كعادته.. تغريدات ترامب تشعل أزمة قطر

ڤايس – التقرير

وسط كل الاضطرابات الداخلية في إدارة ترامب، من السهل أن ننسى أنه قبل هذا الأسبوع، لم يختبر الرئيس وفريقه حقًا أزمة سياسية خارجية تتطلب استجابة حاسمة. تغير ذلك عندما قطعت مجموعة من دول الخليج في الشرق الأوسط، بقيادة السعودية والإمارات العربية المتحدة، العلاقات مع قطر.

هذا أمر كبير، لأن قطر بلد صغير لا يكتفي ذاتيًا، وإغلاق المملكة العربية السعودية حدودها يعني أنه من الصعب فجأة استيراد الأغذية إلى قطر. كما أنها مصدر قلق للولايات المتحدة، حيث إن الدولة الخليجية موطن أهم قاعدة جوية أمريكية في المنطقة.

يرجع السبب الرسمي للانقسام الدبلوماسي إلى تقرير أوردته وسائل الإعلام القطرية، جاء فيه أن زعيم البلاد أدلى بتصريحات إيجابية حول إيران، أكبر عدو لمعظم دول الخليج وخصوصًا السعودية. يبدو أن هذا التقرير وُضِع بواسطة قراصنة، وربما الروس، لكن جيران قطر لديهم مشاكل أعمق مع الدولة الصغيرة الغنية. تُتهم قطر بدعم المنظمات الإسلامية، مثل الإخوان المسلمين وحماس، التي يعتبرها السعوديون والمصريون (الذين انضموا للحظر، بجانب البحرين واليمن والمالديف) جماعات إرهابية.

انتقدت دول الخليج الأخرى والولايات المتحدة تمويل قطر للمتطرفين لفترة طويلة. عام 2014، كان هناك حظر مماثل، حيث سحبت عدة دول سفراءها من قطر، حتى وافقت على تغيير بعض السياسات، مثل تمويل شبكة تلفزيونية ظُن أنها تثير المشاعر المناهضة للحكومة في مصر.

المختلف هذه المرة يمكن تلخيصه في كلمتين: دونالد ترامب. رغم أن جذور الأزمة لا علاقة لها بالسياسة الأميركية، إلا أن قلة خبرة ترامب وتصريحاته العامة المتقلبة قد تكون سبب تدهورها. كما أظهر تخبطه أخطاءه غير المستعدة للتعامل مع الأوضاع المعقدة والمتوترة على الساحة العالمية.

أوضح الخبراء الذين تحدثت إليهم أن أمريكا عادة ما تتطلع إلى إيجاد توازن صعب في المنطقة، فهي تريد بالتأكيد مكافحة تنظيم داعش وغيره من الجماعات الإرهابية، لكن من أجل القيام بذلك، كثيرًا ما تشارك مع البلدان ذات السجلات الفظيعة في مجال حقوق الإنسان وتاريخ من دعم التطرف، بما في ذلك قطر والمملكة العربية السعودية، حتى وإن كان هؤلاء الشركاء لديهم خلافات مع بعضهم البعض. ثم هناك العداء التاريخي بين الدول التي يسيطر عليها الإسلام السُني (بما في ذلك دول الخليج) والإيران الشيعية.

يقول نيكولاس بيرنز، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، الذي أمضى 27 عامًا في وزارة الخارجية الأمريكية، بما في ذلك مهام متعددة في الشرق الأوسط: “إنه حبل مشدود تقريبًا تريد السير فيه. الدين معقد جدًا، وهذه الاختلافات داخل الإسلام مهمة جدًا. هناك قيمة في الولايات المتحدة يُنظر إليها على أنها صانعة للسلام ولا تقف على جانب واحد”.

تجاهل ترامب العديد من الخلافات التي تنطوي عليها العلاقات الخليجية. قبل أزمة قطر مباشرة، زار الرئيس المملكة العربية السعودية واعتنق بوضوح وجهات نظر قادته. كان ميله الموالي للسعودية واضحًا جدًا حتى أنه يتناقض حكومته. مثلما أكد البنتاجون من جديد على أهمية قاعدة قطر، كان ترامب على تويتر مشيدًا بالقرار السعودي.

لماذا فعل ترامب هذا؟ المشكلة، مثلما يفترض بيرنز، هو نقص الموظفين في وزارة الخارجية. يقول بيرنز إن المئات من الخبراء على الأرض في الشرق الأوسط قالوا إن خبرتهم ومشورتهم قد لا يتم نقلها بشكل صحيح إلى ترامب؛ بسبب عدم وجود عدد كاف من المدراء في المستويات العليا للإدارة. قد يكون ذلك سبب رد وصفه بيرنز بأنه “مشوش وغير متناسق”.

“هنا السؤال الذي يطرح نفسه مع هذه الإدارة: هل هناك انفصال بين الرئيس، الذي أظهر انطباعًا بأنه شديد التأثر، والمهنيين داخل المؤسسة العسكرية وبعض أعضاء مجلس الوزراء، الذين ينظرون إلى ذلك من وجهة نظر استراتيجية أكثر؟” تتساءل ريفا غوجون، المحللة في الاستخبارات الجيوسياسية: “يبدو أن ترامب قَبِل وأيد تأييدًا قاطعًا هذه الخطة السعودية؛ للقضاء على الحركات الإسلامية، التي لديها العديد من الأشكال المختلفة”.

اعتناق المواقف المعادية للإسلام في المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج الاستبدادية يعني تبني – أو على الأقل إغفال – السياسات الوحشية المناهضة للديمقراطية في هذه الدول، ناهيك عن الفظائع التي يرتكبها التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن (تحالف دعم الولايات المتحدة). رغم أن الرئيسين السابقين، بما في ذلك باراك أوباما، تحالفوا مع السعوديين، إلا أن ترامب نقل التحالف إلى مستوى آخر بدعمه غير المشروط. (ألهم ذلك رد فعل عنيف من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، الذين يعارضون الآن بيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية).

يقول فريدريك ويهري، الخبير في المنطقة في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، أن ترامب يخشى إعطاء “فحص فارغ” للتحالف السعودي الإماراتي. قال لي: “اعتقد أن السعوديين يحاولون أن يضعوا أنفسهم كمحاورين للولايات المتحدة في الخليج، وحتى في الشرق الأوسط بأسره”.

بحلول الجمعة، بدا أن ترامب تراجع عن موقفه المناهض لقطر، وقال إنه يعمل مع جميع الأطراف لحل النزاع. لكن تعليقاته الأولية قد تكون أثارت الأزمة، بالإشارة إلى المملكة العربية السعودية بأن كل ما يفعلونه جيد بالنسبة له.

تقول غوجون: “إذا شعرت السعودية والإمارات العربية المتحدة بأنهما يحظيان بدعم ترامب، فسيصبحان أكثر جرأة لدفع مطالبهما، الأمر الذي سيطيل من هذه الأزمة”.

أضافت أن قطر تحتاج إلى “الحفاظ على العلاقات الأمريكية بأي تكلفة” من أجل الأمن، في حين أن الولايات المتحدة على الأرجح ليس لديها مصلحة في عملية مكلفة ومزعجة لنقل قاعدتها هناك. مع ذلك، “يجب على قطر أن تسأل نفسها: ما مدى جدية دعم الولايات المتحدة في هذه المرحلة؟”.

هذه الشكوك والإشارات المختلطة هي سمة منتظمة للسياسة الخارجية في عهد ترامب، على سبيل المثال، في الشهر الماضي، عندما رفض أن يؤكد صراحة أن الولايات المتحدة مخلصة لاتفاق الدفاع المشترك لمنظمة حلف الناتو، مما خوّف الزعماء الأوروبيين. قال إنه فعل ذلك دون أن يقول له كبار المستشارين بأن يفعل. يبدو أن تقاسمه للمعلومات الاستخباراتية السرية للغاية مع المسؤولين الروس كان مشجعًا على نحو مماثل.

اتفق الخبراء، الذين تكلمت معهم، على أن دول الخليج ستجد على الأرجح سبيلًا لحل خلافاتها، على الأرجح بعد تنازلات من قطر، تمامًا كما حدث عام 2014. لكن ترامب أضاف عنصرًا من الفوضى إلى الأزمة. فوق كل هذا يعلق سؤال آخر: بماذا سيغرد ترامب خلال الأزمة القادمة؟

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات