عودة لـ”باومان”.. عن الحب والعلاقات الاجتماعية في زمن الحداثة السائلة

حمزة ياسين – التقرير

عودة لـ”بماومان” في سلسلته عن السيولة، وعن ملامح العالم الذي نعيشه، ينتقل بِنا إلى تشخيص حالة السيولة، التي تلف العلاقات الاجتماعية، وما يتصل بها من تواصل وروابط، وعلاقة ذلك بالحضارة والاجتماع البشري.

ولا زالت الفكرية المركزية، التي يلف حولها، هي ضريبة النزعة الفردانية، التي تعصف بالفرد في عصر الحداثة السائلة، ولا يمكن فصل أسباب بروزها عن عملية إقصاء الدين من الحياة الاجتماعية، وانتقال المرجعية الوجودية من الجماعة إلى الفرد.

يعد هذا الكتاب جزءًا من سلسلة “زيجمونت باومان” عن الحداثة السائلة وتجلياتها في الحياة، وهنا يخصص حديثه عن تجليات الحداثية السائلة في الحب والعلاقات الاجتماعية، وسنعمل في هذه القراءة لهذا الكتاب، على عرض مجموعة من اللقطات التي تمثل السيولة، كما عبَّر عنها باومان في كتابه.

*** *** ***

بين الرغبة والحب في عالم سائل

بالرغم من وجود ارتباط بين الرغبة والحب، فإنهما يفترقان في الغاية والمآل، فالرغبة اشتهاء للاستهلاك، للإشباع والالتهام، فهي لا تحتاج شيئًا إلا لوجود ذات أخرى، كي تكون موضوع الرغبة، فهي باعث إلى سد الفجوة بين التي تحول دون الوصول إلى الآخر، لذلك ترتبط الرغبة بالإهانة والإذلال، لأنها تتعامل مع الآخر باعتباره موضوعًا لا ذات.

“فالرغبة تدفع إلى تجريد الآخرية من آخريتها، ومن ثم تعجيزها”، بمعنى أن الرغبة هي نتاج رؤية استهلاكية للآخر، وكما كل ما هو قابل للاستهلاك، يكون مغريًا في البداية، لكن عند الفراغ منه يصبح بلا معنى.

في حين أن الحب هو الحرص على الرعاية والحفاظ على موضوع الرعاية، قوة تستوعب الذات وتُقدِّرها، على عكس ما تفعله الرغبة، “فالحب يتعلق ببقاء الذات عبر آخرية الذات”.

“الحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، وأما الرغبة بوسيلة للهروب من الأعباء الثقيلة، التي يتطلبها نسج الشباك، فالحب بطبيعته يسعى إلى إدامة الرغبة، وأما الرغبة بطبيعتها فتهرب من قيود الحب”.

هذا التفريق بين الرغبة والحب، هو مدخل لفهم علاقة إنسان الحداثة السائلة بالحب، فالرغبة بشكل عام تشكل عماد الحياة السائلة، والتسوق هو خير مثال على ذلك، فالمجتمع الاستهلاكي هو مجتمع تحقيق الرغبات، بل الأمنيات، أي أنه فوري وسريع واستهلاكي في تعامله مع الأشياء، ففي عالم سائل يُحتفى بالسرعة والأماني والإشباع الفوري للشهوة، بالتالي فلا مكان لخلاف هذه المعايير.

فالرغبة المحقونة بالأمنية، صارت تتعارض مع الرغبة المتأصلة بالحب، الذي يقتضي تعهدات ورعايةً وصبرًا على الآخر، وتحقيق بعض التنازلات لتحقيق التوازن، وإرجاء الإشعاعات المباشرة، وهو أبغض تضحية في عالمنا، الذي يحتفي بالسرعة وتعجيل الإشباع، كما يقول باومان.

للذلك أصبحت العلاقات بين الجنسين معلومة بمنطق الاستهلاك والأمنيات، أو بمنطق “علاقات الجيب العلوي” وتسمى كذلك لأن المرء يمكن أن يحتفظ بها في جيبه، بحيث يمكنه إخراجها بسهولة متى أراد.

*** *** ***

الحضارة والإباحية

تركزت أفكار فرويد عن الحضارة بشكل كبير على أخلاق الحضارة، باعتبار أن الحضارة لا تقوم إلا عن طريق تهذيب الإنسان، وكبت نوازعه ورغباته الجنسية المدفونة، وإلا انفلت المجتمع وعاد إلى صورة من صور الحيوانية.

وبالتالي تقوم الحضارة على توظيف واستغلال المقدرة الطبيعية لدى الإنسان على التسامي بالغرائز الجنسية، واستبدال الهدف الجنسي الأصلي ليحل محله هدف آخر، خصوصًا الأهداف الاجتماعية النافعة.

أو بمعنى آخر، يتم كبت المنافذ الطبيعية، لصالح المنافذ الاجتماعية والثقافية، ومن هنا تولد الثقافة.

وتنبأ فرويد سابقًا باحتمالية حدوث فورة جنسية، بسبب حالة الكبت التي كانت تعيشها المجتمعات، وهو ما حدث فعلاً في ثورة الستينات، لكن توقعه كان يرد إلى أن هذه الفورة ستعبر عن حالة نكوص عن الحضارة، لكن ما يعلق عليه باومان، بمعنى أن الجنس نفسه أصبح قائمًا كنشاط حر ومفتوح ومربع في زمن الحداثة السائلة.

“فالمواد الاجتماعية النافعة، التي كانت قائمة لتفريغ الشحنة الجنسية، لم تعد بحاجة إلى التخفي في صورة أنشطة ثقافية، إنها تُستعرض، بفخر كبير وربح عظيم، طبيعتها الجنسية المتأصلة أو المبتدعة”، وهو ما نراه في شبكات ومجلات وقنوات تصنيع ومنتجة الجنس والإباحية، كأنها أمور أصبحت جزءًا من تكوين حضارة اليوم.

هذا يعني أن الطاقة الجنسية لم تعد توظف في خدمة “سيرورة التهذيب الحضاري”، إنما أصبح جزءًا من مكانة الربح والاستهلاك، القائمة في حياة إنسان الحداثة السائلة.

*** *** ***

الهواتف النقالة

كامتداد لحالة السيولة والتغير والسرعة التي يعيشها العالم، تأتي الهواتف النقالة ضمن معادلة السيولة في هذا العالم، الذي أصبح كل شيء محيط بالإنسان مهيأً لوجود الهاتف، فلا مكان نذهب إليه من الهاتف النقال، أو كما يقول باومان: “اللامكان في واقع الأمر هو المكان من دون الهاتف النقال، المكان الذي يكون فيه الهاتف خارج نطاق الخدمة، أو ببطارية فارغة”.

وهنا لم تعد علاقاتنا مع الآخرين محتومة ومحددة، بل أصبح فيها قدر من المرونة والحريّة والتسيب، حتى عندما نكون معهم، “فيمكنك دائمًا أَن تستنجد بتلك الشبكة، عندما لا تطيق السرب المحيط بك”، ومن هنا تكون المفارقة، فكما يقول باومان: “إن الذين يعيشون بعيدًا عن بعضهم بعضًا تُمكِّنهم الهواتف النقالة من التواصل، ومن يتواصلون تُمكِّنهم الهواتف النقالة من الابتعاد عن بعضهم بعضًا”.

وضمن مساحة الهواتف النقالة والمساحة الافتراضية التي تتيحها، يكون الاتصال أقل كلفة وصعوبة من الارتباط، لكن أيضًا أقل إنتاجًا فيما يتعلق ببناء الروابط والحفاظ عليها، فالقرب الافتراضي يخفف الضغط الذي يبذله القرب غير الافتراضي، بل أصبح القرب الافتراضي هو المقاس والمعيار، الذي يحدد القرب الحقيقي أو غير الافتراضي.

*** *** ***

أحبب جارك كما تحب نفسك

في ظل النزعة الفردانية السائدة في المجتمع الاستهلاكي السائل، يقدم باومان إشارة لطيفة بخصوص معنى الوصية الدينية المعروفة: “أحبب جارك كما تحب نفسك”، مبتدأً بتعليق فرويد عليه، فهذه الوصية إحدى الوصايا الأساسية للحياة المتحضرة، لكنها تمثل أيضاً أكثر الوصايا تناقضًا مع العقل الذي تروجه الحضارة، عقل المصلحة الشخصية والبحث عن السعادة.

فإذا تساءل ابن الحضارة عن المنفعة التي تعود عليه إن أحب جاره، فسيشعر بعبثية هذه الوصية بحب الجار، لكن قيمة هذه الوصية لا تأتي من هنا، إنما تأتي من كونها أمرًا مخالفًا لطبيعة الإنسان، وهو ما يعطيها قوة أكبر من غيرها من الوصايا، “فكلما قلت احتمالات الامتثال لقاعدة أخلاقية ما، زاد الإصرار على التذكير بها.”

وفي سياق الحداثة المعولمة، تصبح البشرية في أمس الحاجة لمثل الوصية، وبالرغم من أن العلاقات المباشرة مع الجيران أصبحت نادرة في هذا العصر، لكن مفهوم الجار نفسه تغير، ففي عالم معولم قد يكون الجار هو زميل أو صديق افتراضي في الطرف الآخر من الكون، وهذا يقتضي أن أَذًى الإنسان أصبح معولمًا أيضًا، ما يجعل وصية حب الجار تحظى بأهمية بالغة في زماننا.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    منذ بداية ثورات الربيع العربي، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الدردشة وصفحات الإنترنت تغيرًا ملحوظًا في توجهات شريحة كبيرة من الشباب العربي وتحديدًا المثقفين منهم، نتيجة لتسارع أحداث هذه الفترة، فظهرت على إثر ذلك مصطلحات وألفاظ ومفرادت جديدة ومبتكرة تولدت من رحم هذه الأزمة؛ لتُعبّر عما يختمر في أذهان كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث استحدث الشباب طريقة كتابية جديدة هي خليط من الحروف العربية والإنجليزية (تسمى الفرانكوأراب أو الأنجلوعربية) تعبيرًا عن تسارع الأحداث وكلغة مبتكرة وسريعة..

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

        “سيدي الأستاذ النابغة: محسوبُك كاتب هذا – الأسطى حنفي أبو محمود – من كان له الشرف أن يُقلك فى عربته مرارًا، إما منفردًا أو مع زمرة من إخوانك...

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    عثمان جمعون – مدير نشر موقع الشمال24 منذ مغادرتي لمقاعد المدرسة، وأنا أجد تعظيما مبالغاً فيه للشواهد التعليمية، حيث أنه لا يمكنك أن تقدم شيء ذا بال لدى الدولة...

    المزيد من التدوينات