كيف خربت الحرب على «المخدرات» الحرب على «الإرهاب»؟

ميديل إيست آي – التقرير

إن الأفراد الذين قاموا بأعمال العنف العشوائية التي لا توصف ضد المدنيين الأبرياء في الغرب، بداية من أورلاندو إلى باريس ونيس وبرلين ولندن، وتحت راية الجهاد العالمي الخاصة بتنظيم الدولة، لديهم الكثير من الأمور المشتركة.

يذكر أن السيرة الذاتية لكل منهم متشابهة ومألوفة جدا بحيث يمكن للمرء أن يكتب على نحو متوقع السيرة الذاتية لمرتكب الهجوم التالي، والذي لم يحدث بعد.

المهاجم في أحداث لندن، خالد مسعود الذي يعتنق الديانة الإسلامية كان لديه تاريخ معين من السلوك المعادي للمجتمع، وتعاطي المخدرات والإجرام، قام العالم السياسي الفرنسي أوليفييه روي بوصفه بأنه شهيد آخر مختل لما سمّاه “الجهاد الخاسر”. وأخذ مسعود مكانه بجانب الخاسرين المعاصرين الذين قاموا بتنفيذ الهجمات الأخيرة في باريس وأورلاندو وبرلين.

وأشارت ورقة بحثية أصدرها مركز مكافحة الإرهاب في هولندا إلى أن الجهاديين الأوروبيين بوصفهم “منعزلين مهددين” يراقبون التحول من العنف بدافع الأيديولوجية إلى “العنف المباشر”.

جدير بالذكر أنه قد أجريت بحوث كثيرة في العلاقة بين الجريمة والإرهاب. وكتب مؤلفو المعاجم الإجرامية ومستقبل الإرهاب، مثل الجهاديون الأوروبيون وصلتهم بجرائم الإرهاب الجديدة، وهو تقرير كتب بواسطة المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي، ” لقد تم تجنيد الجماعات الإجرامية والإرهابية من نفس المجموعة من الناس، وخلق تآزرات وتداخلات “غالبا غير مقصودة والتي يترتب عليها آثار تتعلق بكيفية تطرف الأفراد وعملهم”.

ووجد التقرير أن 57 في المئة من الإرهابيين الجهاديين قد سجنوا قبل تحولهم للتطرف، في حين أن 27 في المئة على الأقل من الذين أمضوا فترة السجن كانوا متطرفين خلال تلك الفترة. وبالمثل، ذكرت الشرطة الاتحادية الألمانية أن 67 في المئة من مواطنيها الذين سافروا للقتال في العراق أو سوريا لديهم سجلات لدى الشرطة قبل السفر.

وفي حين أن هناك الكثير من الروابط بين الإجرام والسجن والتطرف، فقط تم تركيز القليل من الاهتمام على ما يسمى بتقاطع التطرق المتزايد بين تجارة المخدرات والعنف الإرهابي.

الجهاد بدعم المخدرات وليس الإسلام

يذكر أنه ليس سرا أن تعاطي المخدرات منتشر بشكل خاص في المجتمعات المهمشة اقتصاديا، وهذا النوع من المجتمعات الذي وصفه الأكاديميون الذين يدرسون الإرهاب بأنه “بؤر للتطرف”، وهو النوع الذي ينتج عنه نصيب الأسد من المقاتلين الإرهابيين الأجانب الأوروبيين. ولذلك، فحقيقة أن تقريبا جميع الذين قاموا بتنفيذ هجمات مستوحاة من تنظيم الدولة أو موجهة للغرب خلال العامين الماضيين، كان لديهم تاريخ موثق من تعاطي المخدرات، مثل صلاح عبد السلام وشريف كواتشي وأميدي كوليبالي، يجب أن يفاجئنا قليلا.

غير أن ما قد يثير الدهشة هو أن المزيد والمزيد من الجماعات الإرهابية، بما في ذلك أولئك الذين يستخدمون سنار الإسلام لتبرير أعمالهم التخيلية العنيفة، لا يدعمون أنشطتهم بالإيرادات الناتجة عن تجارة المخدرات فحسب، بل يمدون جنودهم أيضا، في بعض الحالات، بمواد مسكرة والتي تأتي من بعض المخدرات الخطرة.

وقد تم استخدام كلمة “مسكرة” لأغراض متعددة لأن القرآن واضح للغاية في إدانته لأي مادة تسبب حالة سكر. ولكن تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة وحزب الله وحركة طالبان، من بين آخرين، يتحركون بشكل أقرب وأعمق نحو تجارة المخدرات.

وتفيد إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية أن عدد المنظمات الإرهابية الأجنبية المشاركة في تجارة المخدرات العالمية قد فقز من عدد 14 مجموعة في عام 2003 إلى 18 مجموعة في عام 2008.

وقال مايكل براون، الرئيس السابق للعمليات في إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، “إن العلاقة بين المخدرات والإرهاب تتزايد بسرعة ضئيلة”. وأضاف براون، “إن هذا لا يعد اتجاها جديدا، فقد تم تحديد العديد من الروابط بين المخدرات والإرهاب على مدار السنوات الـ25 الماضية”. ويعتقد براوان أن حوالي 60 في المئة من المنظمات الإرهابية على صلة بالإتجار غير المشروع بالمخدرات.

حركة طالبان هي الملحوظة

أصبحت حركة طالبان الآن اتحادا احتكاريا كاملا لتجارة المخدرات. وفي العام الذي سبق الغزو الأمريكي لأفغانستان، تم حصاد إنتاج الأفيون في البلاد من مساحة 28 ألف هكتار. وفي العام الماضي، تجاوز الحصاد مساحة 200 ألف هكتار. وقالت وزارة مكافحة المخدرات الأفغانية إن “إنتاج الأفيون في أفغانستان ارتفع بنسبة حوالي 43 في المئة لـ 4,800 طن متري في عام 2016 مقارنة بمستويات عام 2015”.

ووفقا لهيئة الأمم المتحدة التي تراقب حركة طالبان، فالمجموعة تجني الكثير من الأموال من تجارة المخدرات غير المشروعة والتي ترى السلام مع الحكومة المركزية في أفغانستان يمثل تهديدا لأعمالها الإجرامية، ومن ثم “فدافعها هو المال أكثر من الدين”.

ماذا عن القاعدة؟

حسنا، في البداية تم تمويل عملية تفجير قطار مدريد في عام 2004 بالكامل تقريبا من خلال بيع المخدرات. وكانت الخلية التي نفذت الهجوم تشارك بشكل كبير في تجارة المخدرات، واستخدام هؤلاء النشطاء عائدات المخدرات لشراء المتفجرات واستئجار السيارات وشراء الهواتف ودفع ثمن البيوت الآمنة. وفي الواقع، لم يجد المحققون أي دليل على أن المهاجمين تسلموا أية تمويل خارجي.

ولاحظ المشرفون على ورقة بحثية للكونغرس الأمريكي عن العلاقة بين الإرهاب الدولي والجريمة العالمية، “إن أحد العقول المدبرة لتفجيرات مدريد كان يدعى جمال أحميدان، وهو تاجر مخدرات كبير، حيث كان يدير عصابة مخدرات ذات تأثير كبير والتي كانت تبيع الحشيش وبعض المواد الأخرى في جميع أنحاء أوروبا في التسعينيات”. والمثير للاهتمام، أن أحميدان أصبح متطرفا أثناء خدمته لمدة ثلاث سنوات في سجن مغربي.

وفي الآونة الأخيرة، أصبحت الشركات التابعة للقاعدة تعمل حاليا مع كارتيلات الكوكايين في أمريكا الجنوبية. ووفقا لبعض التقديرات، يتم نقل ما يصل إلى 40 طنا متريا من الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى غرب أفريقيا، والتي يتم تهريبها إلى داخل أوروبا. وتسيطر القاعدة حاليا على العديد من هذه الطرق المستخدمة لتهريب الكوكايين. وقال بيار لاباك، الممثل الإقليمي التابع لمكتب الأمم المتحدة بغرب أفريقيا والمعني بمسائل المخدرات والجريمة لصحيفة انتر ناشيونال بيزنس تايمز، “من أجل الإنفاق على هذه المجموعات تحتاج إلى ملايين الدولارات، ويجب أن تأتي تلك الأموال من مكانا ما”.

تنظيم الدولة أيضا

ووفقا لخدمة السيطرة على المخدرات التابعة للحكومة الفدرالية الروسية، فالأمر لا يقتصر على إعلان تنظيم الدولة بنفسه القيام بأعمال تهريب الكوكايين من أفريقيا إلى أوروبا فحسب، بل إنه أيضا يجني أكثر من مليار دولار من الإيرادات العائدة من تجارة طالبان للهروين في الأراضي الواقعة تحت سيطرتهم.

وقد قام الجنود البريطانيون السابقون الذين قاتلوا إلى جانب الأكراد العراقيين ضد تنظيم الدولة بوصف مقاتلي التنظيم بأنهم “متورطين بشكل كبير في تجارة المخدرات”، وأثناء القبض عليه قد وصف مقاتلي تنظيم الدولة السابقين كيف يقومون بتعاطي مخدر الأمفيتامين قبل دخولهم المعركة، وذلك لأنه “يجعلهم يتغلبون على مشاعر الألم والخوف والجوع” ويبلد المشاعر الإنسانية. وهناك مزاعم أيضا بأن المهاجمين في أحداث باريس كانوا تحت تأثير المخدرات في الليلة التي قاموا بيها بذبح 130 شخص.

يذكر أن ما يسمى بالجماعات الإرهابية الإسلامية التي تتحول إلى كارتلات عالمية للمخدرات ينبغي أن تكون بمثابة تذكير آخر بأن القيادة داخل تلك الجماعات تستخدم الشعارات الدينية التقية فقط كواجهة لكي تخفي مشاريعهم الإجرامية، وهذا يسفر سبب أن المسلمين المتحولين الذين لديهم القليل أو معدومي الإلمام بمبادئ الإسلام ولكنهم ملمين بشكل كبير بالعالم الإجرامي، يتم جذبهم إلى ما أسماهم البعض “العصابات الجهادية”. وبطريقة أخرى، يصف أوليفيه روي هذه الظاهرة بأنها “أسلمة التطرف، وليس تطرف الإسلام”.

ويثبت كاتبوا التقرير السابق ذكره “العلاقة بين الإرهاب والجريمة” تأكيد روي على أن “الملامح والمسارات في قواعد البيانات الخاصة بنا تشير إلى قصة الجهادي، كما عبر عنها تنظيم الدولة، تتناسب بشكل مثير للدهشة مع الاحتياجات الشخصية ورغبات المجرمين، وأنه يمكن استخدامها لتقليص المشاركة المستمرة في الجريمة وكذلك التصريح بها”.

وفي النهاية، كل هذا يؤكد فقط على طبيعة الهزيمة الذاتية في الحرب على المخدرات. ولا يحتاج المرء إلى درجة متقدمة في الاقتصاد لكي يفهم كيف أن مبدأ العرض والطلب يملي أوامره على القوى المتواجدة بالسوق. ويؤدي تجريم المخدرات إلى تقييد العرض، مما ينتج عنه زيادة في الطلب والأرباح والحوافز للمؤسسات الإجرامية.

وبعبارة أخرى، فالحرب المنهكة ذاتيا على المخدرات تتسبب في تخريب الحرب على الإرهاب.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات