كيف ساهمت حرب الستة أيام في تشكيل الشرق الأوسط؟

مجلس العلاقات الخارجية – التقرير

بعد أن طرد الرئيس المصري جمال عبد الناصر قوات حفظ السلام من سيناء وحشد الجيش المصري، في 18 مايو 1967، بدأت إسرائيل في الهجوم. هُزمت جيوش مصر والأردن وسوريا، وسيطرت إسرائيل على سيناء، قطاع غزة، شرق القدس، الضفة الغربية وهضبة الجولان.

أعطى هذا الانتصار للدولة الصغيرة “عمقًا استراتيجيًا”، اعتقد بعض مؤسسيها أنها ضرورية لحمايتها من الهجمات. تسببت الحدود الإسرائيلية المُعترف بها دولياً في وقوع عدد كبير من الشعوب العربية تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي.

أدت هزيمة العرب إلى تدمير حلم العروبة الناصري، وتركت الفلسطينيين للضغط من أجل إنشاء دولة لهم. في الوقت ذاته، استمرت المستوطنات اليهودية في الانتشار في الضفة الغربية. عاش الفلسطينيون هناك تحت الحكم العسكري الإسرائيلي المتواصل، بوساطة السلطة الفلسطينية، وهي هيئة مؤقتة للحكم الذاتي.

القوة الإسرائيلية والتكيف العربي على الوضع الجديد

أدى الانتصار الكبير لإسرائيل في 1967 إلى تقبل الدول العربية المهزومة لحقيقة أنهم لن يستطيعوا تحرير فلسطين بأكملها، ولن يحققوا أكثر من انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة خلال ستة ايام هي فترة الحرب.

سرعان ما ظهر تكيف الدول العربية على هذه الحقيقة. في سبتمبر 1967، وفي أول قمة في الجامعة العربية بعد الحرب، أعلنت الدول العربي بشكل رسمي أنه “لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، ولا تفاوض معها”. في تلك القمة، أكدت الدول أنها لا تسعى فقط لانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في الحرب، لكن أيضًا أنهم يرغبون في تحقيق ذلك دون عنف، بل بالجهود الدبلوماسية على مستويات دولية.

عقب القمة، أخبر مدير المخابرات العسكرية الجنرال أهارون ياريف، الكنيست أن العرب قرروا السعي لحلول سياسية.

لكن إسرائيل لم تكن متحمسة لترك الأراضي التى احتلتها في 1967، بالتالي سارعت بالتنديد بقرار قمة الخرطوم، واعتبرته تعبيرًا عن العناد والتعنت. في الواقع، كانت هذه الخطوة هامة واستباقية لقبول إسرائيل رسميًا ضمن حدود 1967.

بعد شهرين، تبنى مجلس الأمن القرار 242، داعيًا للسلام في مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها خلال الحرب. قَبِلت مصر التي كانت أقوى الدول العربية، وكذلك وافقت الأردن. بعد 15 عامًا، تجمع العرب في قمة 1982 في المغرب، وأيدوا هذه المبادىء بالنداء إلى انسحاب إسرائيل إلى حدودها قبل حرب 1967، في مقابل “السلام بين كل دول المنطقة”. يتشابه هذا العرض مع مبادرة السلام العربية، التي تبنتها جامعة الدول العربية في 2002.

بمجرد أن اعترف العرب بسيطرة إسرائيل على 78% من فلسطين الانتدابية، التي سيطرت عليها إسرائيل قبل حرب 1967. لم يكن لدى الفلسطينيين أي فرصة للحصول على أكثر من 22% المتبقية، وهي غزة والضفة الغربية؛ لأن استراتجيتها بالكامل اعتمدت على تشابك العرب في حرب لتحرير الأراضي، حيث كانوا أضعف من الاعتماد على أنفسهم. خلال العقدين التاليين للحرب، بدأت الحركة الوطنية الفلسطينية في الاعتراف بهذه الحقيقة.

مصر: من هزيمة يونيو إلى إصلاحات مارس

خلال 11 عامًا ما بين تأميم الرئيس المصري جمال عبد الناصر لقناة السويس في يوليو 1956، وحرب الستة أيام في 1967، اتضح أن عددًا من الأفكار الناصرية، مثل “مناهضة الاستعمار، القومية العربية، التشريعية والاشتراكية” كانت تعمل بكفاءة، حيث شهدت مصر نموًا اقتصاديًا، واُتيح للشعب فرص جديدة في التعليم والحراك الاجتماعي. حققت الدولة قدرًا من الهيبة والتأثير الدولي، ورغم ذلك، إلا أن ضربة إسرائيل القوية في يونيو كشفت مدى ضحالة التغييرات التي حدثت.

عندما استقال عبد الناصر في أعقاب النكسة، نزل عشرات الآلاف للشوارع؛ للمطالبة بالعدول عن استقالته، لكن هذا المشهد من الدعم الشعبي حجب حجم المعارضة المتزايد ضد الرئيس المصري ونظامه، حيث كانت هناك تظاهرات صغيرة ضد الرئيس المصري في 1966.

لكن في فبراير 1968، اشتعلت التظاهرات في الجامعات المصرية. كان السبب المباشر لهذه التظاهرات هي مجموعة من العبارات التي صدرت عن قادة الدفاع الجوي، لكن الطلاب عبروا عن قلقهم الواسع.

طالب الطلبة المصريون بإصلاحات سياسية، بما في ذلك وجود حكومة تمثل الشعب وحريات شخصية أكبر. في لحظة درامية، قدّم الطلاب مطالبهم لأنور السادات، الذي كان حينها رئيسًا للجمعية الوطنية. رغم تأكيد السادات لهم بأن مخاوفهم سيتم النظر فيها، إلا أن وعده لم يتحقق.

بعد ذلك، أصدر ناصر ما أطلق عليه برنامج 30 مارس، وأوضح أسباب الأداء العسكري الضعيف، بجانب إنجازات مصر في العشرة شهور التي احتلت فيهم إسرائيل سيناء. كما نادى بدستور جديد يضمن حرية التعبير والتفكير والصحافة والعقيدة.

شدد ناصر على الحاجة إلى الممارسات الديموقراطية؛ لإعادة تأهيل المجتمع المصري والتعبئة استعدادًا للمواجهات الحاسمة مع إسرائيل. سرعان ما نُسي الانفتاح السياسي الذي وعد به البرنامج.

كان لتعبئة المصريين للمشاركة في حرب الاستنزاف مع إسرائيل، عبر قناة السويس، وللتحضير لعبور القناة في أكتوبر 1973، دورًا في رسم الملامح السياسية للدولة الوطنية الأمنية التي بناها ناصر.

تنشيط الانتصار لدور الدين في السياسة الإسرائيلية

هيمن اليهود الأشكناز الاشتراكيون والعلمانيون على الحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية المُبكرة، وظهروا من أوروبا. اعتقد قادة حزب العمل، مثل ديفيد بن غوريون وشيمون بيريز، أن اليهود الأرثوذكس من الشتات الأوروبي، بجانب بعض اليهود من الدول العربية، سيختفون في الأرض الجديدة.

سيطر هؤلاء الرجال، ومعهم جولدا مائير، على السلطة حتى انتصار مناحم بيغن في 1977. منذ ذلك الوقت، لعبت الأحزاب الدينية دورًا رئيسيًا في السياسة الإسرائيلية.

يرتبط هذا التغيير في التوازن في السياسة الإسرائيلية إلى العوامل الديموغرافية والاجتماعية، حيث إن الأرثوذكس لديهم عدد أكبر من الأطفال. تمرد اليهود العرب ضد ما رأوه تمييزًا من النخبة الأشكناز، والذين تضاءلت هيبتهم بعد حرب 1973.

بالنسبة للعديد من المؤمنين في إسرائيل، كان الانتصار السريع وغير المتوقع في حرب 1967 دليلًا على أنه بعد قرون من النفي والهولوكوست،  حقق الله وعوده التي وعد بها في الكتاب المقدس، حيث كان أسلافهم يُصلون ثلاثة مرات يوميًا، وجاء دورهم لتكرار ذلك. لأول مرة خلال 2000 عام، سيطر الإسرائيليون على حائط البراق.

رغم وجودهم، إلا أنهم لا يمثلون كل الإسرائيليين، ولم يفوزوا بأي انتخابات وحدهم، ولم يهيمنوا على التحالف الذي يحكم إسرائيل.

كيف تم تطبيع المستوطنات؟

بعد 50 عامًا من قدوم اليهود الإسرائيليين للاستيطان في الأراضي المحتلة، أتاحت الجبهة الوطنية الدينية، التي كانت القوة الموجهة للحركة، الطريق إلى صورة أكثر تعقيدًا للأيدولوجية والخطابات. أصبح مشروع الاستيطان الإسرائيلي تحالفًا غير متجانس من 400 ألف شخص أو 550 ألف شخص إذا ضُم سكان يهود من أجزاء القدس الذي ضمته إسرائيل بعد الحرب.

في الوقت الذي يواصل فيه كلا من الدارسين ووسائل الإعلام نشر الصور النمطية للمستوطنين على أنهم ناشطون، إلا أن مستوطنات اليوم تشمل الانتهازيين الاقتصاديين أو الإسرائيليين الأصليين والمهاجرين اليهود من خلفيات عرقية مختلفة، ومن بينهم 60 ألف من أمريكا.

مع احتفال حركة المستوطنين الإسرائيلية بالذكرى الخمسين لإنشائها، فتنوع وديناميكية المشروع دليل على نجاح مبادرة الدولة للضواحي الآمنة. منذ الثمانينات، استثمرت الحكومة الإسرائيلية الكثير من المصادر الاقتصادية والعسكرية في المناطق المحتلة، واستخدمت المدنيين ونشرتهم في الأراضي لأهداف استراتيجية ولتطبيع الاحتلال.

مع تعمق الروابط بين الدولة المستعمرة والأراضي التي استعمرتها، أصبح من الصعب الفصل بينهم وأصبح مشروع الاستيطان أكثر رسوخًا.

أثار محو الخط الأخضر تساؤلات حول الوجود ومستقبل الكيان الفلسطيني أو الكيان الصهيوني، بين نهر الأردن والبحر المتوسط، وكذلك إمكانية التقسيم في هذه القطعة الصغيرة من العقارات. يتجمع اليسار واليمين على فكرة أن هناك اختلافًا طفيفًا بين المستوطنات الإسرائيلية في تل أبيب والمستعمرة اليهودية في جنوب بيت لحم، لكن رؤياهم لمستقبل دولة واحد للفلسطينيين والإسرائيليين تختلف بشدة.

في حين أن الذكرى الخمسين لحرب 1967 هي لحظة للتأمل العميق، إلا أن جذور الصراع في 1948 ستظل باقية حتى إذا اختفت كل المستعمرات. المسائل السردية التاريخية، والتوصل إلى اتفاق الوضع النهائي بشأن المستوطنات لن يحل مسائل أخرى، أو ينص على اتفاق عادل وإنهاء المطالبات. بعد خمسين عامًا، يجب علينا الاعتراف أن الإسرائيليين والفلسطينيين لن يسعوا أو يفضلوا حل الدولتين.

حرب 1967 والحركة الوطنية الفلسطينية

 لم تخلق حرب يونيو 1967 حركة وطنية فلسطينية معاصرة، لكنها أنشأت الظروف لظهورها وقدرتها على الاعتناء بالقضية الفلسطينية، بدلًا من الاعتماد على الدول العربية. كان لهذا التطور عواقب بعيدة المدى حتى هذا اليوم.

منذ ختام الثورة العربية في 1936-1939 ضد الانتداب البريطاني في فلسطين، وحتى حرب 1967، كان الفلسطينيون في كثير من الأحيان أكثر من متفرجين على القرارات الإقليمية والدولية والتطورات التي حددت مصيرهم، منذ إنشاء الدولة اليهودية في 1948، والتي أدت إلى تجريدهم من ملكيتهم.

رغم ظهور حركات وطنية فلسطينية، مثل حركة التحرير الوطنية، خلال عقد من النكبة في 1948، إلا أن الفلسطينيين سعوا وتوقعوا في الخمسينات والستينات تحقيق الخلاص على أيدي حشود العالم العربي. انضم العديد من الفلسطينيين لمختلف الحركات العربية والشيوعية والإسلامية المنتشرة في أنحاء المنطقة، أو تعهدوا بالولاء لقادة وأنظمة العرب أكثر من تطوعهم في المنظمات التي تحمل أجندة فلسطينية.

في الواقع، جامعة الدول العربية هي من أنشأت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، كآلية يمكن للدول العربية وبخاصة جمال عبد الناصر، من خلالها، التحكم في مستويات متزايدة من النشاط الوطني الفلسطيني، وبالتالي ضمان دوام سلطتها على القضية الفلسطينية والعالم العربي.

ستة أيام فقط في 1967 عملت على تغيير هذه الحقائق، من الهزيمة الشاملة للجيوش العربية وشجب الأنظمة العربية. ظهرت حركات وطنية فلسطينية واحدة تلو الأخرى، وعاد جورج حبش الذي أسس من قبل الحركة العربية للقوميين العرب، للظهور مرة أخرى في ديسمبر من نفس العام في منصب الأمين العام للجبهة الشعبية الماركسية لتحرير فلسطين.

 سيطرت حركة فتح على منظمة التحرير الفلسطينية في 1968، ووضعت ياسر عرفات رئيسًا لها. في منتصف السبعينيات، استطاعت منظمة التحرير تنصيب نفسها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني.

كانت مركزية قضية فلسطين في الصراع العربي الإسرائيلي، وحق تقرير المصير الفلسطيني في جدول الأعمال الدولي، هامة في حالة عدم توقع عواقب حرب 1967. حققت الحركة الوطنية الفلسطينية إنجازًا هامًا بتحويل الشعب الفلسطيني من مُشتت إلى طرف سياسي متوحد.

لكنه اليوم غير قادر على مواجهة التقدم القوي للاستعمار الإسرائيلي، وهو ما يضعه في خطر. تحول الفلسطينييون الآن إلى جماعات أكثر انقسامًا منذ الحرب في 1948، ويخاطرون مرة أخرى بأن يصبحوا غير متكافئين سياسيًا. لن يتمكن الفلسطينييون من تحقيق حلم التحرر إلى واقع سياسي، إلا من خلال إيجاد حلول لجمع شمل الحركة الوطنية التي تشكلت بعد 1967.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات