«قناة جونقلي».. الأمل الأخير لمصر في تعويض نقص مياه النيل

خالد جمال – التقرير

“وصول البلاد لمرحلة العطش”.. هكذا أبدى عدد من الخبراء المصريين مخاوفهم من سحبت المخزون الاستراتيجي لبحيرة ناصر لسد عجز فيضان نهر النيل، لاسيما بعد أن أعلنت وزارة الري المصرية، أن فيضان العام الماضي (الأسوأ منذ 113 سنة)؛ ما دفع البلاد لسحب مياه من المخزون الاستراتيجي ببحيرة ناصر لسد الاحتياجات المائية (110 مليارات متر مكعب).

وتتخوف القاهرة من تأثير سد النهضة على تدفق حصتها السنوية من مياه النيل (55.5 مليار متر مكعب)، بينما يقول الجانب الإثيوبي إن السد لن يمثل ضررا على السودان ومصر، وسيمثل نفعا له في مجال توليد الطاقة.

وفي مقال لأستاذ المياه محمد حافظ، أكد فيه خطورة وضع ملف المياه على حياة المصريين، رابطا ما يحدث الآن بما وقع من مجاعة قبل ألف عام أو ما عرف بـ”الشدة المستنصرية”.

وأكد حافظ أن القمر الصناعي التابع لوزارة الزراعة الأمريكية رصد انخفاض منسوب بحيرة ناصر عن المنسوب الأعلى للتخزين الميت بـ52 سم، ثم توالى الهبوط حتى 86 سم يوم 12 مايو، وأن إجمالي المخزون الميت يعادل 31 مليار متر مكعب، وهي الكمية غير الكافية لملء مقاطع النيل.

فشل المفاوضات

أكد مراقبون وخبراء مرة آخرى، أن الجانب الأثيوبى وقع على شهادة وفاة الدراسات الفنية خرجت بشكل رسمي عقب بيان وزارة الري، بعد ختام الجولة الـ14 من المفاوضات والتي انتهت بالفشل.

خفق المفاوضات تلك المرة تمثل في بيان وزارة الري الذي أوضحت فيه أن المناقشات بين مصر وإثيوبيا والمكاتب الاستشارية لا تزال قائمة حول طريقة عمل المكاتب الاستشارية للسد، وأن هناك نقاط خلاف سيتم حلها خلال الاجتماع المقبل والذي لم تحدد وقته.

البيان الرسمي شمل أيضًا تأكيد الوزارة أن ما حدث في الجولتين الـ”13-14″ كان دراسات المحاور الأربعة للدراسات الفنية وما هو تصور المكاتب الاستشارية للعمل في كل ملف على حدة.

خروج البيان بهذه الصورة أثار أكثر من نقطة لعل أهمها على الإطلاق عدم تحديد موعد الجولة المقبلة عكس ما حدث خلال الجولة الـ13 في القاهرة حين أعلن بيانها الختامي موعد الجولة الأخرى.

ما حدث لم يكن غريبًا، وإن كانت وزارة الري أخفته، لكن مصادر داخل اللجنة الفنية أكدت أن الخلاف الدائر بين القاهرة وأديس أبابا يتمثل في سنوات ملء الخزان، ففي الوقت الذي تريد مصر ملء الخزان في 7 سنوات حتى لا يؤثر التخزين في موارد مصر المائية بشكل كبير، تتمسك إثيوبيا بعام واحد، وهو ما يعتبره خبراء المياه كارثة في حال تم التنفيذ.

الأمر ذاته أكدته مواقع سودانية، والتي كشفت أن هذا الخلاف لا يجد حلا حتى الآن وسط تعنت إثيوبي واضح في رغبة بدء التخزين يوليو المقبل، الأمر الذي حذرت القاهرة منه باعتبار أن ملف المياه أمن قومي.

قناة جونقلي والخلاف المالي

ورغم فشل التوصل لحل إلا أن مصر ما زالت تسعى لتجنب أزمة المياة التي تعتبرها مصيرية بالنسبة لمواطنيها، لذلك استجدت مشروع قناة جونقلي في محاولة منها لإيجاد بدائل لزيادة حصتها من المياه، من خلال الاستفادة أكثر من المياه في منطقة السدود ومستنقعات بحر الجبل وزيادة المياه الواصلة لمصر.

وكشف مصدر حكومي مصري أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أمر بفتح هذا الملف منذ ما قبل توليه رئاسة الجمهورية، في فترة عضويته بحكومة إبراهيم محلب الأولى في ربيع عام 2013، فكلّف وزارة الموارد المائية والري بإعداد دراسة وافية عن المشروع، انتهت إلى وجود عقبات مالية ودبلوماسية عدة تجعل من شبه المستحيل إحياءه.

ولكن ذكرت تقارير إلى أن هناك خلافًا ماليًا بين الدول الثلاث على تحمّل مبالغ تعويض مقاولي المشروع بعد توقفه بسبب الحرب الأهلية في جنوب السودان خلال ثمانينيات القرن الماضي، ما ضاعف الخلافات السياسية القائمة أصلًا بين السودان وبين مصر وجنوب السودان كل على حدة خلال السنوات الأخيرة بسبب المشاكل الحدودية واتهامات دعم المتمردين الانفصاليين.

جذور المشروع

ومشروع قناة جونقلي كان نتيجة اتفاق الانتفاع الكامل في مياه النيل بين مصر والسودان المبرم عام 1958، والذي تضمّن في فقرته الثالثة أن تتولى البلدان معًا إنشاء مشاريع زيادة إيراد النيل بمنع الضائع من مياه حوض النيل، على أن يقسم صافي فائدة هذه المشاريع على الدولتين بالمناصفة، ويساهم كل منهما في تكاليف تلك المشاريع وفوائدها، وتم ترسيم خطة المشروع عام 1974 بالاستعانة بخطط بريطانية قديمة لتأمين المياه لمصر في فترة الانتداب البريطاني.

وفي يوليو 1976 أسند العمل في مشروع قناة جونقلي إلى شركتين فرنسيتين، وتم حفر 265 كيلومترًا من إجمالي 360 كيلومترًا هي الطول المخطط للقناة الواصلة بين مدينة بور عاصمة ولاية جونقلي وبين مدينة ملكال، كذلك تم تنفيذ بعض مشاريع التنمية لفائدة القبائل المقيمة في تلك المنطقة، والتي كانت تعارض شق القناة بحجة أنها ستغير طبيعة أراضي الرعي التي ينشطون فيها.

لكن ولاية جونقلي شهدت شرارة اندلاع الحرب الأهلية السودانية عام 1983 فتوقف حفر القناة نهائيًا في فبراير 1984 بعد هجوم المتمردين على معسكر سوباط، فأجبرت الشركتان الفرنسيتان (مقاول المشروع) على مغادرة المنطقة، ولجأتا إلى التحكيم الدولي ضد السودان، الذي كانت المنطقة تقع في أراضيه حتى استقلال جمهورية جنوب السودان عام 2011.

وفي عام 1988 أصدرت هيئة التحكيم حكمًا لمصلحة الشركتين الفرنسيتين بإلزام وزارة الري السودانية (بصفتها الطرف المتعاقد رغم أن الأموال كانت مناصفة بين مصر والسودان معًا) بدفع تعويض، واستمر البلدان يدفعان مبالغ تعويضية حتى عام 2000 بإجمالي 75 مليون دولار.

لكن تأزم الأوضاع السياسية بين النظام الحاكم في السودان ونظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وكذلك انشغال السودان بالأوضاع المتوترة في الجنوب، أديا إلى توقف البلدين عن سداد الأقساط الباقية المستحقة، والتي كانت تبلغ بالفوائد حتى عام 2003 نحو 38 مليون يورو، وأدى هذا التوقف إلى الحجز على حسابات سودانية حكومية في المصارف الفرنسية.

وبعد استقلال جنوب السودان، طالبت جهات قضائية ودبلوماسية سودانية بإعادة احتساب المبالغ المستحقة لتعويض الشركتين الفرنسيتين على أساس تحمل مصر نصف المبالغ باعتبارها كانت تملك 50 في المائة من المشروع، وأن يعاد تقسيم نسبة 50 في المائة الباقية بين السودان وجنوب السودان، كجزء من عملية إعادة النظر في الديون الخارجية المترتبة على كل منهما جراء الانفصال.

خلافات متفاقمة

فعلى الرغم من مناقشة هذه المشاكل المالية بين مصر والسودان وجنوب السودان، كل على حدة، خلال اللقاءات رفيعة المستوى بين الرؤساء في السنوات الثلاث الماضية، إلا أنهم فشلوا في حلها، فالسودان يرى أن علاقته بالمشروع قد انتهت بانفصال الجنوب وأنه لن يفيده شيئًا نظرًا لاكتفائه من المياه وعدم معقولية تحمله مسؤولية تحسين خدمات الري في الجنوب.

بينما يبدي جنوب السودان اعتراضات مالية تتمثل في أن حكومته لم تكن هي الطرف المتعاقد ولم تكن تحمي المشروع وقت تعثره، وكذلك اعتراضات سياسية لها أصول تاريخية.

فعلى الرغم من أن المشروع سيخدم المنطقة ويحقق وفرًا مائيًا ويقلل ظاهرة إهدار النيل، خصوصًا من مياه بحر الجبل، إلا أن حكومة جنوب السودان لا تريد إغضاب القبائل المقيمة في المنطقة، والتي تتمسك بنمط حياة سيؤثر عليه المشروع سلبًا، لا سيما أن جون غارنغ زعيم الحركة الانفصالية لجنوب السودان والقائد التاريخي للجنوب، سبق أن عارض هذا المشروع سياسيًا وعلميًا، بل وحصل على درجة الدكتوراه بأطروحة عن الآثار السلبية لهذا المشروع على السكان التقليديين في ولاية جونقلي.

محاولات احتواء مصرية

وذكر مصدر في وزارة الري المصرية أن القاهرة تحاول حاليًا إقناع الدولتين للوصول لحل وسط في ما يخص تسوية الخلافات المالية، مع تقديم عرض لجنوب السودان لإقامة عدد من المشاريع التنموية والمرفقية في ولاية جونقلي مقابل المشاركة في إنجاز ما تبقى من المشروع بمعزل عن الخرطوم، علمًا بأن مصر دعمت جنوب السودان بمشاريع تنموية بقيمة 26 مليون دولار منذ تأسيسه.

وأشار المصدر إلى أنه على الرغم من جودة العلاقات المصرية-الجنوب سودانية حاليًا، وتزامنها مع تدهور مستمر للعلاقات بين القاهرة والخرطوم، إلا أن عقبة المشاكل المالية بين السودان والجنوب تقف عائقًا أمام اتخاذ قرار استئناف المشروع سياسيًا وفنيًا، مشددًا على أن المشروع سيزيد الحصة الإجمالية للمياه للدول الثلاث بنحو خمسة مليارات متر مكعب سنويًا.

وعلى الرغم من الجهود المضنية التي تبذلها مصر في هذا الإطار إلا أن متخصصون يرون أن الأمر لم يجدي وأعلنوا وفاة “مفاوضات سد النهضة”، وأنه “علميا لا يوجد حل”.

المواجهة الحربية

وأكد السياسي المصري ورئيس حزب الجيل، ناجي الشهابي، أن إقرار وزارة الري بأنها سحبت من المخزون الاستراتيجي ببحيرة ناصر لهو إنذار لما سيكون عليه الوضع بعد حجز المياه لملء سد النهضة وتخفيض حصة مصر بمقدار 25 مليار متر مكعب.

وحول حلول الأزمة، قال الشهابي”ليس هناك بدائل إلا إجبار إثيوبيا على عدم المساس بحصة مصر”، مطالبا بزيادتها لتتناسب مع الزيادة السكانية بمصر، موضحا أن هذه الحصة أقرت وكان عدد سكان مصر 18 مليون نسمة، ونحن الآن 92 مليون نسمة.

وحذر الشهابي، في تصريح له، من التفريط بحصة مصر، وطالب بالحفاظ عليها، “حتى لو اضطررت مصر لخوض حرب ضروس ضد إثيوبيا”، معتبرا أنها مسألة حياة أو موت وتهديد لمظاهر الحياة على الأرض المصرية.

وأكد الشهابي أن ما يثار من بدائل أخرى داخلية من تحلية لمياه البحر أو ترشيد استهلاك المياه أمور جيدة، لكنها مكملة للحفاظ على حصتنا بمياه النيل.

لا يوجد حل

أستاذ الأراضي والمياه، الدكتور محمود خفاجي، يشدد على خطورة الأوضاع المائية، وقال “إن مخزون المياه لا يكفي للزراعة لمدة عام؛ لأن ما يصل مصر أقل من المعدل السنوي، والمياه الجوفية لن تعوض هذا النقص الكبير”، مضيفا: “وبالتالي ليس لدينا أي بديل لتعويض نقص مياه الفيضان أو نقص المياه بسبب ملء خزان سد النهضة”.

ويرى خفاجي، في تصريح للصحف، أنه “علميا لا يوجد حل”، موضحا “أن 95 بالمئة من المياه مصدرها نهر النيل، والباقي مصادر غير قابلة للتجدد، ومعظمها مياه جوفية بمنطقة الواحات”، مضيفا أنه “حتى المياه الجوفية بالساحل الشمالي وقرب منطقة قناة السويس هي مياه مالحة متأثرة بمياه البحر، ولا تصلح للشرب والزراعة”.

وحول تحلية مياه البحر، أكد الأكاديمي المصري أن “التحلية أمر مكلف جدا، وأنه قام ببحث حول المياه الجوفية بالساحل الشمالي بين الإسكندرية ومرسي مطروح (شمالا)، فوجد أن التكلفة كبيرة لتوفير مياه الشرب، ناهيك عن الزراعة”.

وعن الحل السياسي، قال خفاجي إنه “كان ممكنا قبل بناء سد النهضة، وقبل توقيع قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي للاتفاقية الإطارية مع إثيوبيا والسودان، والتي تسمح ببناء السد، وتحرم مصر من حقوقها التاريخية”.

وأضاف أن “الحل الأمثل هو مد فترة التخزين بالسد حتى 15 سنة وليس 7 سنوات”، موضحا أن “هذا الحل أيضا قد لا يرضي إثيوبيا التي دفعت أموالا كثيرة واستقبلت استثمارات من دول أجنبية لإنتاج الكهرباء من السد”.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات