجاه الاتحاد الأوروبي، ودفعهم إلى أكثر من 140، يشملون ذلك الثنائي الذي يجمع السيد غوف والسيد جونسون، وكان السماح للحملة المؤيدة للبقاء في الاتحاد أن تبدو إلى حد كبير من ترشيح حزب المحافظين يُعد خطأ آخر.

يشار إلى أن المؤيدين للرحيل لهم أخطاء أيضا. ولقد فشلوا في الرد على الجدل الاقتصادي، والذي تدنى إلى هجوم سيئ السمعة من السيد غوف على “الخبراء”، إنهم لم يقدموا بدائل واضحة للعضوية. وانقساماتهم الداخلية والتركيز على الهجرة في كثير من الأحيان غالبًا ما جعلهم يبدو أشرار ومصدر قلق عندما قتل النائب العمالي، جو كوكس بوحشية في منتصف يونيو، فقد قبل التصويت، على يد رجل له علاقة بأقصى اليمين. وفي ذلك الحين، اعتقد العديد من المؤيدين للرحيل بأنهم سيخسرون.

ويعود اعتقادهم بالفوز إلى 3 أسباب أعمق من الأخطاء التكتيكية للمؤيدين للبقاء. أحد الأسباب كان قيادة حزب العمل. ووصل جيرمي كوربين، وهو ضد الاتحاد الأوروبي من اليسار المتطرف، في أواخر العام 2015، وجعل الفوز بالاستفتاء أكثر صعوبة.

وعلى الرغم من أنه كان يؤيد البقاء اسميًا، فقد عمل هو وفريقه في كثير من الأحيان على تخريب العمل في الحملة، على سبيل المثال رفضهم استخدام كلمة “اتحاد” لوصف موقف حزب العمل أو لتبادل المنصة مع قادة الحزب السابق.

وثانيًا كان صعود النخبة المناهضة، والمناهضين لأوروبا والكثر من المصوتين ذوي الطباع المناهضة للعولمة، وخاصة في وسط وشمال البلاد، فإن أولئك الذين يشعرون بأنهم تُرِكوا في الخلف بعد أن تحولت الأزمة المالية إلى الشعبويين في العديد من البدان (بما في ذلك دونالد ترامب في أمريكا)، وفي الاستفتاء على خروج بريطانيا قاموا بالتصويت بأعداد كبيرة غير متوقعة، وهذا سبب كبير وراء وصول العديد من استطلاعات الرأي إلى نتيجة خاطئة.

أما السبب الثالث فيعود إلى “حنان” وأصدقائه، وعلى مدار 3 عقود لم تقم الحكومات البريطانية من كلا الطرفين، وبتحريض من الصحافة المتشككة تجاه الاتحاد الأوروبي بشيء سوى الشكوى دون داعٍ من بروكسل.

وكان غرور كاميرون جعله يلمح بأنه قد يقود حملة للرحيل، وأنه يمكنه تحويل الآراء المتعاطفة بشكل كامل خلال 3 أشهر. وبدلًا من ذلك، فموقفه الماضي جعله يبدو غير مقنع عندما صور عضوية الاتحاد الأوروبي على أنها أمير حيوي للاقتصاد البريطاني والأمن. ويمكن لهذا التراث نفسه الآن أن يجعل من الصعب على “ماي” إقناع الناخبين بقبول فكرة الخروج الناعم من الاتحاد الأوروبي.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    منذ بداية ثورات الربيع العربي، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الدردشة وصفحات الإنترنت تغيرًا ملحوظًا في توجهات شريحة كبيرة من الشباب العربي وتحديدًا المثقفين منهم، نتيجة لتسارع أحداث هذه الفترة، فظهرت على إثر ذلك مصطلحات وألفاظ ومفرادت جديدة ومبتكرة تولدت من رحم هذه الأزمة؛ لتُعبّر عما يختمر في أذهان كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث استحدث الشباب طريقة كتابية جديدة هي خليط من الحروف العربية والإنجليزية (تسمى الفرانكوأراب أو الأنجلوعربية) تعبيرًا عن تسارع الأحداث وكلغة مبتكرة وسريعة..

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

        “سيدي الأستاذ النابغة: محسوبُك كاتب هذا – الأسطى حنفي أبو محمود – من كان له الشرف أن يُقلك فى عربته مرارًا، إما منفردًا أو مع زمرة من إخوانك...

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    عثمان جمعون – مدير نشر موقع الشمال24 منذ مغادرتي لمقاعد المدرسة، وأنا أجد تعظيما مبالغاً فيه للشواهد التعليمية، حيث أنه لا يمكنك أن تقدم شيء ذا بال لدى الدولة...

    المزيد من التدوينات