فورين بوليسي: خطة السعودية للفوز بالبيت الأبيض

فورين بوليسي – التقرير

قبل انتخاب دونالد ترامب رئيسًا، وجدت مروة تصريحات المرشح بغيضة. “كان عدوانيًا جدًا ضد المسلمين”، كما تقول مروة (23 عامًا)، حديثة التخرج وعاشت حياتها الناضجة كاملة في مشاهدة باراك أوباما، الذي لم ينطق بهذه الكلمات عن دينها.

مع ذلك، بعد أن تولى منصبه، “تغير ترامب تمامًا”. بدلًا من العمل ضد السعوديين مثلها، تحدث الرئيس الأمريكي ضد إيران، وزاد من دعمه للحرب التي تقودها السعودية في اليمن، وكان “داعمًا جدًا للقضية السورية” كما تقول.

تضيف: “لا أعرف لماذا أو كيف تغير، لكن يبدو أنه فعل”. لا تزال مروة تغص بخطاب ترامب تجاه المسلمين واللاجئين السوريين، لكنها مستعدة للتغاضي عن ذلك مقابل ما يفعله في الشرق الأوسط. تقول إن بعض زملائها السابقين يقاتلون الآن على الحدود مع اليمن، و”بالطبع” يحتاجون إلى مزيد من الدعم الأمريكي.

وضعت مروة والعديد من السعوديين آمالهم في ترامب للعودة إلى سياسات إدارة أوباما. على مدى السنوات الثماني الماضية، كان صناع السياسة السعوديون والمواطنون على حد سواء فريسة للشكوك حول طبيعة العلاقة الثنائية. في نظرهم، كانت الولايات المتحدة تدور في فلك إيران، ونزعت يدها من الشرق الأوسط لصالح روسيا، وأصبحت معاملاتها باردة في اتفاقياتها مع الخليج.

يقول عوض البادي، باحث في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية: “ما زلنا نسأل أنفسنا: هل أمريكا أم هو أوباما؟ فُقدت المنطقة إلى حد ما”.

مع وجود إدارة جديدة في واشنطن، لا تملك الرياض أي فرصة لإشراك حليفها الأهم. قاد ولي ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يدير كل شيء من وزارة الدفاع إلى الإصلاح الاقتصادي، جهودًا لتحصين العلاقة. زار بن سلمان واشنطن في مارس؛ لتناول الغداء مع ترامب في اجتماع عقده مستشارو محمد بن سلمان “كنقطة تحول تاريخية” في العلاقات الثنائية.

يقول الخبراء إن الأمير الشاب يرى روحًا طيبة في جاريد كوشنر. اجتمع الاثنان في اجتماع مكتب ترامب البيضاوي مارس الماضي، ويترقب المراقبون السعوديون ما إذا كان سينضم إلى وفد الرئيس للمملكة هذا الأسبوع.

نشرت الرياض أن شقيق محمد بن سلمان، الأمير خالد بن سلمان، نُقل إلى واشنطن سفيرًا جديدًا، وهي الخطوة التي تجعل التمثيل الدبلوماسي للمملكة العربية السعودية أذن أخرى للملك بعيدًا عنه. “هذا التعيين مؤشر واضح على مبدأ (أقرب شخص لي هو ممثلي لديكم)” كما يقول البادي.

من المقرر أن يزور ترامب الرياض هذا الأسبوع، في أول زيارة له إلى الخارج. ستعتبر الزيارة تحولًا مذهلًا للرئيس الأمريكي من السخرية ذات يوم من السعودية على تويتر مطالبًا بالنفط الحر، وتعهد بالدفع لسنوات من الضمانات الأمنية الأمريكية في الخليج. قد تكون هذه مجرد بداية.

“العلاقات السعودية الأمريكية تعوض خسائر سنوات أوباما في جميع الأبعاد تقريبا” كما يرى عبد الله الشمري، دبلوماسي سعودي سابق وكاتب صحفي. يضيف: “إذا استمرينا عام 2017 مع هذا الأداء العالي، لن تعتبر فترة أوباما صفحة في كتاب المملكة العربية السعودية، ولكن بضعة أسطر”.

ترتيب جديد

كانت العلاقة الأميركية السعودية منذ فترة طويلة نوعًا من الزواج الكاثوليكي، حيث تمر العلاقات بفترات قوية وضعيفة، ولكن أيًا من الطرفين لم يفكر بجدية في الانفصال.

طوال معظم هذا الوقت، اعتمدت المملكة العربية السعودية على التاريخ والشخصية في تقديم قضيتها في واشنطن. كما ساهم السفراء السعوديون، مثل الأمير بندر بن سلطان، في إقامة علاقات حميمة مع العديد من الرؤساء الأمريكيين. قدم موظفون سياسيون كبار في السفارة الدعم، لكن معظمهم استأجرتهم شركات العلاقات العامة للتحدث إلى وسائل الإعلام والكونجرس.في الربع الأول من 2016، على سبيل المثال، دفعت الرياض أكثر من مليوني دولار إلى جماعات الضغط في واشنطن.

يبدو أن هذه الاستراتيجية عملت حتى مع إدارة باراك أوباما، الذي كان أقل ميلًا إلى وضع سياسة تقوم على ثبات المصافحة. كان الرئيس الـ 44 يعمل بطريقة وصفها الخبراء الخليجيون على أنها “معاملات”. في جزء منه لتأمين دعم الخليج لاتفاق نووي مع طهران، باع أوباما المزيد من الأسلحة إلى المملكة أكثر من أسلافه. لتخفيف المخاوف السعودية من النفوذ الإيراني، دعمت إدارة أوباما تحالفًا عسكريًا بقيادة السعودية؛ لإطاحة بالمتمردين الحوثيين من العاصمة اليمنية صنعاء.

مع ذلك، أصبحت العلاقات في نهاية رئاسة أوباما مضطربة. كانت الحرب اليمنية مستمرة منذ ما يقارب عامين، وتزايدت الإصابات بين المدنيين. في ديسمبر 2016، منعت إدارة أوباما نقل الذخيرة الدقيقة إلى المملكة، بعد أن أعادت دعمها الاستشاري إلى التحالف العسكري قبل شهور.

كما يبدو أن الكونجرس فعل المثل مع المملكة. ففي الخريف الماضي، تجاوز مجلس الشيوخ حق أوباما في النقض لتمرير قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب، والذي يسمح عمليًا للمواطنين الأمريكيين بمقاضاة الحكومة السعودية؛ بسبب التواطؤ المزعوم في هجمات 11 سبتمبر الإرهابية.

أما عن الخارج، ألقت السعودية اللوم على أوباما بسبب الخلافات. لكن بحثًا داخليًا عن النفس كان هناك أيضًا. داخل دوائر صناعة السياسات، أخذت “كورفيس”، إحدى شركات العلاقات العامة في واشنطن منذ فترة طويلة، لقب “هوريبيس” لعدم فعاليتها في التأثير على السياسة الأمريكية.

يقول سلمان الأنصاري، مؤسس ورئيس لجنة العلاقات العامة الأمريكية السعودية: “فشل السعوديون في الماضي في تمثيل أنفسنا بشكل صحيح في واشنطن. الحديث هو شيء تحتاج المملكة العربية السعودية إلى اتخاذه على محمل الجد”.

اتخذ محمد بن سلمان بالفعل خطوة واحدة نحو الاستيلاء على النفوذ مرة أخرى من شركات العلاقات العامة. كما برز كصوت المملكة العربية السعودية، من خلال إجراء العديد من المقابلات لوسائل الإعلام الدولية. لا يوجد ما يدور حول التحول الهائل الذي طرأ على الطريقة القديمة لممارسة الأعمال التجارية. طوال سنوات، قدمت الرياض إلى حد كبير تعليقات رسمية للصحفيين فقط من خلال سفارتيها في واشنطن ولندن. بعد عامين فقط من منصبه، قام ولي ولي العهد في بعض الأحيان بمقابلات مع بلومبرج والإيكونوميست وواشنطن بوست وشبكة التلفزيون العربية السعودية وغيرها.

استخدم بن سلمان كل مناسبة تقريبًا للتأكيد على العلاقات الأميركية السعودية. “شراكتنا مع الولايات المتحدة ضخمة” كما صرّح لبلومبرج في إحدى أولى مقابلاته مع وسائل الإعلام الغربية، مضيفًا: “النفط ليس سوى جزء صغير منها. كان هو مجرد بداية بالنسبة لنا”.

وزراء كل شيء

يعود الأمر إلى محمد بن سلمان، ولي ولي العهد، والابن المُفضل للملك سلمان، لقيادة الجهود الرامية إلى استعادة نفوذ الرياض المفقود في واشنطن.

يوفر دور محمد بن سلمان وحده السبل إلى التواصل. استوعب ولي ولي العهد حقائب طموحة منذ تسميته في خط الخلافة عام 2015. وزير الدفاع، صاحب برنامج الإصلاح الاقتصادي الضخم، صوت الجمهور للقيادة، وصاحب إعادة تنظيم الحكومة الشاملة، بالتالي هو شخص يمكن لترامب أن يأخذه على محمل الجد.

يقول فهد نزار، المستشار السياسي للسفارة السعودية في واشنطن، والذي تحدث بصفته الشخصية وليس بصفته الحكومية، إن زيارة بن سلمان للاجتماع بترامب في مارس كانت زيارته الرابعة للولايات المتحدة في أقل من عامين.

يقول الخبراء إن محمد بن سلمان – المعتاد على السياسة العائلية – قد يبني علاقاته مع مستشاري ترامب العائليين. قال الأنصاري: “الرجل الرئيسي بالنسبة لنا هو جاريد كوشنر، سكرتير كل شيء. وبما أننا لدينا وزير كل شيء، أعتقد أنه يمكن أن يعملا بشكل جيد. كلاهما لديه رؤية ونفس عقلية الإصلاح”.

يمتد الدفع السعودي إلى القطاع الخاص الذي تعتبره المملكة أمرًا حيويًا. اجتمع محمد بن سلمان مع “المديرين التنفيذيين لبعض من أكبر الشركات الأمريكية، في كل من الولايات المتحدة والرياض”، بما في ذلك الصناعات التقنية والمالية، كما يقول نزار.

نالت جهود بن سلمان أهدافها. قال وزير الخارجية السعودي، موجهًا رسالة شكر إلى الأمير الشاب بعد أن أعلن البيت الأبيض عن سفره المُخطط له، إنه كان مسؤولًا عن تنظيم الزيارة القادمة للرئيس إلى الرياض.

“جهد كبير من قِبل ولي ولي العهد في إدارة العلاقات الأمريكية السعودية” كما كتب عادل الجبير، السفير السابق في واشنطن.

سوريا

للموقف السعودي الثابت على العلاقات الأمريكية بالفعل تأثير ملموس. يصف الأمين العام للجنة المفاوضات العليا في المعارضة السورية في مكتبه المزخرف بشكل بسيط الدعم السعودي الشجاع.

يقول صفوان عكاش، وهو أيضًا الممثل الدائم للمجلس الوطني لحقوق الإنسان في الرياض: “أعتقد أن السعوديين أكثر نشاطًا في سوريا مع الإدارة الأميركية الجديدة”. يقول إن المملكة العربية السعودية والعديد من حلفاء الخليج الآخرين أعادوا تنشيط دفعة لتوحيد فصائل المتمردين.

رغم أن المملكة العربية السعودية دعمت المعارضة السورية خلال سنوات أوباما، إلا أنها كانت دائمًا ضمن الحدود التي وضعتها علاقة الرياض المحفوفة بواشنطن. لكن في دوائر السياسات هنا، أصبحت التوقعات عالية الآن للمشاركة القوية. تأمل إدارة ترامب في وضع اللمسات الأخيرة على بيع الأسلحة إلى المملكة بقيمة 100 مليار دولار تزامنًا مع زيارة الرئيس. اليمن، العراق، مصر، وحتى أفغانستان يمكن أن ترى آثارًا مضاعفة.

قال البادي إن القصف الأمريكي ردًا على استخدام الحكومة السورية للأسلحة الكيميائية، “يضع أمريكا مرة أخرى في اللعبة” في سياسة القوة في الشرق الأوسط.

على أرض الواقع أيضًا، يعتقد الخبراء أن اقتراح الرياض الذي طال انتظاره بإرسال قوات إلى سوريا من دول تحالفها العسكري الإسلامي، قد يعود إلى طاولة المفاوضات. أحد الاحتمالات هو أن تقوم القوات بتنظيم ممرات آمنة للمدنيين في شمال سوريا، أو المشاركة في عمليات تهدف إلى طرد تنظيم داعش من معاقله في مدينتي الرقة ودير الزور.

يقول الشمري: “الرياض متحمسة جدًا للتعاون مع الرئيس ترامب في مكافحة الإرهاب والتطرف في الشرق الأوسط. نتوقع أن نسمع أنباءً عن التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب خلال الأشهر المقبلة”.

توترات حظر المسلمين

تهدف المحاولات السعودية المتجددة في واشنطن إلى المدنيين أيضًا؛ على أمل تحسين المشاعر العامة الأمريكية تحوطًا ضد السياسة الانتخابية. لكن في مقاهي الرياض، السعوديون أنفسهم يتراجعون. يعبر كثيرون هنا عن انزعاجهم من ترامب شخصيًا، ويُجعدون أنوفهم حين يصفون خطابه عن الإسلام، وسياسته تجاه اللاجئين السوريين. لم يؤثر الحظر المفروض على السفر على المواطنين السعوديين، لكنه أثر على المغتربين العرب الذين يعيشون هنا.

يجلس متقاعد سعودي يُدعى بندر على مقعد خارج متجر بقالة، ويصف كيف كان هو وأسرته يذهبون إلى الولايات المتحدة كل صيف طوال عقود. ذهبوا حتى بعد هجمات 11 سبتمبر وما يصاحب ذلك من ارتفاع الإسلاموفوبيا. لكنهم لا يخططون للذهاب تحت إدارة ترامب.

“أثار الكراهية” كما تقول نجلاء ابنة بندر. تخشى الأسرة من التمييز أو حتى الترحيل؛ لأنها ترتدي اللباس الإسلامي التقليدي. تضيف: “العنصرية مقبولة. في الواقع، إنها الآن مطلوبة، وليست فقط مقبولة. أحد معلميّ السوريين في المملكة العربية السعودية استٌبعد من الولايات المتحدة خلال حظر ترامب الأولي للسفر”.

يقدم التناقض العام لمحة عن كيفية تفكك العلاقات بشكل أسرع. للتعويض عن تعليقاته على الإسلام، يأمل الجمهور السعودي في كيفية قيام ترامب بتحويل المنطقة. قالت وسائل الإعلام السعودية إن زيارة ترامب ستضع “الفتوة” الإيرانية في مكانها و”تعيد رسم” الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب في المنطقة.

يخشى بندر من قائمة المشاكل التي يريد الرئيس الأمريكي حلها، مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الحروب في اليمن وسوريا، والنفوذ الإيراني في جميع أنحاء المنطقة.

حتمًا سيكون هناك خيبات أمل. أحد الشركيين، أو ربما كليهما، سيجد صعوبة في مواكبة توقعات مغامرة اليوم. في الوقت الراهن، لا يبدو أي من الجانبين حريصًا على إنهاء هذا الازدهار في العلاقات.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات