كيف أخفت التحيزات الثقافية دور المرأة الحقيقي في داعش؟

كريستيان ساينس مونيتور – التقرير

هناك أمر واحد دفع خريجة الجامعة إمنا للتخلي عن حياتها في الطبقة المتوسطة بتونس، وحمل ما يسمى براية تنظيم الدولة في ليبيا المجاورة التي مزقتها الحرب.

قالت إنها لم تتأثر ببعض الجهاديين اللبقين، كما تقول إنها لا تهرب من وطن محطم، ولا حياة مضطربة أو فقر، ولا أي من الأسس المنطقية الأخرى التي تتوفر لشرح مشاركة المرأة في الحملة الجهادية الوحشية لتنظيم داعش، حيث القصص التي لا حصر لها من قطع الرؤوس والمذابح والاستغلال الجنسي.

انضمت لسبب واحد بسيط.

تقول إمنا: “أردت أن أدافع عن المسلمين السنة”، وذلك باستخدام اسمها المستعار، عبر سكايب من تونس.

لكن على عكس ما يقدر بنحو 200 من المجندين الذكور في داعش، والذين عادوا إلى تونس من ساحات القتال الخارجية، لم تواجه الشابة البالغة من العمر 24 عامًا السجن.

على مدار ما يقرب من ثلاث سنوات، هُمش دور المرأة في تنظيم الدولة أو ابتذاله من قِبل الصحافة والجمهور.

في وسائل الإعلام الغربية والعربية، كثيرًا ما تُصور النساء على أنهن “ضحايا” للرجال، وتعرضن “لغسل دماغ” من قِبل الرجال ذوي السلطة عليهن. هناك مزيد من المزاعم الفاضحة، وخاصة في الصحافة العربية، تتمثل في أن العديد من النساء ينضممن إلى داعش للزواج والعلاقات الجنسية مع المقاتلين، فيما يسمى بجهاد النكاح، أو الجهاد الجنسي.

لكن الخبراء يقولون إن السبب الحقيقي وراء ولاء المرأة لتنظيم الدولة هو أبسط بكثير وأكثر قتامة، وهو أنهن يؤمن حقًا بقضية التنظيم.

يحذر هؤلاء الخبراء من أنه إن لم تتغلب الدول في الغرب والعالم العربي على التحيز الثقافي، الذي كثيرًا ما يعفو عن المرأة ويتجاهل حقوقها السياسية، فالانحياز الذي يشنه تنظيم الدولة، والذي يعتمد بشكل متزايد على النساء، وربما يستغلهن عمدًا، قد يجعلهن يواجهن قريبًا تهديدات أمنية وشيكة.

استعداد المقاتلين

لا توجد أرقام دقيقة لعدد النساء اللاتي انضممن إلى تنظيم الدولة. تشير تقديرات مختلفة إلى انضمام حوالي 10% من المجندين الغربيين من النساء، بينما انضم الآلاف إلى المجموعة من الدول العربية، مثل السعودية، تونس، الأردن، سوريا والعراق.

في حين أن المنافس الجهادي للمجموعة هو تنظيم القاعدة، والذي أدى فرع منه إلى صعود تنظيم الدولة داعش، فغالبًا ما قاموا بتنحية النساء لتنشئة “الجيل القادم” من الأطفال الجهاديين، إلا أن داعش وضع النساء في الجبهة والمركز، وقاموا بالاعتماد عليهن للدعاية والأمور اللوجستية والتجنيد في الشرطة، بل والقيام بهجمات.

يقول حسن أبو هنية، الخبير الأردني في الحركات الجهادية: “نشهد تحولًا فيما يتعلق بالنساء الجهاديات، من العمل كمصدر دعم ليصبحن أنفسهن مقاتلات نشطات”.

لم يكن لأي منهن دور أكبر من لواء الخنساء، وهي القوة التابعة للشرطة النسائية التي تفرض قوانين داعش ومراسيمها في سوريا والعراق، والتي اتُهمت بالتعذيب والاختفاء القسري للنساء.

لكن النساء يشاركن في أكثر من مجرد العمل بالشرطة.

هناك اعتقاد بأن داعش أرسل أول امرأة انتحارية له خلال المعركة ضد القوات الكردية للسيطرة على مدينة كوباني في شمال سوريا أواخر عام 2014. منذ ذلك الحين، قام التنظيم بإرسال النساء كمهاجمات انتحاريات في ليبيا وتركيا، في حين أن هناك إناث اشتبه في أنهن انتحاريات تم القبض عليهن في فرنسا والمغرب وإندونيسيا، خلال العام الماضي.

أثبتت المرأة أنها تلعب أدوارًا رئيسية في التخطيط لهجمات التنظيم في باريس والأردن وتركيا.

المواقف الثقافية

رغم ذلك، تواجه الأجهزة الأمنية العديد من العوائق اللوجستية والثقافية في رصد النساء كعضوات محتملات في تنظيم الدولة داعش، وتتبعهن والتحقيق بشأنهن.

يتمثل العائق الأول في أن المرأة في المجتمعات الإسلامية المحافظة غالبًا ما تكون محمية، والاختلاط مع الغرباء من الذكور، حتى رجال الشرطة أو وكلاء الأمن، دون وجود قريب من الذكور، يعتبر من المحرمات، وحتى أنه أمر مخزي.

يقول خبراء أمنيون إن تنظيم داعش يستغل هذه الحساسيات، ويعتمد بشكل متزايد على النساء؛ بسبب صعوبة تتبعهن لموقفهن الثقافي ومفاهيمهن التقليدية عن “شرف” العائلة، فيكون من الصعب بشكل أكثر ملاحقتهن.

قال مصدر أمني أردني “لا نستطيع أن نتوجه فقط إلى الباب ونرفع الحجاب عن كل امرأة أو نراقب جميع المدارس والمقاهي النسائية”. أضاف: “ذلك سيتسبب في إثارة أعمال شغب. يجب على المجتمع أن يلعب دورًا كبيرًا في هذا؛ لأنه بإمكانهن الذهاب حيث لا يمكننا أحيانًا”.

تقول مصادر أمنية أخرى إنه في المجتمعات الأكثر تحفظًا مثل المملكة العربية السعودية، حيث يجب على المرأة الحصول على إذن من الأوصياء الذكور للسفر، يشار إلى أنه إذا انضمت امرأة إلى جماعة متطرفة فهذا يعبر عن “انتقاد للأسرة”، وبالتالي ترفض بشدة.

قال مسؤول في وزارة الداخلية السعودية – طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع -: “نعامل أعضاء داعش من النساء بنفس درجة خطورة الرجال، لكن علينا أن نكون حذرين في التعامل مع بعض الحساسيات المعينة”.

لماذا يقاتلن؟

يقول الخبراء إن الدول، العربية منها والغربية، بحاجة إلى تغيير مواقفها تجاه المقاتلات من النساء، بعيدًا عن التضحية بهن، حيث يتم تجاهل وإنكار المظالم السياسية الحقيقية، التي تدفع النساء للانضمام إلى الجماعات المتطرفة مثل تنظيم الدولة.

تقول نيمي جوريناثان، الأستاذة في مدرسة كولين باول للقيادة المدنية والقيادة العالمية في نيويورك وخبيرة في شؤون النساء بالجماعات المسلحة: “من الصعب جدًا قبول فكرة أن تكون النساء عنيفة في هذه المجتمعات، وحتى في المجتمعات الغربية”.

تقول البروفسور جوريناثان إنه “يتم النظر إلى النساء اللواتي ينضممن إلى الجماعات المسلحة على أنهن نساء معتلات اجتماعيًا”. تضيف: “يعزز المجتمع فكرة أننا يمكن أن نعيد لها إنسانيتها مرة أخرى بتذكيرها أنها امرأة، وتشجيعها على بدء تكوين أسرة”.

العديد من النساء اللواتي تمت مقابلتهن عن بعد من قِبل “مونيتور” من خلال تطبيقات المراسلة وأطراف ثالثة، يقولن إن لديهن أسباب مماثلة للانضمام إلى تنظيم داعش؛ للدفاع عن المسلمين السنة من النظام السوري، ومحاربة إيران والغرب، وللعيش تحت رعاية ما يسميه تنظيم داعش بأحكام الشريعة.

قالت الكثيرات إنه تم دفعهن من خلال أزمات حقيقية في المنطقة، مثل الحرب في سوريا، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والنفوذ المتزايد لإيران، والتي تفاقمت جميعها بسبب عدم قدرتها على أن يكون لهم صوت سياسي في الداخل.

بدلًا من توظيفهن، سعين إلى داعش كمتحولات أيديولوجيات حقيقيات.

الحديث عن النساء بوصفهن “ضحايا” بدلًا من كونهن فاعلين هو دور يحظى بالمناصرة والدفع من قبل أسر النساء اللواتي انضممن إلى داعش، ويضغطون من أجل عودتهن والعفو عنهن من قبل الدولة.

يقول محمد إقبال، من جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج، وهي مجموعة مناصرة لأسر الرجال والنساء الذين غادروا للانضمام إلى الجماعات الجهادية: “نرى هؤلاء الشبان والشابات ضحايا، وهم مخدوعون ومغرر بهم”.

وفقًا لبعض الخبراء، فرغم ذلك، اتخذت الدول والمنظمات غير الحكومية “نهجًا خاطئًا” لإعادة دمجهن في المجتمع، نتيجة للمفاهيم الخاطئة حول سبب انضمام النساء إلى الجماعات المسلحة مثل تنظيم الدولة داعش.

تترك العديد من الدول العربية الأمر للمجتمعات المحلية؛ لإعادة إدماج النساء المنضمين للتنظيم. بينما تقدم المنظمات غير الحكومية الدولية، التي تنفذ برامج (نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج) وتقديم ماكينات الخياطة والمشاريع المنزلية المدرة للدخل، مما يعزز من “الهوية الأنثوية”.

تقول جوريناثان: ” بالنسبة للنساء، فالحال كما لو أننا سنأخذهن من عام 2017 ونعيدهن إلى الخمسينيات، حيث إن هذا من شأنه أن يوفر حلًا لأمازتهن السياسية الكامنة بداخلهن”.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات