فورين بوليسي: ما يمثله الدستور التركي لأنقرة والاتحاد الأوروبي وأمريكا

فورين بوليسي – التقرير

حقق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم الأحد الماضي، مكسبا كبيرا يخص الدستور التركي، بتعديله للعديد من بنوده، ليدمج العديد من الصلاحيات داخل سلطاته الرئاسية، وبينما تتبارى الأحزاب المنافسة في تحليل النتائج، تتعارض مع قرار اللجنة الانتخابية بمنع قانون ضرورة وضع الأختام الرسمية على صناديق الاقتراع، مستشهدين بالتناقضات الواضحة في العدد الكلي لأصوات الناخبين الصادرة عن مجلس الانتخابات ووكالة أنباء تابعة للحكومة.

وأشار تقرير مبدئي صادر عن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي إلى عدم توازن مقايس اللعب في الساحة الانتخابية مع الإطار العام للحملات الانتخابية؛ ففي دولة تاريخها زاخر بالانتخابات الحرة، تثير الادعائات الأخيرة بتزوير الانتخابات ضجه كبيرة إلى جانب العديد من الأسئلة المشككة في شرعية الانتخابات، وهو من الصعب الجزم فيه الآن.

ما مدى تأثيرها على السياسات المحلية التركية؟

على الرغم من توقع الإحصائيات الأولية بفوز منقطع النظير، إلا أن نتائج الانتخابات أوضحت قرب النتائج، فأولا اعتقد الكثيرون أن الفرق بين الطرفين سيكون كبيرًا؛ نظرًا لسيطرة الحكومة التركية على الإعلام، وبسبب حملات المعارضة غير المنظمة، وانتشار مناخ من الخوف بين الشعب إلى جانب حالة الطوارئ المفروضة.

وعلاوة على كل ذلك، لم ننسَ خسارة أردوغان لكفة أكبر مراكز تجارية في البلاد؛ إسطنبول وأنقرة وأزمير، وبالطبع، تعتبر هزيمة أردوغان في إسطنبول، ضربة قاسمة، حيث بدأ عمله السياسي كمحافظ إسطنبول، مما يشير إلى احتمالية تعرضه للخسارة في الانتخابات الرئاسية عام 2019 وهو ما قد يتسبب في خلق فجوة سياسية تسمح بوحدة صف المعارضة في الانتخابات القادمة.

فهناك حاجة ملحة إلى أن تكون نتيجة الانتخابات الدستورية بـ”نعم”، ليعم استقرار سياسي قصير المدى، مع وجود مخاوف من فوز نتائج “لا” والتي كان من الممكن أن تثير أردوغان لإعادة الانتخابات البرلمانية أو البحث عن طريق جديد للإصلاح، إلا أن النتائج تشير إلى أنه خسر مساندة الوطنيين.

ولا نزال في حالة ترقب لحساب المكسب القليل الذي حصل عليه أردوغان سواء تقييد طموحاته أو احتمالية مضاعفته لتهديداته. من المؤكد أن أردوغان لن يتوانى عن مراقبة التظاهرات في شوارع إسطنبول وأي مكان آخر في جميع أنحاء البلاد.

حذرت المجتمعات الدولية تركيا بضرورة تطبيق القوانين الجديدة بطريقة عادلة؛ فمثلا حذر المجلس الأوروبي الزعماء بضرورة التفكير والتمعن في الخطوة القادمة جيدًا، وشجع على احترام استقلال الهيئات القضائية.

ومثله أشار الاتحاد الأوروبي إلى تقييم الإصلاحات الدستورية الجديدة نظرًا لكون تركيا مرشحًا محتملًا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وطالب بأهمية تواصل القادة لاجتماع وطني موحد لتنفيذ الإصلاحات.

هل تخلت تركيا عن فكرة الانضمام  للاتحاد الأوروبي؟

أحد أهم الأسئلة السياسية المطروحة حاليًا، وفقًا للتغيرات الدستورية الجديدة، هي كيف سيتجه أردوغان للوصول إلى الاتحاد الأوروبي والتعامل معه، خاصةً بعد توتر العلاقات بينهما بعد أن أطلق أردوغان على كل من ألمانيا وهولاندا لقب “النازيين”، بعدما مُنع مسؤولوه من الدفع بحملات انتخابية مساندة للتعديلات الدستورية في بلادهم، إلى جانب استفادة الأوروبيين انتخابيًا من معاداتهم للأتراك.

أعرب العديد عن رغبتهم في انتهاء النزاعات القائمة بين أردوغان وأوروبا بعد نهاية الانتخابات الدستورية بنجاح، ولكن من المحتمل أن تؤدي إلى بداية تغييرات دائمة في وجهة النظر التركية.

وصرح أردوغان، بكل ثقة، أثناء الحملة الانتخابية، أن عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي ستكون متاحة بعد نهاية الانتخابات الدستورية، ولم يكتف بذلك، وإنما عكف على تكرار ذكر وعده الانتخابي بإعادة فرض عقوبة الإعدام، ليعرض بذلك قيام استفتاء جديد للشعب إذا لم يؤيد البرلمان التركي خططه (مع العلم أن تركيا ألغت الإعمال بعقوبة الإعدام في عام 2004 كجزء من محاولاتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي).

ورغم كل هذه الضجة، إلا أن ردود أفعال القادة في أوروبا كانت ضعيفة للغاية بسبب الانقسامات القائمة في أرجاء تركيا، بينما أعربت كل من ألمانيا وفرنسا عن قلقهما إزاء بعض المخالفات في العملية الانتخابية، وطالبا أردوغان ببدء حوار مشترك مع جبهة المعارضة، وحذرتا من إعادة تطبيق عقوبة الإعدام.

لا تزال هناك مشكلتان كبيرتان حتى الآن بين تركيا والاتحاد الأوروبي؛ أولا أزمة اللاجئين، فمن مصلحة أعضاء الاتحاد الأوروبي البحث عن وسائل مساعدة تقلل من تدفق اللاجئين إلى بلادهم؛ فإذا انهارت المفاوضات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، من المحتمل أن يقوما بمفاوضات تخدم مصالحهم ضد الإرهاب.

وثانيًا، اقتصاديا من الممكن أن يتخلى الجانبان عن المفاوضات والمناقشات غير السارة عن سيادة القانون والاهتمام أكثر بتقوية الاتحاد الجمركي والوصول إلى اتفاقية للتجارة الحرة المشتركة.

آفاق العلاقات الأمريكية التركية؟

لم تُصرح الإدارة الأمريكية الجديدة بأي شيء بخصوص الدستور الجديد، بينما تفادت التعليق على أسئلة الصحفيين بخصوصها؛ معبرين عن ضرورة تعاون الناخبين والأحزاب والاهتمام بالعمل سويًا لمصلحة تركيا ومستقبلها والحفاظ على حوار سياسي متبادل.

ورغم تفهم الوضع الأمريكي الرافض للانخراط في السياسات المحلية التركية مثلما حدث من قبل، إلا أن الصمت الأمريكي يُعد مفاجئة؛ فلايزال هناك موضوعان مهمان عالقان وسط العلاقات بينهما من تسليم فتح الله غولن، المقيم في ولاية بنسيلفينيا المتهم بمحاولة الانقلاب على أردوغان، إلى جانب اتهام جون برينان، عضو سابق في السي آي إيه وغيره من المسؤولين الأمريكيين بالمشاركة في عملية الانقلاب العسكري على أردوغان.

فمن الصعب أن تسلم السلطات الأمريكية غولن إلى تركيا، بسبب عدم توافر الأدلة القانونية اللازمة، والقضية الثانية تدور حول الخلاف القائم على القوات المسؤولة للمشاركة في الحرب ضد داعش في سوريا، فبينما يرغب البنتاغون الأمريكي لاستغلال الأكراد السوريين، ترى أنقرة تحالف مقاتلي الأكراد مع حزب العمال الكردي (وهي عبارة عن جماعة إرهابية شاركت في حروب لعقود عديدة مع الحكومة التركية) وترشح مشاركة القوات العربية السورية عوضًا عنهم.

إذا ما أصرت الإدارة الأمريكية على مواصلة خططها الداعمة للقوات الكردية على مدينة الرقة، فسترغب مما لا شك فيه أن يكون انتصار دستور أردوغان سببًا في تهدئة رد فعله السلبي حيال مشاركة الأكراد.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات