“قطعة من أوروبا”.. هذا التاريخ بقلم الناظر لا بقلم المؤرخ

أفنان فهيد – التقرير

استغرقتني قراءة هذه الرواية مدة أطول مما توقعت. فأحداثها التاريخية متلاحقة وسريعة، تتطلب من قارئها مدة لاستيعابها، نخرج من ميدان التحرير إلى طلعت حرب، ثم نرحل إلى سيناء، ومن سيناء إلى جنين، ونعود من جنين إلى بحر البقر، كل هذا في رأس الناظر، يرويه بسرعة، يريد أن يؤرخه قبل ينساه.

2

وتساءلت كثيرا: من أين أبدأ الكتابة عنها؟، هل (قطعة من أوروبا) رواية أم تاريخ؟

وتوصلت في النهاية إلى أن هذه الرواية ما هي إلا شهادات الناظر، ولكن من الناظر؟

“في هذه الرواية أنا الناظر. ليس هذا الاسم هو ما اختاره لي والداي. ولا هو كُنيتي التي ناديني الناس بها، أنا الناظر لأن مهمتي النظر، أنقل عبر حكايتي ما نظرت إليه من نظر القلب، أي ما رأيته بالبصر والبصيرة. أنا الناظر، منظرتي تّلة عمري، أقف عليها رقيبا وحارسا، أنتظر وأعتبر وأقدم دلائل المحبة؛ لأن النظر في لسان العرب دليل محبة، وترك النظر دليل انصراف أو بغض أو كراهية”.

يتضح من السابق أن صاحب القصة هنا هو الشاهد على أحداثها. إلا أنه يختلف عن كل أصحاب القصص؛ فقصته ليس قصة عادية، بل هي أحداث تاريخية، وهو حتما يختلف عن المؤرخ؛ فهو ليس حيادي، ولا أكاديمي، ولا يلقي الاتهامات والأحكام جزافا دون شفقة أو رحمة.

فليس كل مؤرخ ناظر، ولا كل ناظر مؤرخ. إلا أن شهادة أي ناظر قرر كتابتها ليوصلها للأجيال القادمة هي حتما أهم ما يبحث عنه دارس أو قاريء التاريخ بصفة عامة، وهي غالبا أصدق مما يكتبه المؤرخ؛ لأن عادة ما يكون الناظر ضحية تلك الأحداث.

مَن الناظر هنا؟، ومَن صاحب القصة؟، ومَن راوي تلك الأحداث؟، أهي رضوى عاشور؟، في الواقع أن رضوى لم تحضر بعض الأحداث التي أرخت لها في (قطعة من أروربا) فالناظر ولد قبلها بعشر سنوات. وفي المسودة المرفقة بالكتاب يتضح للقارئ مصادر الشهادات والمعلومات المذكورة به.

وفي الحقيقة أن رضوى خلقت شاهد على تلك الأحداث لترويها لنا بصيغة أكثر صدقا وتبسيطا مما يفعله المؤرخون.

تتميز جميع أعمال “رضوى عاشور” بأنها مبنية على أساس تاريخي، تتأثر شخصياتها به وهو ما يطلق عليه التأريخ بالرواية. كما أنها لا تغفل الجزء الأكاديمي المتعلق بإرفاق المصادر والشهادات في نهاية الكتاب. بالرغم من الروائي -على عكس المؤرخ- ليس مجبرا على ذكر مصادره، فهو في النهاية ليس مصدرا أكاديميا إلا أن رضوى تصر بذلك على فعل التأريخ في حد ذاته، فيطمئن القارئ بأن هذه الأحداث ليست محرفة، ولا من خيال المؤلف بل هي أحداث تاريخية حقيقية، والشخصيات في أغلب الأحيان مزيج من الواقع والخيال.

القارئ غالبا ما يكون أكثر تعاطفا وتصديقا للشاهد على الأحداث، والذي لا يعتبر التأريخ مهنته، يرويها كما حضرها وشعر بها؛ فيصبح كلامه أقرب للقلب وأكثر مصداقية. الناظر غالبا مَن يقتله المؤرخ!

بين جنبات الكتاب تحكي رضوى لنا ما يغلفه المؤرخون أو يتغافلوه عمدا، وما يرونه غير مهم أو لن يعجب المنتصر، القصص الإنسانية  التي تعطي للتاريخ معناه الأصلي وهو تسلية  المقهور، وصرفه عن همه بهم آخر.

هل تذكر مصادر التاريخ قصة “فارس” الفتى الفلسطيني الذي استشهد في الانتفاضة عام 2000 وكان يَدبُك وهو يرمي الدبابات  بالحجارة؟، ربما ستذكر على الهامش، ولكنها لن تذكره كما ذكرته أمه في حديثها عنه. لن يذكروا مقلاعه الذي وجدوه مخبأ بين أغصان شجرة الزيتون، ولا ملابسه التي كان يحرص على تغيرها قبل العودة إلى المنزل كي لا يخيف والديه من آثار الدماء.

هذه الشهادات تثير الناظر لا المؤرخ الأكاديمي، بل ومن الممكن أن يتهم المؤرخ الضحية بأنها غير مسؤولة ومتهورة ألقت بنفسها في التهلكة، فيقتل المؤرخ الناظر مرة أخرى. مرة بعدم ذكره نهائيا، ومرة بذكره بما لا يجب.

يمر الناظر بعواصف أعتى من عواصف شكسبير، ولكن لن يصفق له الجمهور لأنه لا يستطيع أن يصل لجمهور. اُتهم الناظر بالجنون عندما أخبر من حوله أنه يرى أخيه الشهيد يأتي لزيارته ولا يرى في ذلك عيبا، ولكن لم يصفق له الجمهور كما صفق لهملت عندما رأى شبح أبيه الملك، كم من منكوب جاء له شبح فقيده فاتُهم بالجنون كما اتُهم الناظر ولم يصفق له الجمهور؟.

هذه حكاية الناظر يرد بها على ما سطره المؤرخ في كتبه. لن يهتم بتسلسل الأحداث ولا بتسلسل أبجدي، ولا بأي تسلسل أكاديمي متعارف عليه. سيكتب الناظر ما يريد وما يشعر به، سيطير من هنا إلى هناك. بسرعة أو ببطء. لن يدقق في ذلك، سيعتذر للقارئ كثيرا عن فوضوية السرد، سيذكر أحداثه الشخصية في وسط الأحداث العامة.

التسلسل الزمني وترتيب الأحداث يُسأل عنه المؤرخ، أما هذا التاريخ فيكتبه الناظر!

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات