قراءة في كتاب الإسلام الحركي لـ”عبد الرحيم بوهاها”

حمزة ياسين – التقرير

هناك عدة أسباب جعلت من الجماعات الإسلامية موقع اهتمام ودراسة من قِبل المراكز البحثية المختلفة، والباحثين والمفكرين من التوجهات المختلفة، من أهمها أحداث 11 سبتمبر، والتي أظهرت حجم القوى والتأثير الذي يمكن أن يحمله تيار ذو مرجعية إسلامية، وبزوغه كقوة مؤثرة على حركة الواقع؛ فبدأت الدراسات عن الجماعات الإسلامية تأخذ حيزًا كبيرًا في الشرق والغرب.

ولا يتوقف الموضوع عند هذا الحدث، فما بات يعرف بالصحوة الإسلامية قد بدأ بأخذ موقعه على الساحة العربية؛ ففي حين شهد القرن العشرون انهيار الأيديولوجيات الكبرى من فاشية وشيوعية، فإن طاقة فعل الإسلام السياسية شهدت تعاظمًا وحضورًا قويًا، ففي مصر وباكستان اعتبر الإسلاميون أحد اهم عناصر الحياة السياسية، بالإضافة للثورة الإيرانية في السبعينات، والتي جلعت السلطة بأيدي جماعة إسلامية بقيادة الخميني، وأقام أول جمهورية إسلامية في العصر الحديث، بالإضافة لوصول الإسلاميين للحكم في السودان وتركيا والجزائر وتونس؛ فمنذ الستينيات أصبح الخطاب الإسلامي محور الجدل والتدافع الفكري في أغلب مناطق المجال الإسلامي، وأصبحت الكتابات الإسلامية هي الأكثر انتشارًا بلا منازع.

كما ظهر أثر الإسلاميين على المستوى الثقافي والاجتماعي؛ ففي الفترة التي استطاعت فيها حركة التحديث خلال النصف الأول من القرن العشرين تغيير لباس الرجل والمرأة في معظم المدن الإسلامية، فإن حركة الإحياء الإسلامي سرعان ما نشرت أنماطًا جديدة من الحجاب، وقد أثر الإسلاميون بشكل كبير على مستوى العلاقة مع الدولة بشكل صراعي فيما بينهما.

وفي الحقيقة، إنه لا يمكن فهم الواقع العربي والإسلامي الآن من غير أخذ القوى الإسلامية بعين الاعتبار، و ليس فقط على المستوى السياسي بل الثقافي والاجتماعي، فالإشكال الأكبر الذي تعيشه الأمة، وأعني هنا إشكال الأصالة والمعاصرة، قد لعبت فيه القوى الإسلامية دورًا كبيرًا من خلال تشكيل خطاب ومنهجية للعمل تنحاز بها إلى أحد أطراف هذا الإشكال، والسجال القائم حول شكل الدولة وتطبيق الشريعة أو القانون المدني، وحول علاقة الديني بالسياسي، والتدافع العلماني الإسلامي على حيازة السلطة يعدان من أهم ما يجب على كل فاعل ودارس للواقع أن يكون على اطلاع عليه.

وفي هذا الكتاب، نستعرض الرؤية التي نشأت عليها القوى الإسلامية الحركية، وسياق النشأة وأسبابها وأهم ممثليها، وهو كتاب الإسلام الحركي لعبد الرحيم بوهاها.

*** *** ***

نستطيع أن نقول إن أكبر سؤال وأكثر هاجس شغل الإسلاميين هو سؤال الهوية، بمعني أننا كيف نستطيع الحفاظ على الهوية في مواجهة حركة التحديث الداخلية، والتي جعلت من التغريب الثقافي ونشر القيم الغربية شعارًا لها، ثم أن التراجع في قوة وتأثير مؤسسة العلماء التقليدية قد ساهم في تشكيل مسؤولية عند هذه الجماعات، ولم ينفصل تشكيل الإسلاميين عن الاستعمار الأوروبي للعالم العربي والمسألة الفلسطينية وغيرها، حيث لعبت فيها القوى الإسلامية دورًا من خلال حركات النضال الوطني ضد الاحتلال.

ثم أن مأزق الحداثة ونشرها في العالم العربي لم يتعدَ نشرها على صعيد القيم والتأثير الاجتماعي والثقافي، بل أثرت على المستوى السياسي بشكل كبير، فقد أخذ شكل الدولة الحديثة بالظهور، واستبدال الشريعة الإسلامية بالقوانين والدساتير، ولا يخفى علينا أيضًا تأثير سقوط الخلافة العثمانية؛ فقد اعتبرت كغطاء جامع للأمة ومحامية للدين، فبعد سقوطها ظهرت أزمة الهوية، وارتبط هذا السقوط للخلافة مع ظهور الدولة الحديثة برفع شعار تطبيق الشريعة.

وأهم ما يتسم به الإسلاميون باعتبارهم ممثلين للتأويل الحركي للإسلام، هو ربطهم بين الإيمان بالله وإخلاص العبادة له، وبين إقامة حكمة في الأرض وتطبيق شرعه فيها.

*** *** ***

الأعلام المؤسسون لتشكيل التأويل الحركي للإسلام

أبو الأعلى المودودي

أعلن المودودي أنه لا مجال لإصلاح الفرد والمجتمع إلا بإقامة حكومة إسلامية تتكفل بهذه المهمة، كما أقام علاقة تلازم بين الإصلاح من ناحية وتطبيق الشريعة واستلام الحكم من ناحية أخرى؛ ليؤكد الغاية التي يرمي إليها وهي استلام الإسلاميين لزمام السلطة؛ حيث يؤكد أن “المطالبة بالحكومة الإسلامية والدستور الإسلامي تنبع من الشعور الأكيد بأن المسلم إذا لم يتبع قانون الله؛ فإن ادعاءه للإسلام باطل لا معنى له”.

حسن البنا

بدأ حسن البنا بخطاب دعوي إرشادي يرمي إلى إصلاح العقيدة وإحياء الإيمان في النفوس، بالإضافة إلى أفكاره وآرائه الاجتماعية المتعلقة بتهيئة المجتمع ليعود مسلمًا كما كان، ويصير قادرًا على أن يكون المجتمع المسلم الذي يؤسس للدولة المسلمة.

وغلبت على كتابات البنا التأكيد على صفة الكلية والشمولية التي يتميز بها الإسلام، والدعوة إلى العمل بها وتطبيقها في الواقع، ولا يكتفي البنا بالتعامل مع الإسلام كمبادئ دينية وأخلاقية عامة، وإنما باعتباره منطلقًا للعمل السياسي والاجتماعي وموجهًا للحياة العامة.

ويتقاطع البنا مع المودودي في التعامل الأيديلوجي مع الإسلام، واعتباره منطلقًا للعمل السياسي والاجتماعي في سياق الظروف الواقعية التي عاصروها، وقد كانت هذه المنطلقات هي التي تأسست عليها حركة الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية عام 1928، حيث كان حسن البنا منشغلاً بكيفية التغلب على أوضاع مصر المتردية زمن الاستعمار وسلب مقاومة الانحلال الأخلاقي وغزو الثقافة الأجنبية.

لقد كان الهاجس في البداية أخلاقيًا واجتماعيًا، ثم تحول إلى سياسي، فمع توسع القاعدة الشعبية لجماعة الإخوان المسلمين، شرعت الجماعة في الالتزام الجاد والعلني بالقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد كانت الشعارات التي رفعها البنا وجماعته تدور حول موضوع رئيسي وهو إنقاذ الدين والوطن والأمة، والدعوة إلى الأخلاق والعودة إلى الإسلام عبر خطاب وعظي يعود إلى القرآن والسنة؛ باعتبارهما مصدرين أولين، ويتخذ المساجد والأماكن العامة كفضاء للنشاط والاستقطاب.

سيد قطب

بعد وفاة البنا أصبح هناك فراغ أيديولوجي عند الجماعة، ولم يستطع ملء هذا الفراغ إلا سيد قطب، وبالرغم من تعيين حسن الهضيبي مرشدًا عامًا للجماعة بعد وفاة البنا، إلا أن وسطيته وضعف نفوذه الفكري والسياسي داخل الحركة لم يملاً الفراغ الذي خلفه البنا، فكان سيد قطب هو المرشح الأقوى لمواصلة العمل الأيديولوجي لحركة الإخوان.

يقوم تصور سيد قطب على مفهومين أسياسيين مثّلا حجر الأساسي في بنائه الفكري، وهما “الحاكمية” و”الجاهلية” يعضدهما مفهوم “الجهاد”، والحاكمية مفهوم يصل بالحكم والحكومة الإسلامية ويعني أن لا حكم إلا الله، ورفض تحكيم حكم آخر غير حكم الله، على اعتبار أن جميع أشكال الحكم الأخرى هي “جاهلية”، وكل مجتمع لا يحكم بما أنزل الله ولا يطبق الحاكمية؛ فهو مجمع جاهلي لا يصل لمرتبة المجتمع المسلم النقي، ومن الجدير بالذكر أن فكرة الحاكمية هذه تعود في جذورها إلى المودودي.

وبالرغم من تقاطع قطب مع منظور البنا للإسلام الحركي الشامل، إلا أنه قطب قام بتأسيس سياق صدامي خطير يعادي كل البنى والتظم الثقافية والاجتماعية والسياسية الأخرى المخالفة، لذا فقد مثل فكر سيد قطب تحولاً بارزًا في تاريخ الحركات الإسلامية المعاصرة وفتح مسارًا جديدًا في التعامل مع المجتمع والدولة.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات