فورين بوليسي: العالم العربي لم يتعاف تماما من نكسة 1967

فورين بوليسي – التقرير

في ديسمبر من عام 2016، توفى صادق جلال العزم – أحد أكبر القامات الفكرية المعروفة لدى العامة في سوريا في النصف قرن الأخير – في برلين، عن عمر يناهز الـ 82 عامًا. مثله مثل الكثير من السوريين المنفيين خارج بلادهم، شاهد العزم عملية القتل الجماعي الممنهجة ببطئ ضد الثوار السوريين في شرق مدينة حلب.

لا بد وأنه كان يمر بمرحلة عصيبة، خاصة وأنه شخص عانى في حياته، طوال نصف قرن من الزمان؛ في محاولة للقضاء على الحكم الاستبدادي العربي، رافضًا الأفكار السطحية الفقيرة، ومحاربًا للظلم الاجتماعي والاقتصادي، والتعصب الطائفي والعرقي.

في أيامه الأخيرة، شهد العزم على نجاح هذه القوات الوحشية في تدمير مدينة حلب، جوهرة سوريا القديمة وأشهر مدنها.  لم يتوقف العزم عن نقد ما حوله من انحدار العالم العربي في غياهب الظلام، منذ بداية أيامه العصيبة من مناقشات فكرية، دارت حول السؤال المعتاد “ما الخطأ الذي حدث؟” في العالم العربي، وما آل به، متسائلًا حتى آخر لحظاته على فراش الموت وحيدًا، لتبدو عليه علامات الصبر والتحمل.

انحدر العالم العربي أكثر وأكثر في غياهب الظلام، بعد مرور خمسين عامًا منذ بدأ العزم وغيره من المفكرين العرب، في تفكيك رهبة الأوامر السياسية الرجعية، وإسقاط الهياكل العظمية الدينية البدائية، وتحريك المجتمعات الراكدة. وصل التفكك الفعلي والفكري والسياسي في حصد حياة المنطقة العربية، التي كانت زاخرة تعُج بالحياة من قبل – في دمشق، حلب، بغداد، الموصل، القاهرة والإسكندرية – لم يتبق في الأفق سوى بيروت وصراعها للبقاء على حافة الحياة.

شكلت تلك المدن، لقرون عديدة، مكانًا لازدهار حياة الإنسان واللغات، في المجتمعات القديمة، بما فيها من مسلمين، مسيحيين، يهود، دروز، عرب، أكراد، آشوريين وشراكسة. بينما وُجِدَت من ذي قبل حياة عالمية حيوية داخل موانئ الأسكندرية وبيروت ومدن المناطق النائية، مثل حلب ودمشق وبغداد.

كنت استمع، وأنا شاب أجوب شوارع بيروت، اللغات البابلية، من العربية والفرنسية والإنجليزية والأرمنية، اليونانية والكردية. لكن، لا يمكننا إنكار أن هذه الحالة من الامتزاج العالمي شابتها عيوب في عالمٍ هش، مليء بالشكوك وعدم المساواة، حيث سكن الفلاحون المستاؤون الأرياف النائية، ليشاهدوا الأنوار المضيئة حولهم داخل المدن المحرمة عليهم، وما تتمتع به من مزايا أخرى.

بالطبع، شهدت في شبابي موجه مفاجئة من الحماس، مع ظهور الصحوة العربية جرّاء شعورها بالإهانة وعدم تصديق ما يحدث من حولهم بعد التغيير الكبير، والهزيمة الساحقة لمصر وسوريا والأردن على أيدي الجيش الإسرائيلي في ستة أيام.

أعطت هذه الحرب الحق لإسرائيل في السيطرة على شبه جزيرة سيناء المصرية، مرتفعات الجولان السورية، الضفة الغربية وغزة. كانت بمثابة قرع ناقوس الموت لفكرة الوحدة القومية العربية المتجسدة في شخص الرئيس المصري، آنذاك، جمال عبد الناصر.

في البداية، وجد معظم العرب ملجأ في إنكار ما حدث، رافضين الاعتراف بما يمثله طريقهم العسكري من أزمات ثقافية فاسدة متأصلة وعيوب اجتماعية، عوضًا عن الاعتراف بهذه الهزيمة الشنعاء؛ لتُعتبَر خطوة للخلف في مسار طموحاتهم.

 بينما أراد العديد منهم الاعتقاد بشدة أن ما حققته إسرائيل من نجاح يرجع إلى خداع الغرب لهم. الكثير من العرب والإسلاميين المؤمنين بالقومية كانوا يؤمنون أن إسرائيل ما هي إلا كيان صناعي، امتدادًا للحالة الاستعمارية في الشرق العربي.

كان الاعتقاد الشائع بين العرب وقتها، أن جيوشها قادرة على السيطرة على العالم والانتشار فيه. كنت أبلغ من العمر آنذاك 17 عامًا، ولا زلت أتذكر جيدًا الشعور بالألم الحارق، ممزوجًا بغضب غير موجه، ضد من توجوا أنفسهم أوصياءً على التراث العربي.

بعد مرور 50 عامًا على الهزيمة، أصبح العالم العربي الهش يعج بالحروب الأهلية. لم يكتف التاريخ بهذا فقط، فدُمرت مدن عربية عريقة طالما تصدت لغزاتها، مثل سوريا، العراق، ليبيا واليمن. إلى جانب انتهاك حرمة المدارس، المستشفيات، دور العبادة، المخابز والصيدليات، سواء من قبل حكوماتهم أو حتى الثوار.

 بينما فرّ العديد من المخلصين لأوطانهم إلى الخارج، سواء كان عن طيب خاطر أو أُجبروا على ذلك، ليشكلوا أنهارًا من اللاجئين الهاربين إلى الأراضي المجاورة، ثم الانتشار في أوروبا كلها.

تحول البحر الأبيض المتوسط، ذو لأمواج الهادئة، إلى ممر وسيط هائج، يعجّ بمقابر الكثير من اللاجئين الذين سلكوا مياهه بشجاعة، متعلقين بقشة أمل، حتى وإن كان أملًا كاذبًا. في النصف الثاني من القرن الـ 21، ألقى العالم العربي، الذي يمثل بالكاد 5% من نسبة تعداد سكان العالم، بعبئه على العالم، فوصلت نسبة اللاجئين إلى أكثر من 50% من لاجئي أوروبا.

في يومنا هذا، وجد العرب أنفسهم يعيشون تحت ظل جيرانهم الأقوياء من غير العرب، مثل إسرائيل، تركيا وإيران. بينما انهارت فكرة الهوية الوطنية الأحدوية في سوريا والعراق؛ بسبب الصراعات الطائفية والعرقية، لتتعمق الفجوة السياسية والاجتماعية والثقافية أكثر، وتُصعب من عملية وحدة البلدين.

كما هُمّش الدور المصري في آخر عقدين، بعد أن كانت أهم قوة في المنطقة، ولم يتبق منها سوى اقتصاد عائم هش، يعتمد فقط على ما يقدمه الخليج من منح. لم يقتصر الأمر في مصر على ذلك فقط، وإنما أصبح الجيش المصري المتهور غير قادر على فرض سيادته الكاملة على شبه جزيرة سيناء. وجد الجيش نفسه معتمدًا على القوات الجوية الإسرائيلية في حربها ضد داعش وغيرها من المتطرفين، وهي القوة نفسها التي أهلكت القوات الجوية المصرية في 5 يونيو 1967.

توقفت القاهرة عن أداء دورها المتمثل في كونها الكعبة الثقافية للعرب، بعد فشل جامعاتها، مراكز أبحاثها، معاملها، منشوراتها الأدبية، واستوديوهاتها، ومنصاتها المنتجة للعلوم والمعرفة أو الفن.

أما بيروت، فأصبحت واحة لمشروع ليبرالي غير مكتمل، لتختنق على يدي نظام سياسي فاسد، بجانب تربص قوة شبه عسكرية مفترسة وقاسية، تُعرف باسم تنظيم حزب الله، أحد الجماعات المتطرفة غير الحكومية في العالم، معبرًا عن الأهداف الخارجية العسكرية الإيرانية، فهي نسخة مشابهة للشيعة العثمانية المعروفين في التاريخ.

تساؤل من الرماد

كان العزم يرى كل هذه التطورات في العالم العربي، من وجهة نظره، كتراكمات لأسوء مخاوفه. تعرفت على صادق عام 1968، بعد نشره كتابه في بيروت بعنوان “النقد الشخصي بعد الهزيمة”، في محاولة منه لنقد العديد من جوانب الحياة العربية.

 ناقش ذلك الكتاب العناصر القادرة على تجاوز مرحلة الهزيمة، عن طريق التفكك الجذري للهياكل الراسخة في المجتمع والثقافة العربية، إلى جانب رفض الأساطير والخرافات الداعمة لهم مع التخلص من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية. أصبح هذا الكتاب علامة مهمة في التاريخ الفكري الحديث للعرب، ونتج عنه حالة عاصفة من ردود الفعل المتباينة.

لكن لم يكتفِ العزم بهذا الاتجاه فقط لإسقاط فزاعات العرب، حيث نشر عام 1969 مجموعة من المقالات بعنوان “نقد الأفكار الدينية”، ليوجه ضربته الناقدة هذه المرة في وجه السلطات ذات التوجهات الدينية التي تسيء استخدام الدين في خدمة مصالحهم السياسية، التي تبنت أساليب الفتك والأفكار الجاهلية.

بالطبع، كان رد فعل القامات الدينية وأبرز المثقفين العرب اليساريين سريعًا ودون رحمة، حيث طالب مفتي لبنان السني، ومجموعة من المنافقين السياسيين، الدولة بمنع نشر هذا الكتاب، بينما ألقت الحكومة القبض لفترة وجيزة على العزم، واتهمته بإثارة البلبلة وزرع بذور الطائفية، وهو اتهام في حد ذاته مضحك، فالعزم لم ينتقد المؤسسة المسيحية مطلقًا في كتابه.

بعد أن أُلقي القبض على العزم، بدأ محبوه من الأدباء والمفكرين والنشطاء في بيروت في شن حملة مضادة، أُطلِق سراحه من السجن بعد أسبوعين، لتتنازل الحكومة عن الاتهامات الموجهة ضده. احتُفي بكتابه باعتباره نصرًا ضد قوى الرجعية.

بالمثل، اتجه الكتاب السوريون، مثلهم مثل ما حدث في لبنان، إلى الكشف عن المحرمات الراسخة، والعقائد الإسلامية المقدسة، والأساطير السياسية الرافضة للحركات القومية العربية الناصرية والبعثية. في بدايات السبعينيات من القرن التاسع عشر، خرج للنور العديد من المنشورات الأسبوعية والشهرية؛ لتنضم إلى المؤسسات القائمة مثل “اتالية” و”الطريق”، إلى جانب جريدة النهار اليومية، التي نشرت في ملحقها الأسبوعي المناقشات الممتعة والبحث العميق عن النفس والتأمل.

كما أنتج الروائي الفلسطيني غسان كنفاني، المقيم في بيروت، بعض من أهم أعماله الأدبية وتعليقاته السياسية المذهلة في هذه الفترة. فعجت دور النشر والمسارح والمعارض الفنية والجامعات – بما فيهم جامعة بيروت الأمريكية المعروفة – بالنشاطات الإبداعية. كانت بيروت وقتها أكثر المدن العربية حماسًا وأشهرها عالميًا.

احتدم النقاش الفكري بعد أعوام من حرب 1967، وخاصة ما بين التيار التقدمي والجماعات الإسلامية المجمعة من العديد من الدول العربية، بعد أن أكدوا على اعتبار هزيمة 1967 أول الطريق في تاريخ القومية العربية. بينما حاول بعض الكتاب العرب إضفاء حالة من الانتعاش على العالم العربي. لم تكن هناك أي جدوى من العروبة.

لكنني طالما ما اعتقدت أن الجماعات الإسلامية العربية بدأت في الظهور فقط بعد هزيمة 1967، بعدما كان اتجاه اليسار يستهزأ بهم، فأعادوا صفوفهم، مُعتبرين مرجعهم الفكري والسياسي هو المرجع الوحيد الموثوق فيه كالبديل الأوحد للعروبة.

لم يكن ليصدق أي منا، من داخل الساحة السياسية. كان من الممكن أن تصل أي من الجماعات المهتمة بالإسلام في يوم من الأيام – مثل جماعة الإخوان المسلمين بامتداداتها، ومن بعدها تنظيم حزب الله الشيعي – ليسيطروا على مقاليد الحكم في الدول العربية.

الحرب تبدأ من جديد

بدأت اللحظة التاريخية من الإثارة الثقافية والسياسية وإعادة إصلاح الحياة في بيروت بالتشتت عام 1973، بعدما نجحت عناصر الاستبداد العربية وقوى الوقت الراهن في الحصول على فرصة ثانية لها. نجحت كل من القوات المصرية والسورية، أثناء حرب أكتوبر من نفس العام، في اختراق الدفاعات الإسرائيلية بشكل جيد إلى حد كبير، أو على الأقل في أولى أيام المعركة. نجحت الحرب في تحقيق أهدافها السياسية الفورية- من جذب الطرف الأمريكي للتدخل في الصراع – مما سمح باستعادة الجانبين، المصري والسوري، جزءًا من مصداقيتهما ومكانة جيوشهما باسترداد بعض من أراضيهما.

في هذا التوقيت نفسه، ورغم نجاح سوريا ومصر، فشلت الحركة القومية الفلسطينية، المتمثلة في جبهة التحرير الفلسطينية، في الوصول إلى مبتغاها بأن تكون البديل العلماني الحقيقي للقومية العربية المُهانة. حُرمت قيادات جبهة التحرير مما تمثله باختلافها عن بقية الأنظمة العربية؛ بسبب تخبطاتها في الأردن ولبنان، لتدخلها في شئون البلدين وتخوف المجتمعات المدنية منها.

أخيرًا، تسبب نشوب الحرب الأهلية في لبنان، التي بدأت عام 1975، في قتل تلك اللمحة العابرة من الأمل والوعود المتمثلة في بيروت ومستقبلها. بذلك، عادت القوات الاستبدادية لتظهر على الساحة وتسطير على مقاليد البلاد، إلا أن العالم الذي خلقته هذه الأنظمة المستبدة القوية، المتخفية وراء ستار زائف من الاستقرار والشرعية، سرعان ما سقطت؛ لعدم قدرتها على إخفاء الواقع حول وجود شيء فاسد خفي على الناس في العالم العربي.

شهدت العديد من الدول العربية، منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين، وحتى بداية التظاهرات التونسية عام 2010، بعض مظاهر من التشنجات العنيفة، فبعضها عُرف بطابع الحروب الأهلية (كما حدث في الجزائر في بداية التسعينيات، وسوريا ما بين عامي 1978 و1982، والعراق عام 1991 بالأخص)، وحروب أهلية أخرى قليلة التأييد والمشاركة من قِبل الشعب، أو بعد التظاهرات المحدودة أو المسالمة. لكن مُنعت هذه الصور من التعبير عن الرأي بالقوة والحزم، حيث لجأت أنظمة الحكم في سوريا والعراق الجزائر إلى استخدام أساليب وحشية للقضاء على خصومهم المسلحة، بما في ذلك استخدامهم للأسلحة الكيميائية في العراق، واقتلاع الناس من منازل أجدادهم الموروثة. في بعض الأحيان، استطاعت قوات المعارضة الجزائرية استخدام وسائل وحشية مماثلة تمامًا لنظام الحكم القائم فيها.

عام 1979، اهتز الشرق الأوسط إلى النخاع بفعل ثلاثة أحداث سياسية ضخمة، حيث اندلعت أحداث الثورة الإسلامية الإيرانية، واحتلال الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، والاستيلاء العنيف على المسجد الحرام بمكة. من هنا اجتيح الشرق الأوسط، من ميناء العراق بالبصرة إلى بيروت، نتيجة للحروب الطويلة، والغزوات، والقتل الجماعي للشعوب بسبب انتماءاتهم الدينية أو العرقية، وإراقة الدماء من الحروب الطائفية بين السنة والشيعة غير المسبوقة في التاريخ.

في محاولة من جانب الطرف السني للتنبؤ بظهور المهدي المنتظر، نشب هجومًا على مكة المكرمة؛ نتيجة تعصب ديني شديد مشابه لما يحدث فيما يعرف الآن بالدولة الإسلامية، ليواجه برد فعل سيئ للغاية من قِبل المملكة السعودية. ساهمت حرب الإسلام ضد غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان في مساعدة الموقف السعودي، إلا أن العالم الآن يجني ما حدث من تطرف في أفغانستان، من الدفاع عن الإسلام ليصل إلى حد التطرف.

الحرب من أجل الإسلام

كان ما سبق ذكره هو أساس جذور الصراع الطائفي القائم بين السنة والشيعة، فهو صراع لا يرجع إلى أي اختلاف لاهوتي آخر أو حتى كره متوارث بينهما. إنما قد يؤمن الجنود المشاركون في هذا الصراع بأنهم يحاربون من أجل الدفاع عن مقدسات طائفتهم، لكن من ساهم في تحريكهم يعلمون جيدًا أن أساس هذا الصراع ما هو إلا ظاهرة سياسية حديثة. فما هو إلا نزاع ساعد على تنافر إيران وحلفائها من الشيعة في المنطقة ضد المملكة العربية السعودية وحلفائها الآخرين من السنة؛ للحصول على مقاليد القوة السياسية وتنفيذًا لمصالحهم الاستراتيجية المتداخلة.

ساعدت الثورة الإيرانية في نقل روح الشيعة إلى مقدمة صفوفها. في الوقت نفسه، كانت الهوية العربية السُنّية يعاد إحيائها مرة أخرى، بعد هزيمة القومية العربية العلمانية. غضبت الأغلبية السنية في سوريا، تحت حكم البعث منذ ستينيات القرن التاسع عشر، بينما كانت مقاليد الحكم تقع تحت أيدي الأقلية المتمثلة في العلوية، إحدى الطوائف الشيعية.

أطلق غزو صدام حسين في العراق العنان لوحوش العولمة بدرجة كبيرة، إلا أن غزو أمريكا للعراق عام 2003 هو ما دفع بالحرب الأهلية بين السنة والشيعة إلى أوجها، ومن المتوقع أن تستمر لأعوام عديدة قادمة.

تنطوي الانتفاضات في العالم العربي حاليًا على استياء اقتصادي ومجتمعي كبير. فبعد الحرب العالمية الثانية، سيطرت أول دفعة من الشباب الطموح، المُضلل من الجيش المنتمي إلى الطبقات الغنية – رغم ادعائهم بالانتماء إلى المدن الريفية البعيدة – على مقاليد القوة والحكم داخل المدن الدولية مثل القاهرة وبغداد ودمشق.

لم تكن الحكومات التي أطاحوا بها ذات طابع ديمقراطي كامل، لكنها تميزت بالانفتاح والصبر، وتبنت التنوع، رغبة في الحفاظ على علاقات جيدة مع الغرب. سمحت مثل هذه الحكومات بوجود حرية إعلامية بنسبة محددة. لم تتورط الأنظمة الملكية المصرية والعراقية والسورية أبدًا في أعمال العنف غير المبرر على الشعب، من قِبل ظباط الجيش في السنوات اللاحقة، رغم فرض الأنظمة الحكومية اللاحقة  نوع محدد من السياسات على شعوبهم؛ فهي تعمل على توفير الخدمات الاجتماعية والتعليمية، والتعيين الحكومي والإعانات الاقتصادية للشعب، شريطة عدم انخراط المواطنين في أي ظاهرة من العمل السياسي.

الغنائم تذهب إلى المنتصر

حولت هزيمة العرب عام 1967 إسرائيل إلى أهم قوة عسكرية في المنطقة. بعد مرور 50 عامًا، نجحت إسرائيل في الوصول إلى المرتبة الأولى في الاقتصاد العالمي المصاحب لصناعة تكنولوجية عالية قادرة على منافسة شركات كبرى أخرى من دول متقدمة تكنولوجيًا. لكن إسرائيل تعتبر دولة التناقضات، فهي دولة تمنح مواطنيها اليهود سبل الديمقراطية، إلى جانب توفير جزء من الديمقراطية للمواطنين العرب، وهي دولة تحتل الفلسطينيين في الضفة الغربية مع الحفاظ على قطاع غزة في قبضتها.

رغم أن إسرائيل تعتبر دولة متحضرة في القرن الحالي، إلا أنها لا تزال تحافظ على رجعيتها الدينية والتعصب ومحاولات مكافحة أي تحديث به، وهو أمر لا يختلف عن الجماعات الإسلامية المشابهة في تفكيرها، التي تعاني منها الدول العربية. رغم ما يعلنه ويصرح به قادة إسرائيل، حول تقبلهم تقديم التنازلات للشعب الفلسطيني، تتحدث أفعالهم على أرض الواقع بعكس ذلك، من بناء المستوطنات  على الأرض الفلسطينية، فأفعالهم تعبر عن رغبة إسرائيل في الحفاظ على مساحة تخصها داخل الضفة الغربية؛ للحد من مقومات قيام أي دولة فلسطينية مستقلة.

لن تتجه إسرائيل إلى تنفيذ أي مفاوضات لصالح عملية السلام في المستقبل القريب، كما يزعم دونالد ترامب. بدورهم، اعتاد الشعب الفلسطيني على الاعتماد مساعدات الغرباء القادمة من أوروبا وأمريكا، حيث أهدرت السلطات الفلسطينية العديد من الفرص المتاحة لخلق استراتيجية للوصول إلى حل للسلام والحصول على الدعم اللازم من إسرائيل.

من الصعب أن يعبر العرب اليوم عمّا شعروا به من معاناة منذ 50 عامًا، نظرًا لما يمرون به حاليًا من كوارث، حيث انخرط العرب منذ نصف قرن في مظاهر التأمل والنقد، والسعي وراء إجابة أسئلة مهمة تتمركز عليها حياتهم، مثل ماهية الخطأ الذي أوصلنا إلى هذه الحالة وكيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟  استمرت حالة الأمل والسعادة بضعة أعوام قليلة.

بعد مرور 50 عامًا، لم يعد هناك مجال مشابه للأسئلة التي كانت تُطرح في بيروت من قبل، ولماذا استمرت حالة التشوق والأمل بعد انتفاضة العرب في 2011 لعدة شهور قليلة فقط، قبل أن تتخذ طابعًا عنيفًا وتتحول إلى حروب أهلية؟ ولماذا فشلت الحركة الفلسطينية بجانب حلفائها من العرب في الوصول إلى مكانة قوة زعامية قادرة على التغيير؟

لا تزال الأسئلة التي طرحها العزم وأعوانه، منذ 50 عامًا، متاحة حتى وقتنا الحالي. فالتغيير التام في زمننا الحالي تم بسبب انهيار الحالة العامة لأعوام عديدة متراكمة، ومن المحتمل أن تستمر في الانهيار على هذا المنوال، حيث خسرت القاهرة عظمتها، وأصبحت بغداد على مشارف التحول إلى عاصمة الشيعة، واستُبعدت حلب من المشهد لأول مرة منذ 600 عام، وأصبحت دمشق رمزًا للخوف.

رغم موقع الإسكندرية على البحر الأبيض المتوسط، إلا أنها أصبحت منطقة نائية مقفرة، فيما لا زالت وبيروت تصارع، لكنها لا تستطيع التوقف عن الشعور بالعجز والتعب، والشعور بأن العالم تخلى عنها. أصبحنا نعرف أنه من الممكن أن تنهب المدن العظيمة من عظمتها.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات