قانون المصالحة التونسية.. كيف سينهي أي عدالة انتقالية؟

ميدل إيست آي – التقرير

بعد ست سنوات من سقوط نظام بن علي في تونس، تمر العدالة الانتقالية بأوقات عصيبة. لا يزال هناك إفلاتًا من العقوبات الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان، وهرب عدد من المسؤولين البارزين من عقوبات القمع. تتعرض لجنة الحقيقة والكرامة لهجمات من كل الاتجاهات. أُنشئت هذه اللجنة في 2014؛ لمعرفة حقيقة انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية من الحكومات السابقة منذ الاستقلال.

يمكن أن يكون إعادة تقديم مشروع قانون بشأن المصالحة الاقتصادية في أبريل الماضي، هي الضربة الأخيرة، ويمكن أن تتسبب في عدم معاقبة منتهكي الحقوق. اقترح السبسي هذا المشروع خلال خطابه في يوم الاستقلال في 20 مارس 2015، وقال إنه سيحسن بيئة الاستثمار، مما سيؤدي إلى زيادة استعادة الأصول من المديرين التنفيذين الفاسدين، ويتيح استخدام هذه الأصول في مشروعات التطوير.

لكن الحقيقة أن تونس تحتاج لاستمرار تسليط الضوء على الاستبداد والنهب الاقتصادي، الذي وقع أثناء حكم بن علي؛ من خلال دائرته الداخلية، إذا أرادت التخلص من الأشياء العالقة في الماضي، والتركيز على ديموقراطيتها، لكن هذا القانون لا يحقق ذلك.

القضاء على العدالة

في ديسمبر 2013، تعهدت تونس بالالتزام بتحقيق العدالة الانتقالية. بالتالي، حققت في انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بنظام القمع، وحوّلت القضايا للمحاكمة. كانت هذه التحقيقات لمساعدة المؤسسات الحكومية على تفادي الوقوع في أخطاء الماضي. تتضمن المرحلة الانتقالية المُحاكمة في قضايا الفساد التي وقعت أثناء حكم النظام السابق.

تملك تونس طريقتين للتعامل مع جرائم الفساد. أولاهما أن نظام العدالة لديه السلطة لملاحقة ومحاكمة أي شخص، الذي يستفيد من الاختلاس أو تورط فيه. ثانيهما أن لجنة الحقيقة والكرامة تملك السلطة للتحقيق في جرائم الفساد، وإحالة قضايا رجال الأعمال أو موظفي الحكومة المشتبه في فسادهم أمام نظام العدالة.

سيضع القانون الجديد حدًا لكل ذلك، من خلال تولي مسؤوليات نظام العدالة وعمل اللجنة. لن يكون نظام العدالة قادرًا على محاسبة أي شخص بالفساد، والذي سيحصل على عفو من لجنة المصالحة التي ستنُشأ نتيجة للقانون الجديد. سيتم محو كل قضايا المال والفساد.

من المتوقع أن تعمل لجنة المصالحة لمدة تسعة أشهر، وسيكون لديها عدد من الأخطاء فيما يخص عملية العدالة الانتقالية السليمة. سيُفتقد الاستقلال بسبب وجود أعضاء معينيين من قِبل الحكومة أو أطراف لها مصالح. ستتعامل اللجنة فقط مع القضايا الفردية لأشخاص أو مؤسسات يسلمون أنفسهم طوعًا، ولن تُحقق في الفساد الذي وقع أثناء وجود النظام السابق. كما ستتيح لوكلاء الحكومة المتورطين في قضايا الفساد أن يستفيدوا من العفو والحصانة من المحاكمة، وهو ما يقوّض جهود التخلص من الفساد.

كشف تحقيق فساد قامت به اللجنة الوطنية في 2012، أن زين العابدين بن علي وأسرته وأصدقائه قاموا بتوزيع أموال صندوق النقد العام والأراضي، عن طريق استغلالهم لمؤسسات الدولة، مثل بنوك الدولة ونظام العدالة والشرطة، وتوسيع مكاسبهم ومُعاقبة من وقف في طريق مصالحهم.

تسلمت لجنة الحقيقة والكرامة 2700 طلب للتحكيم في قضايا مالية، وقاومت محاولات العرقلة من مؤسسات الحكومة في محاولتها للتحقيق في الجرائم المالية. بوجود هذا القانون ستخسر قدرتها على ذلك.

سرية تامة

سيضمن هذا القانون السرية التامة للمعتدين، الذين سيدخلون ضمن عملية المصالحة، ولن تُكشف قرارات اللجنة للجمهور أو لإدارة الدولة. أما الوثائق التي ستحصل عليها أثناء عملها سيتم نقلها للأرشفة الوطنية، لكن لم يكشف أحد كيف سيتم الوصول لهذه الوثائق.

ستنشر اللجنة تقريرها النهائي وبه الاكتشافات، لكنها لن تكشف هوية المتورطين في الانتهاكات. على العكس، كان التقرير النهائي للجنة الحقيقة والكرامة ليُكشف للجمهور مع تحديد للأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات.

وفقًا القانون الجديد، لن يستطيع أي شخص أو كيان استخدام المعلومات التي تم الحصول عليها لأي غرض أو في أي موقف آخر. معنى ذلك أن أي مؤسسة، مثل لجنة الحقيقة والكرامة أو نظام العدالة، سيتم منعهم من الحصول على المعلومات المُجمعة من لجنة المصالحة، وسيتم عرقلة التحقيقات في أي انتهاك آخر لحقوق الإنسان يرتبط بمؤسسات أو أشخاص على علاقة بقضايا الفساد.

يبدو أن الهدف الحقيقي ليس الكشف عن نظام الأعمال الداخلية، الذي مكّن الأفراد الأكثر فسادًا من الاستفادة من خلال التواطؤ.

يجب أن يعلم الجميع أن أحد أهم أهداف العدالة الانتقالية هو تحديد نظام القمع والتخلص من أي شكل من أشكال الفساد. يجب التركيز على الأبعاد المنهجية والمؤسسية للفساد، عند الحديث عن أي مبادرة لكشف حقيقة جرائم الماضي.

مع تعامل اللجنة مع القضايا التي يتقدم بها المسؤولون عن الفساد طوعًا، تترك الفساد الخاص بفساد رجال الأعمال أو رجال الدولة دون مراجعة.

لا تملك اللجنة سلطة اتخاذ قرار بشأن المعلومات التي تستلمها، ولا يمكنها إجراء تحقيقات مستقلة بشأن أفعال الأشخاص الذين لن يسلموا أنفسهم. ما يعني أن السلطات ستكون مكتوفة الأيدي، وستتعامل مع النوايا الحسنة لأشخاص تُوجه لهم اتهامات خطيرة بالفساد أو الاختلاس.

افتقار للحكم الذاتي وعفو في غير محله

حسّن القانون المعدل تكوين لجنة المصالحة، التي سيتم الإشراف عليها في البداية من قِبل السلطة التنفيذية. رغم ذلك، إلا أنها ستفتقر إلى أي ضمان لاعتبارها مُستقلة أو ذات حكم ذاتي، حيث إن كل الأعضاء سيتم تعيينهم وليس انتخابهم، إما بواسطة ممثلين من السلطة التنفيذية أو من السلطة التشريعية أو من المنظمات المهنية، مثل رابطة المحامين أو ممثلين من نظام العدالة، وسيقوم الرئيس التونسي باختيار رئيس اللجنة.

بالإضافة إلى ذلك، لن يصوت البرلمان على ميزانية اللجنة، وبدلًا من ذلك، سيتم تخصيص تكاليف عملياتها من ميزانية السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، والتي تواجه بالفعل أزمات خاصة بالميزانية، وفقًا لعدة تصريحات صادرة عن رئيسها “شوقي طبيب”.

من خلال تقديم العفو للموظفين العمومين، سيعرقل مشروع القانون أيضًا قدرة الحكومة على تقييم نزاهة ممثلي الحكومة وهؤلاء الموظفين، في ضوء تورطهم السابق في الفساد.
بالطبع، يقدم هذا القانون للموظفين العمومين أو وكلاء الحكومة، الذين تمت محاكمتهم بسبب ارتباطهم بفساد حكومي أو إداري، فرصة الاستفادة من العفو، إذا لم يحصلوا بشكل مباشر على أرباح مالية من الفساد. يمكن للجنة أن تقرر إعطاء عفو حتى إذا كانت هناك قضايا في المحاكم.

حتى الآن، تكتم الجميع حول طريقة الكشف عن الموظفين العمومين، الذين حصلوا على أرباح مالية أو شخصية من الفساد، وإجبارهم على إعلان أصولهم، وتمييزهم عن الأشخاص الذين لم يتربحوا بشكل شخصي.

قلب نظام العدالة

في النهاية، يعمل قانون التصالح الاقتصادي على قلب أي مبادئ بشأن العدالة الانتقالية. بدلًا من ترسيخ العدالة والكشف عن المتورطين، لن يكشف القانون عن الأشخاص الذين نهبوا اقتصاد تونس لعقود، بالإضافة لكيفية قيامهم بذلك.

بدلًا من المساعدة في تطهير المؤسسات التونسية، عن طريق الكشف عن الموظفين الفاسدين وإقالتهم، سيمنح القانون العفو بدون أي مراجعة لأفعالهم الفردية، وهو ما سيعمل على دخول ثقافة الحصانة في الإدارة التونسية.

بدلًا من تحميل الأشخاص المسؤولين عن الفساد مسؤولية أفعالهم، سيخلصهم القانون من المحاسبة؛ مما يمهد الطريق لنفس النظام لتكرار نفس الأخطاء.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات