في “جدار” نورا ناجي.. الثورة ليست فقط في الميدان

سلمى هشام فتحي – التقرير

ربما لا تتناول رواية “الجدار” لنورا ناجي، الثورة المصرية مباشرة، ولا حتى تلك التي قامت في سوريا أو غيرها من الدول العربية، التي انتقلت إليها الثورات، وما تحمله من ويلات كالنار في الهشيم؛ لكن تلك الرواية التي حملت لنا الوجه القبيح لموت الأطفال والعنف والقسوة في ناحية، جلبت لنا الأمل والنضج في الناحية الأخرى، وكسرت “الجدار”، الذي كان غير قابل للكسر، قبل ثورات الربيع العربي.

استطيع القول إن الكثير من الشباب المصري تفجرّت طاقاته، عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011. حينها ظهرت الكثير من النشاطات، التي أخرجت كل فرد من دائرته الخاصة الضيقة، ليتعرف على العالم، ويشارك الآخرين بدفقة الأمل، التي أفاقت الكثير من الشباب، حتى أنك ترى ترددات الثورة بأشكالها المختلفة، في كتابات الكثير من معاصريها، حتى أيامنا هذه، في بداية العام 2017، ورغم كل التعقيدات السياسية التي حدثت، وجعلت جل الناس تراجع مواقفها، بل وتغيرها أحيانًا؛ إلا أنني أرى أفضل تجليات الثورة، ثورة الإنسان على نفسه، وإعادة صهره لمفاهيمه وثوابته.

رحلة البطل

كان أول من قدم مصطلح “رحلة البطل”، جوزيف كامبل، في كتابه “البطل ذو الألف وجه”، حيث اقترح تعرض أبطال الأساطير لرحلة تنقسم إلى عدة مراحل، يكتسب بعدها البطل حكمة وقوة روحية، وقام بتطبيق مراحل الرحلة على حياة بوذا والمسيح.

1 (1)

وبتطبيق هذا المصطلح على بطلة الرواية “حياة”، نجدها تواجه المخاطر والتحديات، التي تنبع عن صراعها النفسي وصراعها مع الآخرين، فهي تشعر بالتقصير تجاه والدتها المطلقة، ووالدها وزوجته، وتؤنب نفسها على تجاهلها لهم، ثم تقع في حب “خالد”، الذي رغم قسوته عليها وتسببه في الكثير من مشاكلها النفسية، لا تكرهه، ثم تضع صور قتلى اللاجئين والمُعذبين على جدار حجرتها، في محاولة لتعذيب الذات، حتى يأتي الصديق الإماراتي “سعود” والحبيب الحقيقي “تيو”، لانتشالها مما تعاني منه، حتى تستطيع الثورة على إخفاقاتها، وهدم الجدار الذي حبست نفسها داخله، ومن ثم تصل للقوة الروحية، وتتسامح مع كل آلامها.

هندسة محكمة

صهرت نورا ناجي الرحلة وآلامها، في سرد غير خطي، وفّر عنصر التشويق، الذي تزايدت وتيرته مع الدخول في عمق الرواية، كما ساعد على التشويق قِصر الفصول، التي تترك مساحة للراحة والتأمل بين كل فصل وآخر، وإن كانت الرواية في بدايتها لا تشي بذلك التشعب والعمق في معانيها، إذ لاحظ الكثير ممن نقدوا العمل تركيز الصفحات العشرين الأولى على قصة الحب الرومانسية فقط، ما قد يجعل البعض ممن لا يفضلون الروايات الرومانسية ينصرفون عنها منذ البداية.

2 (1)

والحقيقة أيضًا أن السرد غير الخطي، والانتقال بين الأزمنة والأماكن، قد لا يكون سهل الفهم، إلا لدى القارئ المتمرس، لكن في رأيي أن هذا الأسلوب ما ساهم في تماسك أحداث الرواية، التي كانت تكتمل قطع أحجيتها، مع كل تفصيلة جديدة، في كل فصل جديد.

الرجل ومرايا الذات

إن رواية “الجدار”، التي نكأت جراح الإنسانية، بالوقوف وجهًا لوجه أمام صور ضحايا الحروب والمجاعات والكره، لم تنحو كاتبتها كالكثير من الكاتبات، إلى اعتبار الرجل شرًا خالصًا، إنما قدمت عددًا متنوعًا من النماذج الرجالية، التي لا تصب كلها في بوتقة واحدة، فالرجل كالمرأة إنسان يخطيء ويصيب، والبطلة نفسها –رغم تعاطف القارئ معها وتوحده مع معاناتها– ليست ملاكًا، ومن هنا تأتي عمق الرؤية، التي لا تصنف الشخصيات باللونين الأبيض والأسود فقط.

ولا يخفى على القارئ بعض الإشارات، التي قدمتها الكاتبة، في محاولة للربط بين الشخصيات ومواقفها، فيما يشبه المرآة التي ترى فيها الشخصيات انعكاسها؛ فهنا “حياة” ترى نفسها ستتزوج من لا تحب، لتعيش تعيسة، ثم تطلب الطلاق كوالدتها، لأنها تحب “خالد”، دون مبرر منطقي، كما أحبت والدتها “حسن”، وضحت بحياتها المستقرة، لأنها لم تستطع نسيانه، كما نرى انعكاس “حياة” في الخطابات التي كتبتها لحبيبها، حتى تستطيع التصالح مع نفسها، كما نصحها الطبيب النفسي.

وهناك أيضًا حوار تقول فيه “حياة”:

  • خالد، أحبك.

فيرد:

  • للأسف.

ويتكرر الحوار مع “تيو”، لكن “حياة” هنا هي من ترد “للأسف”، كأننا نرى مشاعر الحب، التي تكنها “حياة” لـ”خالد”، ثم تنتقم منه بتجاهلها “تيو” الذي يحبها حقًا، لكنها لا تبادله هذا الحب، إلا قرب نهاية الرواية.

3

رواية “الجدار”، تناقش موضوعًا إنسانيًا بالمقام الأول، ورحلة إنسان في البحث عن ذاته، التي قد يجدها أو لا يجدها بمفرده، لكنه يكون محظوظًا أكثر إذا وجد من يمد له يد العون في رحلته، ويساعده على الإيمان بأمل جديد في الحياة.

النقاش — تعليق واحد

  • نورا ناجي فبراير 1, 2017 on 11:35 م

    أنا أشكرك على الريفيو العظيم ده

    Reply

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات